بشير العبيدي
#رقصة_اليراع
ليس بوسعي أن أطمر في مكبّ النسيان شعوري يوم نلتُ شهادة الثّانوية العامة. لقد عدتُ يومها إلى أمّي في سرعة من يحمل في كفّه الجمر، وأخبرتها في ثنايا العناق: نجحتُ ! نجحتُ ! نجحتُ يا أمّي ! فصرختْ بالزّغاريد ودارت بحواشي الدّار كأنها حمامة تولول لصويحباتها مشرّقة ومغرّبة، تسمّعُ الحارات وتنبّهُ الجارات، فامتلأ البيت بالنّاس المهنّئين كدلوٍ ارتخى حبله فجأة في مياه البئر، وانسكبت دموع السُّرور كنسغ الشجر المنهمر على الجذوع. إنّها فرحة الشّهادة !
ثمّ عدتُ بعد سنين في مشهدٍ مماثل أخبرُ أمّي أنَّني نجحتُ في الجامعة، ونلتُ الشّهادة، وأنّني انتزعتُ بجهدي درجة تخوّل لي السّفر إلى خارج تونس لمواصلة الدراسة، ففرحت أمّي بالنّجاح ولكنّها لم تزغرد للسّفر. لقد كان قلبها يخبرها بحدوث شَيْءٍ ما، وكيف لا يخبرها قلبها وهي التي نالت قبلي شهادتها من الحياة، فخبزت من الهمّ أقراصا، وألبسها الزّمان أحلاساً؟!
ومن منّا لم يفرح لشهادة جامعيّة نالها، أو درجة علمية حققها؟ من منّا لم يمسك بذلك الكاغد الرّفيع يتأمّل مكتوبه حرفاً حرفاً ويقلّبه ظهرا وطرفاً؟ من منّا لم يعلِّق الشهادة تلو الشهادة في مكتبه أو مخدعه؟ ومن منّا لم يفتخر قدام أترابه بما نال وما كال؟؟ إنّ للشهادات سحرها الفعّال الذي نكرانه محال !!!
ثم كان بعد ذلك أنَّني دخلتُ معترك الحياة، فلم أجد صلة لما تعلّمته في الجامعة مع الحياة الحقيقية المشاهدة إلاّ من جهة اللغة والقدرة على حلّ المشكلات وتركيب الحلول، وأيقنتُ أنّ الشهادة لا تعدو أن تكون سوى بداية لمشوار وما هي أبداً نهاية لأطوار ولا هي نظام لأفكار!
لذلك مازلت إلى الْيَوْم أتساءل : ما شأن أولئك الذين لم يحصلوا في سيرهم الذاتية على الشّهادات والإجازات وكواغدها الرائقات؟ ترى، أولئك الذين حرمتهم الظروف والأوضاع وفساد نظام التعليم هم أقل الناس شأنا ودون القوم شأواً؟ ألا يكون هؤلاء الذين نالوا الشهادة من الحياة العملية هم أقربنا إلى إدراك المعاني واستيعاب المباني ؟
لا والله ! إن الذين يبنون أنفسهم في الحياة بشكل عصامي، أجدهم قد اكتسبوا مهارات جمّة فاتت أصحاب الشهادات بأشواط. ولذلك تجد عددا من حاملي الشهادات يعجزون عن تربية أولادهم ويعجزون عن العيش بتناغم مع موسيقا الوجود، لأن تلك الشهادات إنما نالوها في بيئات تعليمية اصطناعية، منبتة عن الواقع اليومي المتحرّك والمتراكب والمتداخل. كما أنّ قسما من الذين نالوا الشهادات استعملوها كسلطة معرفيّة تمايزوا بها عن خلق الله وعوام الناس، وبها اعتصموا لأجل الاستفراد بالسلطة المعرفية والسياسية والاقتصادية، فهم يولونها من التقديس ما يجعلها بعيدة المنال عن كل طامع، وصعبة البلوغ عن كل طامح !
على أنني لست ههنا بصدد المفاضلة بين وجود الشهادة وعصامي التكوين، فكلّ مسار له ركائز قوّة لا تنكر، غير أنني أعتقد أنّ العدل والقسطاس وأخلاقية التواضع والترفق مما يفرض أن ننصف عصاميي التكوين وخرّجي الحياة وأن يكون لهؤلاء مكانهم ومكانتهم في المجتمع والمؤسسات، لأن استبعادهم فيه خسارة للمجتمع محققة، وفوات فضل يمكن استثماره في البناء والتشييد، مع الاحتفاظ الكامل للشهادات بمعناها ومبناها.
ولقد مرّ بتاريخ العرب والعجم من الأمثلة ما يجعل الحليم يوقن بأنّ عصاميي التكوين كان لهم من الآثار في الحضارة ما يحيّر الألباب !
فهذا العصاميّ أنشتاين وقد أطرد من المدرسة لعدم صلاحيته، وهو بعد ذلك قد أنتج للبشرية نظريات قلبت العلوم الفيزيائية رأسا على عقب ! وهذا ابن جنّي يشعر في داخله بنقص رهيب كونه لم يكن عربيا قحّا فأنتج كتاب الخصائص الذي بقي ليوم الناس هذا مرجعا للسان العربيّ، وهذه السيدة عائشة المنّوبية التونسية، عاشت حياة غريبة عجيبة، بنت نفسها بنفسها وبلغت رتبة الاجتهاد حتى جعلها الحاكم الحفصيّ مستشارة في مجلس الرجال وعدّها رجلا من الرجال ! وهذه فاطمة الفهرية القيروانية تؤسس أقدم جامعة في مدينة فاس المغربية بحنكتها وحكمتها وهي عصامية التكوين ! ولو نظرنا في سير الذين كانوا شموعا للبشرية لوجدنا لمدرسة الحياة أعظم الأثر في صقل قدراتهم وبناء شخصياتهم وإعلاء هممهم !
فيا أيها النَّاس لا تحكموا على النَّاس من خلال الشهادات بل التفتوا قبل كلّ شيء إلى قيمة المنجزات. فشهادة بلا منجزات كأنّها عربة بلا عجلات!
✍? #بشير_العبيدي | محرّم 1439 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تدوينات لحرية الرأي وثقافة الحوار
