اللهمّ اغفر جهلي وتقصيري

صحيح البخاري

سامي براهم 

منذ أيّام في أحد المقاهي كنت جليس بعض الجامعيين… طوّف بنا الحديث شرقا وغربا… في السّياسة الدّوليّة والموقف من الطّوفان وقضايا الدّين وأهل الأديان… ثمّ حطّ بنا عند البخاري وصحيحه… وجدل مصداقيّة الجمع والتّوثيق بين ناقد وناف بالإطلاق صحّة ما جمع…

صحيح البخاري

صحيح البخاري

وللاستدلال على بطلان صحّة الصّحيح استشهد أحدهم بحديث مفاده أنّ الرّسول الأكرم كان يرتاد بيت امرأة أجنبيّة متزوّجة ويضع رأسه على حجرها لتلفي رأسه حتّى يعرق وينام ويحلم ويقصّ عليها حلمه بعد استيقاظه من نومته…
سمعت هذا الحديث من قبل في جلسة مع بعض الأصدقاء ولكنّني لم أهتمّ وقتها بتخريجه ومعرفة سياقه لتقصير منّي رغم ما أثاره لديّ من استفهام…

وقد وضع صاحب الاستشهاد الحاضرين بين أمرين: إمّا القبول بوضع الحديث وتضمّن صحيح البخاري ما يسيء لذات النبيّ وعِرضه… أو القبول بصدور هذا السّلوك عن النبيّ في حقّ امرأة أجنبيّة عنه وفي عصمة رجل آخر…

طبعا كلّما أثير الجدل عن حديث لا يستسيغه العقل أو الذّوق تداعى المستمعون دون تحقيق وتمحيص إلى تضعيفه أو تصنيفه ضمن الموضوعات ممّا يقويّ الشكّ في موثوقيّة كتاب الصّحيح وركوب موجهة القرآنيين…

كان يكفي للحاضرين نقرة على محرّك الشّيخ قوقل لتحصيل معلومة هي في حدود معارف أيّ طالب مبتدئ لعلم الحديث والسّيرة النبويّة…

استفزّتني نبرة التحدّي من طرف صاحب الاستشهاد فنقرت نقرة، فقفزت المعلومة في ثوان قياسيّة دون أي جهد يذكر… ليتبيّن أنّ المرأة التي كان يرتاد بيتها وبطعم من طعامها ويضع رأسه على حجرها هي من محارمه “إحدى خالاته بالنّسب وقيل بالرّضاعة”.

طبعا لم يقتنع صاحب الاستشهاد واعتبر هذا ترقيعا بعديّا لتبرير الحديث رغم تواتر الرّواية التي تحيل على نسب المرأة… ولكن لم يكن لاعترافه أو تراجعه قيمة بعد وجود رواية أخرى تكسر نبرة الوثوقيّة والتّعالم…

ما يثير الانتباه أنّ جزءًا كبيرا ممّا يقال ويدرّس تحت عنوان نقد المصادر هو من هذا القبيل الذي يستسهل فيه النّاقدون الحاملون للواء التنوير والتّجديد إطلاق الأحكام وارتجال الخلاصات خدمة لاستنتاجات جاهزة مسبقا…

••

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيْلَ ٱلْبُخَارِيّ (13 شوال 194 هـ – 1 شوال 256 هـ) / (20 يوليو 810 م – 1 سبتمبر 870 م) هو أحد كبار الحفّاظ(1) الفقهاء من أهم علماء الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل والعلل عند أهل السنة والجماعة، له مصنّفات كثيرة أبرزها كتاب الجامع الصحيح، المشهور باسم صحيح البخاري، الذي يعد أوثق الكتب الستة الصحاح والذي أجمع علماء أهل السنة والجماعة أنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم

Exit mobile version