نعم ما حدث في تونس انقلاب بأتم معنى الكلمة.
المشكل ليس في تحديد طبيعته التي هي دون شك انقلاب، بل في تحديد طرفيه:
انقلاب من على من؟
وإذن فما حدث يحتاج لفهمه أن نجيب عن الأسئلة الثلاثة:
• لماذا أحكم بأنه انقلاب؟
• من الذي قام به؟
• على من قام به؟
وثلاثتها تتضمن سؤالين أساسيين.
• السؤال الرابع: هل كان يمكن تجنب الانقلاب؟
• السؤال الخامس: هل يمكن أن يحول دون الانقلاب الأكبر الذي قد يترتب عليه أم هو سيعجل به؟
خمسة أسئلة أولها هو تعليل حكمي بأنه انقلاب بأتم معنى الكلمة ثم تحديد الفاعل ثم المنفعل ثم قابلية تجنبه وأخيرا هل يحول دون انقلاب أكبر أم يعجل به؟
وأملي أن تكذب الأحداث أجوبتي وتوقعاتي خاصة.
تحديد طبيعة ما حدث أساسه معنى رئيس الحكومة في نظامنا الدستوري الجديد:
هو الشخص الذي اختارته الأغلبية التي ربحت الانتخابات لتحقيق البرنامج الذي نالت بمقتضاه الأغلبية.
وفي حالة اعتبارها إياه فد فشل في تحقيقه بوسعها تغييره ويكون منها ما لم تتغير الأغلبية.
ولا يمكن لأي شخص أن يعالج أزمة في حزبه بالتعدي على المبادئ الأساسية في النظام الديموقراطي.
فأي نظام ديموقراطي يعتبر المدة بين الانتخابين خاضعة لشرعية الأغلبية التي وصلت إلى الحكم مهما تغيرت التوازنات بين القوى السياسية لأن تقديرها الذي يضفي عليها الشرعية هو العودة إلى أصل الشرعية أي الانتخابات وإلا لاستحال استقرار الحكم الضروري للعمل السياسي ولإنجاز البرامج.
وتغير الأغلبية لا يقع بين الدورتين حتى لو فقدت في الأمر الواقع ما يفيد أنها ما زالت أغلبية مثلما يحدث في الاستفتاءات ناهيك عن أسبار الرأي. فيكون ما حدث خروجا عن هذه القاعدة ومن ثم فهو انتقال للأغلبية بالأمر الواقع وليس تغييرا بالأغلبية بالأمر الواجب.
والمعلوم أنه قلما يحافظ أي حزب حاكم في الأنظمة الديموقراطية على شعبيته التي كانت له في الانتخابات لأن الإنجاز غالبا ما يكون دون الوعود.
فلو تابع الحكم منحنى الشعبية مثلا لاستحال بقاء أي اغلبية المدة الفاصلة بين دورتين. لذلك فمبدأ احترام المدد في الديموقراطية يعتبر أهم شروط فاعليتها.
ولا يعني ذلك أنه يستحيل تغيير الأغلبيات بين الدورتين.
لكن ذلك يحصل بآليات معلومة وهي في الغالب تعود إلى آلية واحدة شرعية وهي تقديم الانتخابات إما بطلب من المعارضة أو بتعطل عمل الأغلبية وخاصة في مستوى التشريع.
كل ما يحدث بطريقة مغايرة انقلاب سواء كان لطيفا أو عنيفا.
وغالبا ما يؤول الأول إلى الثاني في النهاية وهو ما أخشاه على تونس وخاصة على المتعجلين في التغيير دون إعطاء الوقت للوقت من اجل اندمال الجروح وتحقق الاستقرار التواصلي بين القوى السياسية قبل الاستقرار السياسي.
صحيح أن الانقلاب الذي نعالجه هنا ليس انقلابا عنيفا كما حدث في مصر لكنه انقلاب حتى لو أن جل المحللين يحاولون شرعنته معتبرين تغير الأغلبية في الأمر الواقع وكأنه شرط كاف ليحدث أغلبية لرئيس الحكومة ومؤيديه من دون أن تكون هذه الاغلبية الجديدة هي التي ربحت الانتخابات السابقة وشاركت في وضع البرنامج الذي صارت بمقتضاه أغلبية ليحق لها إعطاؤه شرعية برلمانية لترأس حكومة.
وإذن فالأغلبية التي حصل عليها -أو كان يمكن أن يحصل عليها إن لم يحصل عليها فكلها انقلابية- هي أغلبية الأمر الواقع بمقتضى الوقوع De fait وليست أغلبية الأمر الواجب بمقتضى القانون De droit. وكل ما يحدث بمقتضى الأمر الواقع يعتبر انقلابا على ما يكون بمقتضى الأمر الواجب سواء في السياسة أو في الاخلاق أو فيهما معا.
فالسيسي مثلا يحتج بـ30 يونيو أو شرعية الشارع المفتعلة ضد شرعية الانتخابات السابقة.
وكان يمكن أن ينتظر تابعوه مما يسمى جبهة الانقاذ الذين يدعون تمثيل اغلبية الأمر الواقع انتظار انتهاء المدة أو المطالبة بانتخابات سابقة لأوانها لجعل الأمر الواقع أمرا واجبا بالآليات الديموقراطية.
لكن الشاهد ومن أعطاه شرعية مخالفة للشرعية التي أتت به ليكون ممثلا للأغلبية الانتخابية السابقة قبل نهاية الدورة يعتبرون انقلابيين لأنهم اعتبروا اغلبية الأمر الواقع كافية ومغنية عن شرعية الأمر الواجب. ومن ثم فما فعلوه انقلاب دون أي شك.
والفرق الوحيد بينهم وبين السيسي هو براءة جيشنا وعدم الوصول إلى سفك الدماء.
ولذلك فهو قد يكون مدخلا إليه بانقلاب أخطر.
وختما للجواب على السؤال الأول ينبغي أن أوضح أن رئيس الحكومة له شرعية غير مباشرة تستمد من شرعية الأغلبية التي اختارته لهذه المهمة أعني تحقيق البرنامج الذي نالت بمقتضاه الاغلبية وهي قد نالتها لمدة الدورة الانتخابية دون اعتبار للتغيرات قبل نهايتها وإلا لاستحال تحقيق أي برنامج.
ولو قلنا غير ذلك لصار بوسع رئيس الحكومة أن يحكم باسم الأغلبية التي أوصلته إلى الحكم ثم بمحض اختياره يمكنه أن ينتقل ليحكم باسم المعارضة التي صارت اغلبية بمقتضى الأمر الواقع دون أن يكون هذا الأمر الواقع قد صار أمرا واجبا بمقتضى انتخابات تجعلها أغلبية ذات شرعية انتخابية بالأمر الواجب:
ذلك هو شرط الشرعية غير المباشرة المستمدة من ممثلي الشعب.
أعتقد أن هذا الاستدلال لا يقبل الطعن إلا من يريد أن ينكر أساسيات الديموقراطية ومن ثم فلا يحق له أن يجادل في الاستدلال بل أن يجادل في نظرية الحكم الديموقراطي ومعنى رئيس الحكومة في النظام البرلماني أو نصف البرلماني كنظامنا الحالي. والأهم أن الاستدلال أعد للجواب على الأسئلة الباقية.
وأعلم أن هذه الأسئلة ستزيد في من قد تغضبهم تحليلاتي ومتهميها بـ”التفلفس” لأن من لا يساوم على المبادئ يحاول ألا يتبع ميوله الشخصية في تقييم الخيارات السياسية. وكم يكون ذلك عسيرا على النفس الميالة للهوى. لكني مع ذلك سأقدم على الجواب.
فالسؤال الثاني لم يعد من المنقلب والثالث من المنقلب عليه بل صار من هي اغلبية الأمر الواقع ومن هي أغلبية الأمر الواجب حاليا.
والجواب لا يكون ميسورا لمن لا يستنتج أن الإشكال السياسي الذي ينتج عن التقابل “أمر واقع-أمر واجب” يقتضي ضرورة أن الأول حصل بعد أن لم يكن والثاني زال بعد أن كان قبل نهاية الدورة الانتخابية وهو مؤذن بتغير سيحصل في نهايتها وبداية الدورة التي تليها. ومن ثم نفهم المقابلة بين انقلابين ممكنين يتسابق أصحابهما بمنطق التمانع.
ومعنى ذلك أن الأمر الواقع الذي حصل والأمر الواجب الذي زال في المعترك السياسي يجعل هذا المعترك يعيش تحت وطأة النتائج المنتظرة في الانتخابات التي قد تجعل الأمر الواقع يصبح أمرا واجبا فيكون من فقد الأمر الواجب مهدد بفقدان ما كان له من شرعية الانتخابات السابقة.
وقد يوجد في سلوكه ما قد يجعل ما ينتظر أن يصبح أمره الواقع أمرا واجبا في الانتخابات المقبلة ومن ثم فهو يجد نفسه خائفا على ممكنه الاستقبالي من خوف الثاني على حاصله الحالي:
فيكون كلاهما بسبب خوفه لم يعد صابرا في انتظار الحسم الديموقراطي وفضل حسم التسابق على منع انقلاب الثاني.
وهذا قد يؤدي مباشرة إما إلى اتهام النهضة التي بمقتضى نتائج الانتخابات البلدية الإيجابية تنتظر أن الأمر الواقع الحالي سيتبدل لصالحها في الانتخابات المقبلة مثل البلديات أو إلى واتهام النداء الذي بمقتضى نتائجها السلبية يتنظر أن الأمر الواجب الحالي سيتبدل فيفقد الشرعية التي نالها في الانتخابات السابقة.
ولأن ذلك يبدو بدهيا فإن جل المحللين والعجلين منهم على وجه الخصوص تسليما جدليا بحسن النوايا ذهبوا إليه واعتبروا ما حدث انقلابا بإيعاز من النهضة خوفا من أن يحدث انقلاب من النداء يحول دون وقوع الانتخابات المقبلة فيحرمها من ان تنتقل اغلبيتها من الأمر الواقع إلى الأمر الواجب بمقتضى هذه الانتخابات إذا حصلت وحصلت بصورة ديمقراطية.
ورغم بداهة هذا التحليل فهو متسرع.
ذلك أن الأمر الواقع والأمر الواجب لا يتعلق بما بين الأحزاب فحسب بل هو أيضا موجود في كل حزب على حدة. والكثير يتوهم أن النهضة بريئة من ذلك بمعنى أنها خالية من التنافس بين قياداتها وتياراتها لأنها كتومة.
لكن هل يناقش أحد في عتو الظاهرة في النداء وحتى في الجبهة وبقية الأحزاب وحتى في النقابات؟
ولعل العنصر الثاني الذي يجب اعتباره للحواب عن سؤالي من المنقلب ومن المنقلب عليه أبعد غورا من عنصر التنافس بين القيادات في الأحزاب عامة وفي النداء خاصة وهو التداخل بين السياسي والنقابي بمعنييه نقابات العمال ونقابات الأعراف. فهؤلاء لهما نفس المشكل وهما المحركان للأحزاب.
ولهذه العلل يصبح الجواب عن السؤالين من المنقلب ومن المنقلب عليه ليس يسيرا خاصة إذا أضفنا إليه أن الاحزاب والنقابات والمجتمع المدني في الدول التابعة ليست حركات مستقلة حقا ومعبرة عن الإرادة الوطنية الخالصة بل هي في الكثير من الأحيان مخترقة ويحركها ما يدل عليها علاقاتها بالسفارات.
وبذلك يصبح السؤالان من الفاعل ومن المنفعل أكثر تعقيدا ويمكن أن يصاغا كالتالي:
• من وراء من يبدو فاعلا من الداخل والخارج؟
• ومن وراء من يبدو منفعلا من الداخل والخارج؟
وهكذا نجد أن المسألة تتجاوز ما بين الأحزاب وما في الأحزاب سياسيا بدخول الاجتماعي والمافيوزي من المهربين والإرهابيين في منظومة الاقتصاد الموازي وبدخول محركي الدمى.
أعلم أنه يعاب علي ما يعتبره البعض تعسير اليسير وهو في الحقيقة بيان كشف تبسيط المعقد. فما حدث انقلاب بالمعنى الدستوري لأنه تغيير للأغلبية خلال الدورة وعدم انتظار التغيير الوحيد المشروع في الديموقراطية وهو ناتج عن جعل الأمر الواقع وكأنه أمر واجب بتحريف معنى شرعية رئيس الحكومة.
البرلمان يعطي الشرعية لرئيس الحكومة الذي ترشحه الأغلبية وتدعمه.
ويمكن إن تغيرت الأغلبية بين الدورتين أن تسقط الأغلبية الجديدة الحكومة فيعود الجميع إلى الشعب لانتخاب اغلبية جديدة.
لكن الأغلبية بين الدورتين يمكنها أن تعزل رئيس الحكومة ولا يمكن للأغلبية الجديدة أن تتبناه.
لأن تبنيها إياه يعني أنها حافظت على رئيس حكومة نزعت عنه الاغلبية التي أوصلته للرئاسة شرعية كونه رئيسا فلا يمكن حينها أن يطلب معاملته كرئيس وهو لم يعد يمثل الأغلبية التي عين للمهمة بوصفه ممثلا لها في إنجاز برنامجها.
الشاهد انقلابي دون أدنى شك.
والبرلمان لا يمكن أن يعطيه الشرعية.
يمكن أن يصبح شرعيا إذ أسقطت المعارضة حكومته بعد أن تصبح غالبية بين الانتخابين فتقع انتخابات قبل أوانها يمكن أن يكون هو قائدها ويربح الأغلبية التي تكون بفضلها قد انتقلت من الأمر الواقع إلى الأمر الواجب دستوريا. وحينها يمكن أن يمده البرلمان بالشرعية إذا رشحته الأغلبية الجديدة التي قادها هو أو أحد مؤيديه من الأحزاب التي تريد إعطاءه الشرعية حاليا دون العودة إلى الشعب لجعل الأمر الواقع واجبا.
وقد غالط المتكلمون في المسائل الدستورية مكتفين بالشكليات النصية ومتناسين شروطها المستمدة من طبيعة الديموقراطية. فلو كانت الأغلبية البرلمانية من غير الأغلبية الانتخابية كافية لرئيس الحكومة لأصبح شرعيا من دون شرعية الأغلبية التي جعلته رئيسا لأن العكس يعني أن كل فشل ظرفي في الحصول على اغلبية البرلمان في تمرير قانون مثلا تعني سقوط نهاية الأغلبية الانتخابية قبل نهاية الدورة وحينها لن تنجز أي اغلبية انتخابية برنامجها في المدة التي حددها الدستور لفاعليها بين الدورتين.
وأختم.
سيقال: هذه طريقة الشكلانية الدستورية والتجريدية الفلسفية وكلام من لا أثر لكلامه في الأحداث.
لكن لو كان من يطلب الحقيقة يطلب معها التأثير السريع والمباشر لما طلبها أحد.
فغالبا ما يكون التأثير السريع والمباشر من الأعراض الخداعة: التاريخ لا تتحدد حقائقه بالعاجل ولا خاصة بالسريع. إنما هي متعلقة بالآجل والمديد.
وبسبب امتعاض الناس عادة من طلب البعائد والرضا بالقرائب سأترك السؤالين الأساسيين دون جواب لأنه مخيف ولأني اجبت عنه سابقا في كلامي على العجلة وعدم الاعتبار بالتجارب السابقة.
لم يكن بالإمكان تجنب الانقلاب بدليل حصوله.
ولا معنى للقضايا الشرطية في الكلام على الماضي لأنه كلام من جنس ليت.
المهم المستقبل وفيه الأخطر مما حدث غير مستبعد وهو علة كلامي لأن مآل العجلة يكون في الغالب الندامة.
وأخيرا فلا يمكن أن يكون ما حدث انقلاب الغنوشي على السبسي لأن الأول لا يستطيع ذلك وحده.
ولا يمكن أن يقال انقلاب الشاهد على حافظ لأن الشاهد لا يستطيع ذلك وحده.
ولا يمكن أن يكون انقلاب تحالف الغنوشي والشاهد على السبسي وحافظ لأنهما لا يستطيعان ذلك من باب أولى.
من المنقلب والمنقلب عليه إذن؟
كل هؤلاء وأولئك أدوات.
ولنبحث عمن وراءهم.
ولعل نظرة فاحصة في التشكيلة يعطينا “رأس الفتلة” خاصة إذا وصلناه بما يجري في الساحة العربية عامة والخليجية خاصة.
فإذا أضفت البنك الدولي والسفارات فهمت من نظم الانقلاب وراء من يتهمون بتنظيمه وهم مجرد أدوات.
حكومة الشاهد غير شرعية وتهدد قيم الثورة
تكلمت على عدم شرعية حكومة الشاهد دستوريا ليس بالاعتماد على حرفية النصوص كما يفعل من يهمل شروط النظام الديموقراطي التي لا تحتاج لأن يخصص لها الدستور فصلا.
فلا معنى للتداول على الحكم إذا كان يمكن بين الدورتين للمعارضة أن تصبح هي الحاكمة من دون أن تصولها الانتخابات.
وما أظن أحدا يشكك في أن حكومة الشاهد ستحكم بالاستناد إلى كتلتين خرجتا من الحزب الذي ربح الانتخابات -كتلته من دون وكتلة حزب مرزوق-وكتلة لم تربح الانتخابات -كتلة حزب النهضة-ومن ثم فهي لم تمر بما يضفي على اغلبية الأمر الواقع ما يجعلها أغلبية شرعية بالأمر الواجب أي الانتخابات.
ومن يناقش في المبدأ فكمن يريد أن ينفي أن الانتخابات تمد رابحها بشرعية تدوم ما لم يقدم تاريخ الانتخابات ويحل المجلس حتى تصبح أغلبية الامر الواقع أغلبية ذات شرعية مستمدة من العودة إلى الشعب.
وإذا ناقش في ذلك فمعناه أنه لا يؤمن بشروط الديموقراطية التي هي “سيني كوا نون” ما لا شيء يحصل من دونه.
وطبعا قد يعاب علي أني بهذا قد أكون معارضا لموقف الإسلاميين الذين يعلم الجميع أني من أقربائهم بمعنى الخيارات الكبرى.
وحتى لو كان الامر مقصورا على الأمور الدستورية فإني لا يمكن أن أؤيد ما اعتبره منافيا لما هو عندي شرط صدق الإسلاميين في احترام الشروط الجوهرية لبناء الديموقراطية بصدق.
لكن الأمر أعمق من هذه القضية المبدئية التي أعيد وأكرر حتى بها وحدها كان موقفي سيكون ما عرضته أمس في كلامي على عدم شرعية الحكومة حتى لو حصلت على موافقة المجلس.
والأمر الأعمق يتعلق بالاستراتيجية في مستوييها:
• كاستراتيجية سياسية لدور الإسلاميين.
• وكاستراتيجية سياسية لدور تونس عامة.
وسأبدأ بالدور الاول:
ولي في ذلك علتان تجعلاني اعتبر ما حصل خطأ استراتيجيا.
أولا لو فرضنا أن النهضة تنوي الترشح للرئاسيات فما فعلته سيلغي كل حظ يمكن أن يحلم به من يسعى إلى الرئاسة منها.
فالوضع لو تغير بقرطاج 2 كان سيكون دون الوضع الذي سينتج عن الحل الحالي.
ولا يمكن أن أصدق أن مرزوق دخل إلى الحلف الحالي لأنه تصالح مع النهضة بل لأنه متفق مع الشاهد على بديل من النداء والبقية التي ما تزال فيه ستلحق بهم.
ولما كان الشاهد “فيارج” سياسيا ومرغوب فيه غربيا وأقل صبغة يسارية فالكثير من الدساترة الذين كانوا محجمين من سيطرة اليسار على النداء سيلحقون به.
وإذا تحقق له ذلك فسيبادر بالتنصل من الحلف مع النهضة.
ذلك أن من شروط تحييد اليسار وما منه ما يزال ذا سلطان في الاتحاد سيساعده على هدنة اجتماعية فضلا عما يعاني منه الاتحاد حاليا من عزلة وفشل وخوف مشترك بينه وبين الأعراف من سقوط البقرة الحلوب الخوف من عجزها عن إرضاعهم إذا أفلست.
وقد سبق أن قلت لبعض الاصدقاء إن ترشح الشيخ الغنوشي للانتخابات يعني نجاح مرزوق في الدورة الثانية. لكن ما حصل سيجعل ذلك أكثر رجحانا ولكن ليس لمرزوق بل للشاهد. وطبعا الشاهد لن يرضى بأن يكون له الرئاسة دون الاغلبية النيابية. فتكون النهضة بذلك قد خسرت الفروع الثلاثة من السلطة.
وأكاد أجزم بأن هذا السيناريو شبه يقيني لأنه مبني على المحلي والاقليمي حتى القريب جدا والعالمي. ومن ثم فعندي أن النهضة قد وقعت في فخ خطير ولذلك قلت خليها على الله. ولا يمكن أن أكون ملكيا أكثر من الملك. فلها قياداتها وهم أكثر مني تجربة. لكن ذلك لا يمنع من أقول كلمتي ولا “آلو”.
امر الآن إلى الاستراتيجية التي تهم تونس والتي هي عندي أهم من الاستراتيجية الحزبية.
كنت أتصور أن فرصة البلديات وحتى بعد ضياعها فرصة الانتخابات السياسية في 2019 يكون أفضل استراتيجية لتونس هو مشاركة الإسلاميين في تحقيق شروط الصلح بين فرعي الحركة الوطنية.
فلا يمكن لتونس أن تبقى عرجاء تمشي على رجل واحدة إما لا إسلامية أو إسلامية.
ولو كنت واثقا من أن ما جرى هو محاولة لتكوين الرجل الثانية وأن تونس تجاوزت استثناء الإسلاميين وأن الإسلاميين تجاوزوا إمكانية “الحكم وحدهم” لكنت أول المؤيدين لما حدث. كنت أتصور أن الإسلاميين كثعالبيين عليهم واجب الأخذ بيد البورقيبيين.
لكني أعتقد أنهم بهذا الحلف مع “دي جون لو” سيفرضون على البورقيبيين الانضمام إلى هؤلاء ولن يبقى للإسلاميين إلا الإسلاميون وهم في هذه الحالة سيكونون الاقلية دون شك هذا إذا لم يستعمل اليمين الإسلامي من الداخل والخارج لإفساد دور الإسلاميين. فتكون براقش قد جنت على نفسها.
وإذا فشلت التجربة التونسية وعادت تونس إلى سياسة الاستئصال وهو المتوقع فإن دورها الذي تستمده من النموذج الناجح في الخروج من استثناء العرب والمسلمين من عصرهم سيزول وتصبح كما أصبحت الجزائر في العقد الأخير من القرن الماضي ومصر الحالية خارج شروط العصر.
ولأختم بجملة حول الاستراتيجية الأولى: المبدأ العام في كل استراتيجية هي ألا يحالف المرء من يتوقع أن يكون أقوى منه في المستقبل بعد أن يساعده على من هو أضعف منه في الحاضر. وهذا مبدأ لا يجهله أي جنرال في الحروب ولا يجهله أي سياسي في المعارك السياسية الحاسمة.
ثم بجملة تتعلق بالاستراتيجية الثانية: من يمده الله بفرصة جعل تونس رائدة ثم يضيعها لعلل حزبية ذاتية لا يمكن أن يكون بحق أهلا للموعد مع التاريخ.
ولولا هذين المبدأين ما كتبت في الأمر. لأن الكثير من العجلين سيعتبر ذلك مني وكأنه تغير في الرؤية بخصوص دور الإسلاميين. وهو أيضا خطأ جسيم.
فما كنت أبدا من أي حزب إسلامي لكني بالجوهر ذو توجه إسلامي بالمعنى الذي أفهم به الإسلام كما بينته في التفسير: إذا لم يكن الإسلام مؤسسا للقيم الكونية ومتقدما على تقدم في السعي إلى تحقيقها بشروطها فهو ليس ما يتضمنه القرآن بل هو من تحريفاته والنكوص إلى الجاهلية واستخدام شعائره بدل خدمة قيمه.
ما كتبت إلا لعلتين: اعتقد أولا أن التاريخ أمد الإسلاميين بإثبات أنهم أكثر حداثة من أدعياء الحداثة بتحقيق قيمها فعلا وليس بالتعجل في استثمار فرصة قد تضيع للأبد. وأعتقد ثانيا أن تونس تستحق أن نعمل بشروط الخروج من الخسر وخاصة الأخيرين منها: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
والمعركة المقبلة وهي ستبدأ سريعا لن يفيد فيها سباق التطبيع لأن إسرائيل والغرب سيعتبرانها معركة أجيال أولا ومعركة خيارات إيديولوجية ثانيا ولن يستثمروا في الماضي: فبمقتضى الأجيال كل الذين خرجوا مؤخرا من حزب المرزوقي قد يجدون لهم مكانا في حلف أكثر تشبيبا في قياداته من حركة التوافق السابقة ومثلهم حزب البسكلات. وبمقتضى الايديولوجيا أصحاب “نمط المجتمع”.
وهكذا فقد شفعت فرصة البلديات التي ضاعت بـالفرصة المقبلة التي بدأت تضيع تكون الاستراتيجيا التي تحرك الإسلاميين غير مفهومة على الأقل عندي.
وآمل مرة وألف مرة أن يكون تحليلي غير صائب.
لكني أعتبر ما حصل في هذا الانقلاب، نعم الانقلاب، مصيبة فعلية على تونس.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.