نور الدين الغيلوفي
1. كنت كتبت مقالات كثيرة عن اتحاد الشغل في عشرية الانتقال الديمقراطيّ. وكنت أقصد، بما أكتب، إلى أن أعيد القائمين على العمل النقابيّ إلى عقولهم حتّى لا تتحوّل المنظّمة إلى الخنجر الذي تُطعن به الثورة والتجربة لتطعن في آخر الأمر نفسها بيدها. ولكنّ هؤلاء “الزعماء” استكبروا واستعلوا ورأوا في الناصحين أعداء لهم.

- مرّ اتّحاد الشغل عبر تاريخه الطويل بأزمات عديدة. كانت تلك الأزمات نتيجة صراع داخليّ بين القيادات النقابية نجحت السلطة في تقريب بعضها لمحاربة بعضها الآخر. كانت السلطة السياسية تجد دائما قيادات رخوة تلعب عليها لتتمكّن من توجيه المنظّمة الوجهة التي تناسب سياساتها. وفي أقلّ الأحوال كان الأمر ينتهي بها إلى تحييدها لتتجنّب إزعاجها.
في عهد بن علي وقع الاتحاد بين مخالب اليسار، وخصوصا الوطد الذين مكّنتهم السلطة من الهيمنة على المنظّمة ليكون الاتحاد ذراعا للنظام دورُه جمع المعارضين تحت سقفه لتسليط الضوء عليهم. وقد كان عمل الوطد مزدوجا:
تضمن لهم السلطة قيادة الاتحاد،
ليلعبوا دور المخبرين لفائدتها. وللمخبرين أثمانهم بعد إخبارهم.نجاح الثورة في اقتلاع بن علي أربك المنظّمة كما لم يربكها نظاما بورقيبة وبن علي. كانت القيادات النقابية في غالبها مدينة لبن علي ولنظامه. وعلى رأس هؤلاء الوطد وذيولهم القوميّون الذين صعد أغلبهم إلى المشهد انطلاقا من العمل النقابيّ. لقد تحوّل الاتحاد إلى ورشة تعلّم فيها القوميّون من الوطد أصول “التكنبين” السياسي والطعن في الخاصرة. وحتى بعد أن فتحوا لهم “حوانيت” سياسية بقي الاتحاد هو جهة التمويل والدعم الرئيسة.. ومنصّة الراجمات.
كان يمكن للاتحاد أن يستثمر حضوره بين منخرطيه لدعم الديمقراطية وصيانة الحرية بقطع النظر عن الجهة التي يأتي بها صندوق الانتخاب إلى الحكم. ومثلما أشاد التونسيون بدوره في معركة التحرّر الوطنيّ كان يمكن لهم أن يشيدوا بدوره في معركة فرض الحرية وصيانة الديمقراطيّة. ولكن لأنّ القائمين عليه من الوطد والقوميين أعمتهم الإيديولوجيا فقد جعلوا من الاتحاد “أكبر قوّة في البلاد” شمشون الجبّار. واستعملوه لهدم المبنى على الجميع.
لقد أقحم هؤلاء “النقابيّون” المنظّمة في “قتال” سياسيّ انتهى بها إلى هذا المصير. وقد صار من العسير عليها أن تخرج معافاةً.
قد لا يبقى للوطد والقوميين في التاريخ ذِكرٌ إلا ما قد يُذكَر لهم من الإجهاز على منظّمة وطنية عريقة جعلوا منها منصّة لمفرقعاتهم الجوفاء فنحروها.. وانتحروا. أظنّ أنّ التاريخ، إن تحدّث عن هؤلاء يوما، لن يجد ما يتحدّث به عنهم غير تخريبهم للاتحاد العام التونسي للشغل.
ملاحظة: بين النقابيين من يُنسَبون إلى الحبيب عاشور، يقال عنهم “العاشوريون” ويعدّ الطبّوبي من بين هؤلاء.
أظنّ أنّه لا معنى لهذه التسمية ولا وجود لعاشوريين بين النقابيين. إنّما هي صفة لهؤلاء الأميين الذين لا نسبة إيديولوجية لهم. العاشوريون يقصد بهم النقابيون الذين ليس لهم لون سياسيّ ويمكن لأيّ كان أن يصبغهم باللون الذي يريد.
هؤلاء، لأنهم بلا لون، يوضعون في الواجهة عادة وتُسند إلى أحدهم خطّة الأمين العام. يكون وجها مقبولا تُملى أقوالُه عليه.. وخلف الواجهة تقبع ذئاب متعلّمة تهندس سياسات المنظّمة كما تريد “الأوكار” الحزبية التي تنتمي إليها.
ما بدأته الاغتيالات السياسية من زعزعة للأوضاع في عشرية الانتقال الديمقراطيّ أتمّه الاتحاد.
الاتحاد اليوم في حالة موت سريريّ ولا أحد يدعو له بالشفاء.. لأنّه يحصد ما زرع.
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
تدوينات لحرية الرأي وثقافة الحوار
