مراسل تلفزة تي في الذي أحرق نفسه يعيد إلى الواجهة مشكل الإعلام. وهو مشكل لم ينفك يطرح ولكن بأشكال غالطة أو تلامس القشور ولا تنفذ إلى الجوهر.
المشكل الظاهر الأول هو وضع التشغيل الهش الذي يعاني منه كثير من الصحفيين الشبان وقد ازداد بسبب الإنفلات في المشهد الإعلامي لكن هذا المشكل يخفي إشكالات أعمق. تتعلق أساسا بضبط المشهد الإعلامي وتنظيمه وهو الذي يلخصه سؤال لماذا فشلت هياكل المهنة. وعلى رأسها نقابة الصحفيين في وضع حد لظاهرة إستغلال الصحفيين من المؤسسات المشغلة.
نحتاج هنا إلى فهم مسألة أساسية، هي أن هذه المؤسسات الإعلامية لم تتحرر بفعل الثورة وظلت تحت سيطرة لوبيات الفساد والمال السياسي لذلك نجحت في تجاوز القانون المنظم للمهنة وقد زاد وضع المؤسسات الممثلة للقطاع من تغول هذه اللوبيات فنحن فشلنا إلى حد الآن في إنتخاب هيئة دستورية دايمة للإعلام عوضا عن الهايكا التي إنتهت صلاحيتها القانونية وحتى إن نجحنا فأظن أن الأمر لن يتغير لأن إختيار أعضاء هذه الهياكل في ظل ما عليه مجلس النواب لن يخرج عن وضع المسخ الذي نحن فيه ترضيات واتفاقات تحت الطاولة وإقصاء لأهل المهنة المحترفين.
نقابة الصحفيين لم تغادر مربع الايديولوجيا فلم تقدر على طرح المشكل بالجدية التي يستحقها. ولعل موقفها من سامي الفهري دليل على ذلك. فقد وقفت إلى جانبه زمن الترويكا باعتباره ضحية حرية التعبير ثم كالت له السباب والشتم حين اختلفت معه ولَم تواصل الضغط عليه رغم أن ظاهر معركتها معه بسبب وضع الزملاء الهش.
إدراك لوبيات الفساد لهذه الحقيقة وسع هامش مناورتهم وفرض شروطهم فلم ننجح بعد في فرض الفصل بين التحرير والإدارة.
في المحصلة وضع الصحفيين هو جزء من وضع صعب في المجتمع لكنه الأصعب لأنهم هدف للسيطرة بحكم خطورة موقعهم.
غير أن حلول الاستسلام لا أرضاها والموت حرقا هو من هذه الحلول التي تدفع إليها جهات الفساد والحكم لغايتين:
• رمزية يقصد منها ترذيل حدث الإحتراق الأول الذي فجر الثورة.
• ومنفعية باعتباره الحل الأقل كلفة.
رحم الله الصحفي الشاب.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.