الأربعاء , 27 مايو 2020
الرئيسية / مقالات / إحالة 21 ضابطا في الديوانة على التقاعد الوجوبي: هل تصبح مقاومة الفساد أهم من الإجراءات ؟

إحالة 21 ضابطا في الديوانة على التقاعد الوجوبي: هل تصبح مقاومة الفساد أهم من الإجراءات ؟

عبد السلام الككلي – علي الجوابي

ذكرت وكالة تونس إفريقيا للأنباء ان 21 ضابطا ساميا في الديوانة التونسية أحيلوا على التقاعد الوجوبي وأضافت أنّ المستشارة القانونية للهيئة العليا لمقاومة الفساد صرّحت أنّ احالة هؤلاء الضباط على التقاعد الوجوبي كان نتيجة شكاية تقدّمت بها ضدّهم الهيئة في شبهة تورّطهم في عمليات تجارية مشبوهة تتمثّل في تسهيل عمليات توريد لفائدة رجال اعمال نافذين وفي توفير الحماية اللازمة لتأمين نقل بضاعتهم وأضافت أيضا أنّ هذا النوع من العمليات غالبا ما يكون ثمرة تعاون سياسي ولاحظت أن القضاء لم يبت بعد في هذه القضيّة.

يدفع هذا الخبر في صيغته المقتضبة إلى الاعتقاد بانّ إحالة هؤلاء الضباط على التقاعد الوجوبي هو إجراء تأديبي اتخذ بسبب شبهة الفساد الموجهة ضدّهم حسب إفادة مستشارة هيئة مقاومة الفساد. ولتبين مدى ارتباط التقاعد الوجوبي بأي صيغة من صيغ القرارات التأديبية فانه لضرورة التحليل سنتوقف عند بعض المسائل لتتضح الصورة لقرائنا.

لقد تمّ اتّخـاذ تلك القرارات بالتقاعد الوجوبي (كما هو واضح من صورة القرار المنشورة على الشبكة) من طرف وزيـر المـالية بناء على أربعة إطلاعات وهي القانون عدد 46 لسنة 1995 المؤرخ في 15 ماي 1995 ويتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الديوانة وعلى القانون عدد 112 لسنة 1983 المؤرخ في 12 ديسمبر 1983 ويتعلق بضبط النظام الأساسي العام لأعوان الدولة والجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية وعلى القانون عدد 12 لسنة 1985 المؤرخ في 5 مارس 1985 ويتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي والامر عدد 319 لسنة 1975 والمتعلق بضبط مشمولات وزير المالية وسنعتمد على القوانين المذكورة في ورقتنا هذه…

صور انقطاع عون الديوانة نهائيا عن العمل

ينص الفصل 75 من القانون عدد 46 لسنة 1995 على انّ الانقطاع النهائي عن مباشرة الوظيفة الذي ينجر عنه فقدان صفة عون من أعوان الديوانة يكون ناتجا عن :

الاستقالة المقبولة بصفة نهائية او الإعفاء او العزل او الاحالة على التقاعد.

سنترك حالة الاستقالة لعدم ارتباطها بموضوعنا وسنتوقف عند الحالات 2 و3 و4 أي الاعفاء والعزل والاحالة على التقاعد قبل السن القانونية وذلك في ارتباط بالتقصير المهني.

عملا بأحكام الفصل 78 من القانون عدد 46 لسنة 1995 يمكن للإدارة عند التقصير المهني ان تحيل العون على التقاعد مع تمتعه بمنحة التقاعد الكاملة أو النسبية.

ويمكن للإدارة إعفاء العون فإذا لم يكن للمعني بالأمر الحق في التمتع بجراية التقاعد فإنه ينتفع بغرامة إعفاء تساوي كامل مرتبه الشهري عن كل سنة خدمات فعلية وبدون أن تفوق هذه الغرامة مرتب اثني عشر شهرا.

ويمكن للإدارة أيضا عزل العون. والعزل هو الفصل النهائي عن العمل مع الاحتفاظ بحق التمتع بمنحة التقاعد سواء كانت كاملة أو نسبية.

وتخضع جميع هذه الاجراءات التأديبية الى اجراءات العقوبات من درجة ثانية المنصوص عليها بالفصل 53 من القانون عدد 46 لسنة 1995.

الإجراءات التأديبية

عملا بأحكام الفصل 53 من القانون عدد 46 لسنة 1995 ترجع سلطة التأديب للوزير المكلف بالمالية ويمكن له أن يفوضها وفق ما تضبطه الأنظمة الأساسية الخاصة لكل سلك من أسلاك أعوان الديوانة ولكل عون خاضع للنظام الأساسي العام بمجرد رفع الدعوى التأديبية ضده لدى مجلس الشرف الحق في الإطلاع على جميع الحجج والوثائق المتعلقة بالتهمة وله الحق في تسلم نسخة منها وله زيادة على ذلك حق الإطلاع على ملفه ويكون هذا الإطلاع بعين المكان وبمحضر نائب من الإدارة وينبغي على العون أن يصرح كتابيا انه اطّلع أو أنه تنازل عن الاطلاع بمحض اختياره. ويمكنه أن يقدم لمجلس الشرف ملاحظات كتابية أو شفاهة وأن يحضر شهودا وأن يستعين بشخص يختاره للدفاع عنه وللإدارة أيضا الحق في إحضار الشهود ويضبط مجلس الشرف الآجال اللازمة لمختلف هذه العمليات.

ويتضح مما يلي انه لا يجوز للإدارة إحالة عون من أعوان الديوانة على التقاعد الا وفق الإجراءات المنصوصة عليها اعلاه.

ولئن كان من حق الادارة ومن واجبها معاقبة الاعوان المخلّين بواجباتهم المهنية إلاّ أنّه لا يمكن لها اتخاذ العقوبة إلاّ بقرار معلّل وفقا للأنظمة الخاصة والقانون العام فلا تتعسّف في ممارستها السلطة التأديبية إذ يتعيّن عليها التقيّد بالقواعد والإجراءات القانونية المعمول بها في المجال وتحت رقابة القاضي الإداري في مادة الالغاء الذي يتثبت في مدى صحة الوقائع المدانة من قبل السلطة التأديبية وطبيعة تكييفها من الوجهة القانونية ومدى احترام الإدارة للإجراءات القانونية المعمول بها في المجال.

وبناء على هذا واذا اعتبرنا ان احالة هؤلاء الضباط على التقاعد الوجوبي لها علاقة مباشرة بشبهة التقصير التي تحدثت عنها وسائل الإعلام وإذا صدقنا تصريحات المعنيين بالأمر الذين يؤكدون ان لا علم مسبق لهم بقرار احالتهم على التقاعد وانهم علموا به عبر اتصال هاتفي من الإدارة فإننا :

أ. نلاحظ ان القرار خالف احكام الفصل 53 من القانون عدد 46 لسنة 1995 الذي ينص على ان سلطة التأديب يمارسها الوزير المكلّف بالمالية ويمكن له تفويضها وهي تشتمل على عقوبات من الدرجة الأولى وعقوبات من الدرجة الثانية والتي اقصاها »العزل دون توقيف الحق في جراية التقاعد» وتتميّز عقوبات الدرجة الثانية بإجراءات وشروط خاصة بها فهي تسلط بعد استشارة مجلس الشرف الذي يقوم بمهام مجلس التأديب ويدلي برأي معلّل ويمّكن العون من الاطلاع على مظروفات الملف والدفاع عن نفسه او تكليف من يدافع عنه ويتخذ الوزير العقوبة في قرار معلل لكن القرار المذكور اعلاه ليس فيه ما يدل على انتصاب مجلس الشرف وعلى تقديمه رأيا معلّلا وعلى تمكين العون من حق الدفاع عن نفسه وهو لجميع هذه الأسباب عرضة لنقض المحكمة الادارية له وربما تقضى المحكمة بالزام الإدارة بالتعويض عن الضرر لاسيّما المعنوي الحاصل لهؤلاء الضباط…

ب. نتساءل مثل ما يتساءل الرأي العام اليوم: هل هذا الإجراء مرتبط فعلا بشبهة تورّطهم في عمليات تجارية مشبوهة تتمثّل في تسهيل عمليات توريد لفائدة رجال أعمال نافذين وفي توفير الحماية اللازمة لتأمين نقل بضاعتهم وفق التصريحات المذكورة للمسئولة بهيئة مكافحة الفساد وهي شبهات عادة ما تكون على صلة بالارتشاء ؟

وإذا صح وجود هذه الشبهات هل وقع تفعيل الفصل 57 من القانون عدد 46 لسنة 1995 القاضي بايقاف هؤلاء الضباط عن العمل قبل اتخاذ قرار احالتهم على التقاعد الوجوبي ؟ وهل قدّمت ضدّهم تقرير شكاية الى النيابة العمومية بناء على ما افادت به هيئة مقاومة الفساد ؟

مع العلم ان الفصل 57 ينصّ على أنّه اذا ارتكب العون خطا جسيما سواء كان بإخلاله بالواجبات المهنية او بارتكابه مخالفة للحق العام فانه يمكن إيقافه حالا عن مباشرة وظيفته مع حرمانه من مرتبه وذلك بإذن من رئيسه المباشر إن لزم الأمر على آن يعلم هذا الأخير حالا بذلك الوزير المكلف بالمالية الذي يتخذ القرار اللازم.

وإذا كان الخطأ المرتكب يمثل جنحة أو جناية وخاصة اذا تعلق الأمر بالارتشاء أو اختلاس أموال عمومية او التزوير أو إفشاء السر المهني فانه يجب فورا رفع القضية لدى النيابة العمومية وينبغي ان تسوى بصفة نهائية حالة العون الواقع إيقافه في اجل أربعة أشهر من تاريخ إجراء العمل بقرار الإيقاف وإذا لم يصدر أي قرار عند انتهاء المدة المحددة بأربعة أشهر ولم يقع البت في قضية العون ولم تسلط عليه اية عقوبة يكون له الحق في التمتع من جديد بكامل مرتبه واسترجاع مستحقاته للمدة التي قضاها وهو موقوف عن العمل ويرجع الى وظيفته من جديد ويقع ضبط كيفية تطبيق أحكام هذه الفقرة بالنظام الأساسي الخاص بكل سلك.

لكن اذا تعرض العون الموقوف لتتبّع الجزائي فلا تسوّى وضعيته نهائيا إلاّ بعد ان يصدر ضدّه حكم قضائيّ بات.

هل تصبح مقاومة الفساد أهم من الإجراءات ؟

ومما لا شك ان ملف احالة ضباط الديوانة على التقاعد يحتوي على خروقات جسيمة ولكن تبدو مقاومة الفساد في تونس مسألة معقّدة وشائكة. فقد رفعت هذا الشعار حكومات متتالية وفشلت في القضاء على هذه الآفة التي تنخر البلاد وقد اتّهم البعض المجالس المنتصبة في مادة التأديب بالتغطية على الفساد وبالمحاباة وبمراعاة أصول الزمالة وممّا يزيد تعقيد هذه المسألة هو المرفق القضائي الذي يشكو نقصا في القضاة وفي الاطار الاداري المساعد للقضاء وهذا ما يفسّر دوام القضايا عدّة اعوام وقد يوجّه الاتهام بالفساد الى بعض القضاة.

لقد كشف رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب عن إحالة عشرات ملفات الفساد في قطاع الصحة إلى القضاء واشار في نفس الوقت إلى أن نسبة البت في قضايا الفساد التي أحالتها الهيئة منذ 2016 ضعيفة ولا تتجاوز 10 بالمائة.
وأضاف شوقي الطبيب في تصريح لـ (وات) في 14 نوفمبر 2019 على هامش الملتقى الدولي الثاني حول الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد في القطاع الصحي تحت شعار «المعلومة وسيلة لمكافحة الفساد انه تمّت إحالة عشرات ملفات الفساد بقطاع الصحة منذ سنة 2016 إلى القضاء من جملة 850 ملف فساد بعضها يتعلق بسرقة الأدوية وقضية اللوالب القلبية الفاسدة والفكترة الوهمية وتحويل وجهة المرضى من القطاع العام إلى الخاص والغش في التجهيزات.
وأكد أنه لم يقع إصدار أحكام باتة من قبل القضاء في قضايا الفساد التي أحالتها الهيئة منذ 2016 إلا في حدود 10 بالمائة فيما لم يبت القضاء في القضايا المحالة إليه من قبل لجنة تقصي الحقائق حول الفساد والرشوة منذ 2011 إلا في حدود 20 بالمائة. واعتبر الطبيب أن هناك «ضعفا» في البت في قضايا الفساد بالنظر إلى طول إجراءات التقاضي وتعقيدات بعض ملفات الفساد بالإضافة إلى محدودية الموارد البشرية واللوجستية والإمكانيات المادية وشدّد على أن طول هذه الآجال تفقد القضية الجانب الردعي والجزائي.

دفعت هذه الاعتبارات عضو هيئة مقاومة الفساد القاضي محمد العيادي في حوار أجرته معه تونس Ultra يوم 23 مارس 2019 الى اقتراح إحالة ملفات الفساد مباشرة على وكيل الجمهورية دون إحالتها الى طور التحقيق مقابل الإحالة المباشرة إلى الدوائر الحكمية اقتداءً بقانون العدالة الانتقالية الذي نص على الإحالة للطور الحكمي دون وجود طور تحقيقي بهدف تسريع معالجة ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وقال إنه لو لم يتم اعتماد هذا التوجه لكانت أغلب القضايا المحالة من هيئة الحقيقة والكرامة إلى القضاء في الطور التحقيقي اليوم تشهد بطئًا وأوضح أن وكيل الجمهورية في ملفات العدالة الانتقالية يحيل إلى الهيئات الحكمية لتعيين الجلسات على اعتبار قيام هيئة الحقيقة والكرامة بالتحقيق وذلك دون أن يكون بإمكانه حفظ الملفات المحالة أو مراقبتها أو عرضها مجددًا على التحقيق.

وقال عضو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إنه كان من الأفضل تبني نفس المنظومة للتسريع في النظر في قضايا الفساد خاصة وأن هيئة الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد هي هيئة دستورية تضم جهازًا لمكافحة الفساد وقضاة مختصين للتقصي الكامل.

وبين محمد العيادي في ختام حديثه أن المقترح رفض في مجلس نواب الشعب بتعلّة الخوف من تغول الهيئات وبدعوى أنّ للقضاء الحق في التحقيق وهو ما يعني بالنهاية تكريسًا لطول إجراءات التقاضي.

اخيرا صحيح ان الدولة خرقت كثيرا من الإجراءات في إحالة 21 ضابطا على التقاعد الوجوبي لكن السؤال يبقى مطروحا : كيف نقاوم الفساد في تونس في ظل لجان تأديب تحوم حول بعضها كثير من الشكوك وقضاء غير قادر في منظومته الحالية على مقاومة الفساد بالسرعة المطلوبة ؟

شاهد أيضاً

شحنة المعدات الطبية الفاسدة

الأمين البوعزيزي في خصوص شحنة المعدات الطبية الفاسدة (التي حجزتها مصالح الديوانة بميناء رادس) التي …

الأوبئة في تونس في القرن التاسع عشر: سلوك الملوك وتصرف الرعية

عبد السلام الككلي – علي الجوابي ظهر فيروس الكرونا اوّلا في الصين في ديسمبر 2019 ثمّ بدأ …