الأربعاء 7 يناير 2026
مريم مجدولين اللحام
مريم مجدولين اللحام

“فلول لاند” : كيف اخترق عاكف شبكة جنرالات الأسد في لبنان ؟

مريم مجدولين اللحام

نادراً ما يكون لبنان حالةً مستقرّة. لا بل، قلّما تعامل معه جاره الأسديّ إلا ساحةً مستباحة. وكما “فتح لاند” في الجنوب، كذلك “فلول لاند” في الشمال وهجمات تم التخطيط لها في لبنان، بتمويل إيراني وقيادة من روسيا، لتعبر من الحيصة وبعلبك الهرمل وكسروان وفنادق بيروت انقلابًا في الساحل السوري!

واقع التفت إليه أحد الوزراء إلا أن ملاحقة “جنرالات الأسد” لا يُبت الأمر فيه إلا من الأجهزة الأمنية والعسكرية بالمداهمة المباشرة وتنفيذ توقيفات سريعة، لعلّه لا يوصم لبنان مجدّدًا بانعدام السيادة.

فلول الأسد
فلول الأسد

الإمرة لصاحب السلاح والقوة القضائية، فالتسريبات الإعلامية الفاضحة التي خرجت إلى الإعلام بوثائق تكشف شبكة ظل مموّلة ومسلّحة لفلول نظام الأسد وتستحدث غرفة عمليات في لبنان لا يمكن أن تكون في قعر اهتمامات السلطات الثلاث.

في التفاصيل، نجح الهاكر السوري المعروف باسم “عاكف” في تفكيك خيوط مخطّط سرّي، كانت تقوده شخصيات عسكرية بارزة من “جنرالات الأسد” في الساحل السوري انطلاقًا من لبنان وروسيا، بهدف الإطاحة بالرئيس السوري أحمد الشرع تحت شعار المطالبة بـ “الفدرالية”، في محاولة انقلاب مؤجلة تستخدم الجغرافيا اللبنانية كمساحة إنكار سياسي وأمني لواقع الحكم السوري الحالي، وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، قبل أن تتكشف تفاصيل التحركات والتمويل والتمركز الميداني وتخرج إلى العلن.

البداية كانت باختراقه هاتف المقدم في جيش الأسد علي سليمان كنقطة انطلاق أتاحت لعاكف الوصول لاحقًا إلى هاتف، عمر ر. ومن هناك، تَكشفت أمامه شبكة كاملة من الاتصالات والارتباطات.

المعطيات التي ظهرت قادته إلى هاتف الصحافي السوري م. ر.، الذي كان يحتفظ بعلاقات مباشرة مع عدد من القادة الأسديين. عبر هذه الشبكة، نجح عاكف في كسب ثقة م. ر. مستفيدًا من اسمَي سليمان وعمر ر.، قبل أن ينسج أمامه وعوداً مغرية: تمويل سخي لإنشاء وكالة إعلامية خاصة، وتعهّدات بتأمين رحلة من لبنان إلى دبي وتوفير كل المستلزمات اللوجستية التي يحتاجها.

لاحقاً، طلب عاكف من م.ر. أن يتولّى تزكية شخصية إسرائيلية تُعرف بلقب “أناليست”، وأن يقدّمها على أنها “ضابط نافذ في جهاز الموساد، ومستعرب يحظى بثقة مؤسسته ويعمل ضد “حزب الله” في لبنان وضد الميليشيات الإيرانية.

وبالفعل، اختار ر. التواصل مع أحد القادة العاملين مع قائد اللواء 42 المعروف بـ “قوات الغيث” في جيش نظام الأسد غياث دلّا، يُدعى طارق فيصل عجيب. ومن خلال طارق، تمكّن عاكف من الوصول إلى علي العبيد، مدير مكتب غياث دلّا، حيث نجح أيضًا في اختراق هاتفه وتسجيل عدد من مكالماته. ومن هذه النقطة، أحكم “عاكف” قبضته: سجّل المكالمات مع المتهم بارتكاب مجازر وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، خاصة في داريا ومعضمية الشام غيّاث دلّا ومنه أوقع لاحقًا بمبتكر البراميل المتفجّرة سهيل الحسن الملقب بـ”النمر”، الذي تمكّن كذلك من اختراق هاتفه وتوثيق مكالماته، لتظهر من خلالها معلومات تشير إلى تبني ابن خال بشار الأسد، رامي مخلوف قضية “الفلول”، وإلى طبيعة العلاقة المباشرة بين الحسن ومخلوف، حيث كان يؤكد مرارًا أنه يعمل وفق توجيهاته وتعليماته.

وبعد محاولات للوصول إلى رامي مخلوف عبر سهيل الحسن، ثم عبر التواصل المباشر على رقمه الشخصي، بدا واضحًا أن مخلوف كان الأدهى فأغلق الطريق تمامًا أمام أي تواصل مفتوح، مكتفيًا بإشارات مقتضبة لا تسمح بمتابعة أي اختراق إضافي، ليغلق بذلك الحلقة الأخيرة في واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا وتدرّجًا في الاختراق والتلاعب بمطلوبين دوليين فارّين من العدالة في لجوء إنساني بين لبنان وروسيا.

خرجت تسريبات عاكف للإعلام، وسرعان ما تُرجم الضغط الإعلامي تحرّكات أمنية بلا نتائج. عمليات تفتيش في الشمال، قامت بها الأجهزة المعنية، اعتبرها البعض “تنفيسة شارع” وصار ملف تمركز ضباط نظام بشار الأسد في لبنان عالقًا بين الواقع المرير والاستعراض، من دون أي مسار تحقيق فعلي أو حسم أمني.

الأخطر، ما كشفه المحامي محمد صبلوح عن محاولة تصفية الضابط في الفرقة 14 في الجيش السوري محمد عبد الرحمن سليمان، المعروف بـ “غدير الحوري”، على الأراضي اللبنانية بعد استدراجه إلى جبل تربل في العاشر من كانون الأول الماضي، وإطلاق النار عليه ونقله مصابًا إلى مستشفى سيدة زغرتا. ويشرح صبلوح لـ “نداء الوطن” أنها ليست المرّة الأولى التي تكون فيها تصفية حسابات “جنرالات الأسد” على الأراضي اللبنانية، إذ سبق أن قُتل غسان النعسان، المعروف بلقب “الطرماح” وعُثر على جثته مصابة بطلقات نارية في منطقة تلة أبو عضل، الواقعة بين أدما والصفرا في قضاء كسروان في حادثة سرعان ما فتحت الباب أمام سيل من التساؤلات حول طبيعتها وخلفياتها.

وفي حادثة المدعو محمد عبد الرحمن سليمان قال صبلوح لـ “نداء الوطن” إنه “كان محميًّا حتى خروجه من المستشفى في 16 كانون الأول، لذا نطالب بالكشف عن الأجهزة التي حمته، وعن تفاصيل التحقيق الذي فُتح في قضيته بخاصة أنه من ضباط نظام الأسد، ولا يزال في لبنان”.

أوضح صبلوح أنه على “لبنان الاختيار بين محاكمة ضباط الأسد المطلوبين للعدالة ومن الإنتربول، بحكم تطبيق الاتفاقيات الدولية بخاصة منها المعنية بمناهضة التعذيب، كونهم ارتكبوا جرائم حرب وإبادة جماعية وتعذيب. وبين تسليمهم لقضاء دولتهم السورية”.

كل ذلك حرّك النقاش في الشارع الشمالي، ولا سيما في عكّار. وعلى وقع هذا الجدل، نُظِّمت وقفة سلمية في قاعة يلدزلار – بلدة الكواشرة في عكّار رفضًا لتحويل شمال لبنان إلى ملجأ لضباط نظام الأسد واعتراضًا على أي غطاء أمني – سياسي لمن ارتبطت أسماؤهم بالمجازر والتفجيرات في سوريا. المشاركون شدّدوا على ازدواجية المعايير بين التعامل القضائي الصارم مع من ناصر الثورة السورية خصوصًا منهم من هم في السجن حاليًا بلا محاكمة، مقابل ما وصفوه بتغاضٍ فاضح عن مخرّبين مطلوبين للعدالة تابعين لنظام الأسد يستخدمون لبنان كساحة لتمرير مشاريع من شأنها تهديد السلم الأهلي.

بهذه المعطيات، يبدو أن ملفّ “فلول الأسد” في لبنان أبعد بكثير من الحلّ الجدي. وأمام شبكة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية، وتتداخل فيها أدوار دول وأجهزة وجهة داخليّة مُسلّحة تتخذ وضعية “اعمل نفسك ميّت” بالتعامل مع هذا الملف. يبقى لبنان مرّة أخرى ساحة مفتوحة على الاحتمالات الأخطر.

في الجزء الثاني، غدًا، نكشف مزيدًا من التفاصيل حول خيوط التمويل، مسارات الحركة، وأسماء جديدة في قلب هذه الشبكة… وكيف تحوّلت الجغرافيا اللبنانية إلى واجهة لعمليات ظلّ تتجاوز حدود البلد وحدود اللامبالاة الرسمية.

في “فلول لاند” يسرح حافظ ابن منذر الأسد ويمرح، في “المرسيدس” C300 ورقمها اللبناني يبدأ بحرف الـ “G” للإشارة إلى منطقة جونية، ويسهر في قهوة “ز. ر”. ويرتاد أولاد جنرالات الأسد صالات الرياضة الرفيعة، وفنادق بيروت، فيما توقف الأجهزة الأمنية بعد يوم حافل من المداهمات “فهد وشادي وعلي”، (أسماء ما عليها القيمة)، من منطقة الحيصة حيث يتمركز من شارك بإبادة جماعية وجرائم تعذيب.

يُترك المحرّض بدر قاسم في المنطقة نفسها من دون التحقيق معه ولو على خلفية ما يوزعه من فيديوات تهدد بالقتل والإبادة وتدعو إلى التنظيم العسكري المباشر من لبنان لتحرير الساحل السوري وتقسيمه بإمرة دينية واضحة من شيخه وينجح بعض الضباط السابقين في تهريب الأغراض التي يحتاجونها من دون أن يوقفهم “حاجز أمني” بما يضيف بعدًا مقلقًا يتعلق بتجاوز الرقابة الرسمية. ويقول أحد سكان المنطقة لـ “نداء الوطن” إنه “فرح عند انتشار صور سيارات الأمن تجول في المنطقة وسرعان ما خاب الأمل”.

التحويلات المالية بين الخارج و “فلول لاند”، لا تدلّ على أنها ترقى إلى مستوى التمويل العسكري كونها لا تتعدى الـ 14 ألف دولار، وهذه التحويلات تظهر كجزء من منظومة أوسع لتغطية نفقات تشغيلية لمكتب الحيصة.

في “فلول لاند” حاز بعض الأفراد المرتبطين بشبكة الأسديين، إقامات قانونية موقتة داخل لبنان، ما يتيح لهم العمل والتحرك ضمن هوامش تبدو شرعية، بينما تتمّ إدارة نشاط غير مرئي خلفها.

وتكشف المعلومات التي حصلت عليها “نداء الوطن” أن لبنان لا يظهر، في هذه المرحلة، كساحة مواجهة، بقدر ما يتحوّل إلى منصّة إدارة لشبكات ظلّ مسلّحة تنشط في سوريا انطلاقًا منه وتستفيد من فراغه السياسي ومن التراخي الأمني المعتمد فيه. فالأسلحة التي تبيّن أن ضباط الأسد يملكونها ليست في لبنان بل في الساحل السوري، إلا أن ذلك لا يعني أنه لا يمكن للمتوارين في لبنان توسيع طموحاتهم العسكرية والتسلّح في الشمال، فقد يملكون، إن أرادوا، بعد التمركز، ما يسمح بإحداث اضطراب موضعي وكافٍ لإشعال مشكلة، لبنان وسوريا، بغنى عنها.

وبعد مقاطعة معلومات “نداء الوطن” مع ما سُرِّب أو بُث، تؤكد سجلات التنصّت التي نُشرت في وثائقية قناة “الجزيرة” جداول قوّة بشرية وتسليحية، ومراسلات داخلية واقتصاد أمني موازٍ يتغذى من المال والسلاح والولاءات، ويتحرّك عبر الحدود بخفة لافتة وتحاك معها أسئلة حول جدية الأجهزة الأمنية في ملاحقتهم على الأراضي اللبنانية بناء على الاستنابات القضائية المتخذة بحقهم.

في بيروقراطية السلاح تأتي جداول تُظهر أعدادًا دقيقة لما يوصف بأنه “قوة جاهزة”، تتوزع على مناطق سورية مختلفة، مع رصد لعدد البنادق والرشاشات والقاذفات، وحتى الذخيرة والآليات، ولا شك أن جنرالات الأسد يرفعونها لجهة ممولة تدقق بقدرات العساكر ومراجعاتهم.

ويقول المصدر الخاص لـ “نداء الوطن” إن المجموعات “متشظيّة، تميل إلى تضخيم أعدادها، طمعًا بحصة أكبر من الدعم المالي لغياب آليات التصحيح والمساءلة الداخلية. وبعكس الرواية التي تُباع للعسكر، يعمل قادة الأسد وفق منطق التمويل، لا السياسة ولا الأيديولوجيا. والرواتب التي تُدفع لهم بالدولار الأميركي، تأتي بشكل دوري، فيما تُصرف المساعدات على مراحل، وينتشر بين الأعضاء خلاف على الأحقية. اقتصاد ظل قائم بذاته”.

ويشرح أحد الأمنيين الذين ينظرون بالملف بعد انتشار التسريبات لـ “نداء الوطن” إجابة على سؤال “من يقرّر بين سهيل الحسن وغياث دلّا وغيرهما من الضباط القريبين من رامي مخلوف في النهاية؟” إن التحركات حتى الساعة جاءت بالاتفاق الأكثري وأن وضعهم بعد التسريب ليس كما قبله، يُطرح احتمال الضمان الدولي الروسي لهم في حال تغيّرت الخرائط، كما يُطرح احتمال الانسحاب الموقت، أو الانتظار حتى تتضح الصورة. لكن الثابت الوحيد هو أن شبكة الضباط لا تتحرّك إلا عندما تتأكد من وجود مظلةٍ ما سياسية، مالية، أو أمنية. وأخطر ما في هذه المنظومة أنها تستطيع في لحظة أن تعيد التموضع أي تختفي، ثم تظهر من جديد، باسمٍ آخر، وترتيبٍ آخر، وشعارٍ آخر وربما غطاء داخلي من المحيط اللبناني”.

فالدعم بحسبه “لا يأتي دفعة واحدة؛ ويتسلّل عبر قنوات متشابكة، ويعيد إنتاج خريطة النفوذ ذاتها للضباط الكبار. وحين تُصبح الرواتب مشروطة، يتحوّل الفرد المسلح (وعددهم من المرجح ألا يكون مضخمًا كما انتشر) إلى عنصرٍ داخل سوق مفتوحة، ينتقل حيثما تتوافر الحماية والدفع، ويتراجع حيث يُرفع الغطاء”.

وبما أن الجغرافيا اللبنانية تؤدي دورًا مزدوجًا بحيث أنها ليست مكانًا للتجميع العسكري، بل نقطة تقاطع بين الإقامة الموقتة، وإدارة الاتصالات، وترتيب الموارد، ومن حين إلى آخر، محاولة التفاوض، يمكن للأجهزة الأمنية اللبنانية أن تُلقي القبض على المطلوبين قضائيًا بسهولة ومن دون الحاجة للاشتباك.

لا بل يظهر في أكثر من موضع توترٌ واضح لدى بعض الفاعلين من ضباط الأسد إزاء الأجهزة الأمنية، وتبديلٌ متكرر للهواتف والأماكن، مع حرصٍ على تجنب أي احتكاك مباشر. ولا شك بأن شبكات الفلول في عكّار تعمل حاليًا بعقلية التخفي والإدارة، وتتفادى المواجهة. وبذلك، فإن أي سيناريو لاشتباك واسع مع القوى الأمنية اللبنانية، في الحيصة يبدو غير مرجّح، فيما تبقى المخاطر الحقيقية في الفوضى المحدودة وترهيب السكان الذي يُمكن أن يحدث عند أي اهتزاز أمني في الساحل السوري.

في النهاية، يظلّ السؤال معلّقًا، فإلى أي مدى يمكن لشبكات كهذه أن تستمرّ في العمل من دون أن تترك أثرًا واضحًا؟

وهل نحن أمام ظاهرة عابرة، أم أمام نموذج “خلايا نائمة” ترعاها إيران ويحميها “حزب الله”؟ ما نعرفه حتى الآن هو ما تتيحه المعلومات من خيوط متشابكة، وأصوات متوترة، وخلية نائمة. أما ما لا نعرفه بعد، فربما يكون أخطر لأنه لا يزال خارج الاختراق… وخارج المحاسبة.

موقع نداء الوطن


اكتشاف المزيد من تدوينات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أبو يعرب المرزوقي

الحذر التركي كيف أفسره ولا أبرره

أبو يعرب المرزوقي لما قلت أول مرة إن مجيء أمريكا بترسانتها إلى الأبيض التوسط ليس …

نور الدين الغيلوفي

لو أنّهم تعلّموا الشكّ لأنصفوا

نور الدين الغيلوفي (والعوامّ أقلُّ شكوكًا من الخواصّ، لأنّهم لا يتوقّفون في التصديق والتكذيب ولا …

اترك تعليق