الأربعاء , 5 أغسطس 2020

الباجي يتغذى من الفوضى النافعة

محمد جلولي

الفوضى هي أن تتداخل الألوان فلا نرى الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والاصفر بل نرى لونا واحدا قاتما قريبا من السواد. ذلك هو حال وطننا بعد ثورة الحرية والكرامة فقد أصبحنا نعيش فوضى عارمة يغيب فيها احترام ابسط قواعد المعاملات فلا نعرف المجرم من البريء ولا الظالم من المظلوم ولا الصادق من الكاذب ولا المخادع من النزيه….. تختلف الآراء حول المتسبب في هذه الفوضى. لكن ما هو مؤكد أن بعض القيادات السياسية تتغذى من الفوضى وتحقق بها انتصارات على حساب مصلحة الشعب.

بمراجعة بسيطة للأحداث المتتالية بعد ثورة الحرية والكرامة وبقراءة متمعنة ومستفيضة نلاحظ أن عوامل عدة كانت تتشكل ثم تعاود التشكيل في كل مرة لتكون في خدمة الباجي قايد السبسي بل وتدفع به نحو صدارة المشهد السياسي اما على رأس السلطة أو على رأس المعارضة…. هذه المكان التي حضي بها الرجل تدفعنا لإعادة قراءة السياسات التي اعتمدها بالنظر للنتائج التي وصل إليها الوضع العام للبلاد.

1. عودة الباجي… وفوضى الزخم الثوري (سنة2011)
بعد اندلاع الثورة بأسابيع جيء بالباجي من سجلات التاريخ ليترأس الحكومة وكان الهدف المرسوم له حينها الوصول بالبلاد إلى بر الانتخابات بأمان أو على الاقل بأخف الأضرار. في تلك الفترة – أي من مارس 2011 إلى ديسمبر من نفس السنة- كانت الفوضى الناتجة عن الزخم الثوري ملهمة له للتحكم في جميع المسارات فكان هو الحاكم الفعلي بلا منازع. خاصة أن الرئيس المؤقت فؤاد المبزع اكتفى بتسجيل الحضور ولم يكن له وجود فعلي, أما “الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” والمكلفة بالجانب التشريعي فكانت ضعيفة نتيجة لعدم تجانسها.
أحيت هذه التجربة في نفسية الباجي أملا كان قد دفنه بنفسه أوائل تسعينات القرن الماضي. وولد داخله -وهو في سن اليأس- طموحا جارفا بالزعامة. لكنه بعد أن تذوق لذة طعم الحكم يفاجئ بانتهاء المهمة ويجد نفسه خارج دائرة السلطة بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي والسلطة الجديدة.

2. الباجي خارج السلطة… وفوضى الرجوع (السنوات 2012-2013-2014)
لم ينتظر الباجي كثيرا, تحرك بسرعة وشغـــّـــل سياساته القديمة بمحركات حديثة فأسس حزبه حركة نداء تونس في أواسط سنة 2012 وجمع حوله كل المعارضين للحكام الجدد. واستغل الفوضى الناتجة عن الأحداث الدراماتيكية من اغتيالات سياسية وعمليات ارهابية وإضرابات عمالية واضطراب اقتصادي. فركز نتائج تداعيات كل تلك الفوضى في اعتصام الرحيل (صائفة 2013) وحاول استلهام فكرة الانقلاب الدموي للعسكر في مصر. وكان هدفه حل المجلس التأسيسي والإطاحة بالحكومة.
اشتد الصراع في تلك الصائفة بين شقين, شق مساند للسلطة الشرعية وشق يطالب بإعادة خلط الأوراق. واصطنع الباجي اسبابا لتجيش الشارع دون مراعاة لخطورة المألات وكان مقتنعا أن تأزم الوضع وانتشار الفوضى سيكون حتما لصالحه. ولم يبالي بزرع الفرقة بين التونسيين. وكدنا ندخل في أتون صراع دموي لا ينتهي لولا لطف من الله حيث تم الاتفاق على اتمام المجلس الوطني التأسيسي لمهامه بكتابة الدستور ثم تعيين حكومة تكنوقراط برئاسة المهدي جمعة.
جنى الباجي ثمار هذه الفوضى -التي يقال أنها في جزء كبير منها مفبركة- تفوق حزبه في الانتخابات البرلمانية -واستأثر برئاسة الحكومة ورأس البرلمان- وفاز هو برئاسة الدولة وبدأت مرحلة جديدة مع بداية سنة 2015 يفترض أنها مرحلة الإصلاح والبناء بعد أن انتهت مرحلة التأسيس للجمهورية الثانية.

3. الباجي في الحكم… وفوضى المبادرات التشريعية
أجمع كل المحللون على أن البلاد لن تستقيم واقفة إلا بالمحافظة على الاستقرار لضمان “الهدوء الاجتماعي” ولتحقيق الثقة بين كل الأطراف ثم الانطلاق في الإصلاح. لكن الباجي وهو رئيس لكل التونسيين يفاجئ الجميع بطرح مبادرات تشريعية مثيرة للجدل تسببت في انتشار الفوضى وزرع الفرقة بين التونسيين وزعزع ثقة المواطن في الطبقة السياسية وفي مؤسسات الدولة.
أول هذه المبادرات كانت سنة 2015 بعد أشهر من توليه الرئاسة وتتمثل في تقديم مشروع قانون للمصالحة الاقتصادية والمالية. هذا القانون في جوهره عفو عام على رجال الأعمال والسياسيين والموظفين العموميين المتورطين في جرائم مالية. وهو في المحصلة التفاف واضح على مسار العدالة الانتقالية وتكريس لظاهرة الإفلات من العقاب. لكن وبعد صراع أضاع مجهودات كان من المفترض أن توجها للتنمية انتهى الأمر بالتخلي على فكرة المصالحة الاقتصادية والاكتفاء بتمرير قانون للمصالحة الإدارية تخص الموظفين العموميين دون سواها.
أما المبادرة الثانية فتخص لجنة الحريات الفردية والسماوات والجدل الذي طرحه محتوى التقرير الذي صدر عنها مؤخرا والذي تسبب في خروج الناس للشارع للتظاهر والتعبير اما عن رفضهم لما جاء فيه أو تأييده. ففي خضم ازمة اقتصادية خانقة تحتاج الى تظافر الجهود وتأجيل المسائل الخلافية والبحث عن الاستقرار يخرج علينا الباجي في أحد خطاباته لا لتقريب وجهات النظر ولا تهدئة الوضع بل ليزيده توترا وتشاحنا وكراهية بين أبناء الشعب فيتبنى ما ذهبت اليه هذه اللجنة ويقرر طرح مشروع قانون المساوات في الميراث على البرلمان.

4. الباجي في الحكم… وفوضى تغيير الحكومات
حبيب الصيد رئيس أول حكومة بعد انتخابات 2014 من صنيعة الباجي هو من أتى به لكنه بعد سنة ونصف يبادر بإزاحته وينجح في ذلك بعد اقناع الأحزاب الفاعلة والمنظمات الوطنية بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية ضمن ما أطلق عليه وثيقة قرطاج الأولى. أما خليفته يوسف الشاهد فهو أيضا من صنيعة الباجي وها هو اليوم يريد إزاحته بنفس الأسلوب بنسخة مطورة لنفس الوثيقة (وثيقة قرطاج الثانية). المواطن مازال لم يفهم لماذا تمت ازاحة الصيد؟ وهل حكومة الشاهد أفضل من حكومة الصيد؟ وهل من سيعوض الشاهد سيكون أفضل منه؟ ولماذا لم تنجح هاتين الحكومتين في إخراج البلاد من الأزمة؟
للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها يجب أن نفهم جيدا أن استقرار أي حكومة سيساهم في نجاحها وهذا النجاح سيمنحها القوة والثبات والسيطرة وسيجد الباجي نفسه في وضعه الدستوري الطبيعي في المرتبة الثانية وسيفقد بهرج الزعامة لذلك فهو يعمل دائما على جعل رئيس الحكومة في وضع غير مريح مهدد بالتنحية.
طبيعة السياسة تقول إن الحزب المنهزم في الانتخابات هو المهدد بالتفكك وربما الاندثار. لكن الحزب الذي أسسه الباجي منذ 6 سنوات انتصر في انتخابات 2014 وها نحن نراه وهو يتشقق ويتفتت من الداخل. والسبب أن هدفه الأول هو ومن جمعهم حوله لم يكن العمل على النهوض بالبلاد وخدمة الشأن العام بل هدفهم الأساسي كان هزم المنافس (حركة النهضة) والاستحواذ على الغنيمة (السلطة) وما دون ذلك غير مهم. نحن لا نحتاج إلى مثل هؤلاء الذين لا يحسون ولا يعرفون أصلا لماذا يمارسون السياسة ولا يعرفون أن الوصول الى السلطة والمحافظة عليها هدف لكل سياسي لكنه ثانوي يدرج في أخر سلم الأهداف.
أُذكر المواطن أن حرب الوطن الأولى هي حرب لدحر الفقر والجهل والتبعية. هي حرب لضمان الرفاهية والسعادة لكل الأجيال. هي حرب من أجل الريادة والتميز. هي حرب يشارك فيها كل أبناء الوطن كلٌ بما اتاه الله من جهد. هذه الحرب يتزعمها ويخطط لها السياسيون. لذلك فان المواطن مطالب, قبل أن يضع الورقة في الصندوق, ان يميز بين المُحَارب من أجل الوطن والمُحَارب من أجل الثمن.

شاهد أيضاً

لا استقرار بدون انتخابات… ولا تنمية بدون استقرار

محمد جلولي وصلت تونس اليوم، في رحلتها نحو أهداف ثورتها، إلى محطة مفصلية في تاريخها …