تدوينات تونسية

هل يمكن محاربة الفساد بمنظومة فاسدة ؟

عادل بن عبد الله
تصدير: إننا نستنشق الفساد مع الهواء، فكيف تأمل أن يخرج من المستنقع أمل حقيقي لنا (نجيب محفوظ، السمّان والخريف)
لمعرفة واقع “الاستثناء التونسي” في مسار الثورات العربية بعيدا عن الادعاءات الذاتية، يمكننا اعتماد المنظور المقارني، وهو منظور تزداد قيمته الإجرائية كلما كان من نقارنه بالمسار الانتقالي التونسي مسارا سلطويا أبعد ما تكون عن روح الثورات العربية، بل من أشدها عداء لها. ولن نجد أفضل من المملكة العربية السعودية للقيام بهذا الدور في موضوع “مقاومة الفساد”؛ الذي أصبح محور الاستراتيجية التواصلية لرئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد.
تكتسي المقارنة أهميتها من أننا أمام خطابين سلطويين إصلاحيين يتحركان ضمن شرعيتين ليستا محل تنازع كبير: شرعية انتخابية وشرعية تقليدية وراثية. كما أنهما يدعيان معا “التأسيس” لواقع اقتصادي واجتماعي شفاف على أسس مختلفة. وقد اختارا أن يتخذا من موضوع “مقاومة الفساد” محورا مركزيا في استراتيجياتهما التواصلية. وبصرف النظر عن اختلاف المحصول الحقيقي للحملتين على الفساد، فإننا نلحظ اتفاقا بين الرجلين (ابن سلمان والشاهد) على استهداف بعض مكوّنات السلطة (أو استهداف العائلة البيولوجية في السعودية واستهداف العائلة السياسية في تونس)، كما نلحظ اتفاقا بينهما على إدارة هذا الملف من منطلق انتقائي يطرح الكثير من الشكوك في مدى جديتهما في إدارة هذا الملف.
إننا لم نقم بالمقارنة بين الأمير ابن سلمان (الحاكم بأمره في دولة هي أعدى أعداء الربيع العربي)، وبين يوسف الشاهد (رئيس الوزراء في دولة تمثل النجاح الأبرز في الثورات العربية) في حربيهما على الفساد؛ إلا لنطرح السؤال التالي: ما الذي تغير في تونس حتى يكون موضوع محاربة الفساد مختلفا جذريا (في الدوافع وأسلوب الإدارة والمحصول) عما يقع في النقيض الموضوعي والمفهومي للثورات العربية ممثّلا في المملكة العربية السعودية؟
من المعلوم في السياسة أن القائل أهم من القول، فمصداقية القول تتبع بالضرورة مصداقية القائل. إننا أمام أفق انتظار جماعي محكوم بأداء رجل السياسة فيما سبق، أو لنقل إنه أفق انتظار يتشكل انطلاقا من العلاقة بين الوعود والشعارات وبين محصولها الواقعي. ولا شك في أنّ الحكم على رئيس الوزراء التونسي انطلاقا من محصول وعوده “فقط” لن يكون في صالحه. فبصرف النظر عن الانتقائية الغالبة على ملف محاربة الفساد وشبهات التسييس أو تصفية الحسابات التي تحوم حوله، فإن أغلب المتهمين فيه قد أفرج القضاء عنهم نظرا لضعف الملفات (أي ضعف بنائها القانوني حتى في المستوى الإجرائي أو الشكلي)، بل إن منهم من طالب الدولة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت به.
ولكننا إذا تناولنا ملف محاربة الفساد من منظور استمرارية الدولة الأثير عند ورثة المنظومة السابقة في حركة نداء تونس وخارجها، فإننا لن نختزل المشكلة في رئيس الوزراء الحالي وكأن سائر الحكومات المتعاقبة على إدارة الشأن العام منذ 14 كانون الثاني/ يناير 2014 لم تكن معنية بهذا الملف، أو كأنها مضت فيه أشواطا لم يبلغها يوسف الشاهد في حربه المزعومة على الفساد.
لتوسيع دائرة النقاش (والمسؤولية) لنطرح السؤال التالي: من جاء بيوسف الشاهد إلى رئاسة الوزراء، وكيف جاء إلى كرسي القصبة؟ قد يكون تعيين يوسف الشاهد في الظاهر أحد مخرجات ما يُسمّى بوثيقة قرطاج، ولكنه في الحقيقة أحد رجال النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة في تونس منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا. فقد نجحت تلك المنظومة -لأسباب لا تعنينا في هذا المقال- في استراتيجية إعادة الانتشار والتموقع بصورة مذهلة؛ جعلت أصحاب السرديات الكبرى (من إسلاميين ويساريين) يرضون بأن يكونوا مجرد ملحقات وظيفية بها. ذلك أن المركّب الجهوي- الأمني- المالي (أي النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة) قد استطاع أن يلعب بمهارة فائقة على التناقضات الأيديولوجية، وعلى الصراعات الهوياتية، مما جعله يبدو في أعين الكثير من التونسيين “وسطا” بين التطرفَين الإسلامي واليساري.
لقد جاء يوسف الشاهد إلى القصبة مكلفا بمهمة ضبطتها وثيقة قرطاج. ولم يكن اختياره قائما على كفاءته، بل على انتمائه الجهوي وولائه غير المشكوك فيه لسيد قرطاج، الرئيس الباجي قائد السبسي. ولكنّ أفق انتظار رئيس الدولة تزعزع على التدريج؛ بعد أن أظهر يوسف الشاهد نوعا من الطموحات التي تهدد المستقبل السياسي لرئيس الدولة ومستقبل ابنه البيولوجي، حافظ السبسي. ولمّا كانت مشكلة ثقافتنا هي الفشل في “قتل الابن” (رمزيا)، وليس الفشل أو النجاح في قتل الأب (كما هو معروف في الدرس النفسي الفرويدي)، فإن أغلب الأزمات التي عرفتها بلادنا كانت نتيجة هذا الصراع على الوراثة بين الابن البيولوجي والأبناء “الروحيين” من ورثة العقل السياسي الدستوري-التجمعي (خاصة رئيس الوزراء الحالي).
بالإضافة إلى قدرتها الكبيرة على اختلاق المشاكل الوهمية التي تحجب المشاكل الحقيقية للمواطنين، فإن المنظومة بمختلف أجنحتها المتصارعة قد نجحت في جر النخب ذاتها إلى التفكير بمنطق الجزئي والآني، بدل التفكير بمنطق الكليات والمبادي والأصول. ولم يخرج السجال الذي يحصل بين النخب في قضية إقالة كبار المسؤولين في وزارة الطاقة وإلحاق إداراتها المختلفة بوزراة الصناعة عن هذه القاعدة، فالاصطفاف يحصل على قاعدة دعم الشاهد في حربه على “الفساد”، أو التشكيك في نواياه بحكم توظيفه الانتقائي لهذه المعركة في ضرب خصومه المحتملين أو إضعاف حظوظ رئيس الدولة وابنه. ولكن لا أحد تساءل: كيف يمكن للصراع السياسي في تونس -بعد سبع سنوات من الثورة- أن ينحصر في ممثلَين للنواة الصلبة للمنظومة القديمة (بتركيبتها الجهوية المعلومة)؟ ولماذا يجد اليساريون (بجبهتهم أو نقابتهم) والإسلاميون (بنهضتهم) أنفسهم جميعا مجرد ملحقات وظيفية في بنية سلطوية تبدع في رسكلة الفاشلين والفاسدين؟ وهل إن الصراع الحالي هو صراع على “مصلحة تونس العليا” كما يزعم الجميع؟ أم هو مجرد صراع بين جناحين من أجنحة المنظومة؟ وسيكون خراجه “آت إليها” مهما كان المنتصر؟ ولماذا هذا الصراع على منصب رئيس الجمهورية في دولة من المفترض أن تكون الشخصية الأهم فيها هي شخصية رئيس الوزراء؟
بصرف النظر عن مخرجات الأزمة الحالية، وهي تتراوح بين تثبيت يوسف الشاهد رئيسا للوزراء بتعلة الاستقرار السياسي لكن مع تعهده بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، وبين إقالته في إطار تثبيت خيار التوافق ونزولا عند رغبة الاتحاد العام التونسي للشغل، وبصرف النظر عن موقع النهضويين واليساريين في هذه الأزمة، فإن العديد من المؤشرات تشير إلى استحالة الخروج من الوضع الحالي من داخل المنظومة ذاتها. فحتى لو رحل يوسف الشاهد، فإن بديله سيكون صنيعة للنواة الصلبة للمنظومة وللقوى الدولية النافذة ذاتها، وذلك في إطار سعيهما إلى البحث عن توازنات جديدة بين مختلف الأجنحة الأصلية لمنظومة الحكم؛ بدعم من القوى السياسية والنقابية والمدنية التابعة لها يمينا ويسارا.
ولكن هل يعني ذلك فشل المسار الانتقالي، وبالتالي ضرورة الانقلاب عليه بحثا عن توازنات أرسخ قد توفرها “ثورة ثانية” -كما ينادي الكثير من أنصار اليسار الراديكالي- أو قد توفرها “دكتاتورية وطنية”، كما يدعو الكثير من أنصار المخلوع سرا وعلنا؟ لا شك أن هاتين الفرضيتين تعملان معا على حجب فرضية انبثاق الجمهورية الثانية (جمهورية المواطنة الاجتماعية) بعيدا عن طوبى “الديمقراطية الشعبية” وطوبى “المستبد المستنير”، وهي فرضية لا يبدو أنه توجد “كتلة تاريخية” تستطيع فرضها على أرض الواقع في المدى المنظور، ولكنها تظل ممكنا تاريخيا في صورة تشكل وعي سياسي جديد يقطع مع الوعي السياسي الحالي بإشكالياته ومفرداته ورهاناته واصطفافاته، ولكنه لا يقطع مع مسار الانتقال الديمقراطي، بل يعمل على مراكمة مكاسبه، مع الإيمان بضرورة الصبر وعدم الخضوع إلى ضغط الواقع ولا إلى سلطة الخطابات السوداوية المهيمنة.
“عربي21”

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock