غزة 2023 أكبر من صورة انتخابية

نور الدين العلوي

غزة 2023 تربك العالم، كل العالم.. غزة تضع العالم بين موقف إنساني حقيقي وصادق وفعال، وموقف تجاري تقليدي مبني على حسابات قصيرة وغبية.

الأغبياء وخاصة من حكام الأقطار العربية ما زالوا يعتبرون فلسطين وقضيتها ومنها غزة الآن وهنا؛ ورقة سياسية يمكن استعمالها في الداخل بعقل انتخابي فيظهرون مع شحنات المساعدات في مطار أو مع جريح في مشفى ويقولون تضامنّا أخويا، وتتولى أجهزة إعلام يديرها المرتزقة الاشتغال على مشهدية دعائية بالدم الفلسطيني لربح شيء في القُطر مثل انتخابات موسمية، أما الموقف الصادق فيبني على غزة حديث المستقبل ويرى تحولات استراتيجية مربكة في قوتها وفي استدعائها لمجهول كبير مثير، ولكنه يحتفظ بغموضه؛ ماذا بعد غزة إذا لم نتعامل معها كمشهد مفيد انتخابيا أي كمشهد عابر ومحدود؟

الموقفان: ماض وحاضر

الموقف التجاري أو السياسي الانتخابي هو موقف من الماضي، بينما الموقف الإنساني هو موقف من المستقبل وبينهما برزخ لا يبغيان. الموقف التجاري (الانتهازي بالقوة وبالفعل) هو موقف الأنظمة العربية وموقف الكثير من النخب العربية، وفي مقدمتها اليسار العربي الانتهازي الذي لم يجد في معركة تحرير فلسطين كل مواصفات المعركة الطبقية التي خططها المانفستو فلم ينخرطوا فيها إلا كمزايدين مرتبكين إزاء العمق الثقافي غير الطبقي للمعركة، وهذا منذ البدايات. وهذه النخب تلتقي مع الأنظمة في ساحة المزايدة بحب فلسطين، لكنها عمليا تمنع المرور إلى غزة و/أو مرور غزة إلى العرب الصادقين الذين لا يتوانون في المساعدة والدعم بالدم والمال، وأقله بالدموع والعطف الصادق. هذه النخب وهذه الأنظمة تغلق معبر رفح وهي واقفة بقوتها مع من يغلق المعبر بصفته زعيما قوميا.

هؤلاء (أنظمة حاكمة ونخبا فكرية وسياسية) لم يفهموا ما حدث في غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، ولا أراهم يفهمون كيف ينتقل العربي المسلم الفلسطيني من الدفاع العاجز إلى الهجوم القاهر ويغير المعادلات فيجعل قوة قاهرة تحتار في الدفاع عن نفسها وتنكشف مثل دجاجة فقدت ريشها في عاصفة. هؤلاء منغلقون على صورة المهزوم الشقي (التي شحنها العدو في أرواحهم)، لذلك لم ينفتح فكرهم على صورة القادر المنتصر، أما إذا انكشف لهم أن هذه القدرة المنتصرة تستند إلى عقيدة دينية فإن كل مقاييس التحليل عندهم تنهار ويجدون أنفسهم أقرب إلى العدو يشفقون عليه، فيكتبون عن حماس الإرهابية ولا يرون إرهاب العدو. فغياب هذا العدو القاهر يفقدهم قدرتهم على التحليل ويفتح عليهم طوفان المراجعات العسيرة، وهو شقاء لا قِبل لهم.

الحاضر الذاهب إلى المستقبل موقف قلة من النخب وجمهور واسع من أهل الفطرة السليمة مما لم يجد غضاضة في التكبير ذات معارك التحرير من الاحتلال المباشر في كل قُطر، ولم يجد أبدا فصلا بين أن يكون المرء مسلما وأن يكون طالب حرية، بل يجد أن دينه وتعبده يتجليان في حريته فيطلبها بالاعتماد على ربه ونبيه ويكبر ولا يشعر بالحرج أو بالنقص أمام الغرب الجميل الملحد الناكر لكن دين.

لقد قدمت غزة برهانا عظيما على أن مرجعيات الغرب كاذبة ومنحطة ومنافقة للإنسان، ولذلك فإن من يقف مع غزة الآن ينظر بعين الإنسان الحر إلى الفكر الغربي وإلى قوانينه الزائفة وإلى حياته الكاذبة كحام للحريات الإنسانية. لم يعد مستوى التعليم هنا مهمّا، فأهل الفطرة حتى الأميون منهم فهموا بفضل غزة اللعبة. لقد كان الغرب كذبة كبيرة فضحتها غزة (وقد فُضحت قبل ذلك في العراق ولكن غزة أكملت الصورة الناقصة)، وقد تحرر الناس وسيذهبون إلى مستقبلهم دون مرجعية غربية، وخاصة سيذهبون إلى المستقبل ضد هذا الغرب السفيه. لقد حررت غزة العالم وسيكون لحربها أثر لا يُمحى بل يُبنى عليه حتى قيامة عالم ليس فيه أثر النفاق الغربي، ولا نستغرب (بل سننتظر) أن يبدأ هذه العالم الجديد من شعوب الغرب نفسه، وقد فهمت الخديعة التي عاشت بها دهرا طويلا.

الانتخابيون الجهلة

الذين استقبلوا جريحين من غزة والتقطوا مليون صورة معهم؛ نقول لهم ما قالت غزة: أنتم لم تفهموا غزة ولن تفهموها وغزة تجاوزتكم وستقوض الأرض من تحتكم ولو بعد حين، لأنكم أسرى تصور ميت عن النضال وعن الحرية.

عندما قلنا أعلاه إن غزة أربكت العالم وتربكه حتى يستقيم نظام جديد، فلأننا نرى الأثر المباشر لما يجري في المربع الغزاوي ولا نقف عنده، بل نمر إلى ما نرى في العالم من تغييرات يعبر عنها شباب معولم يملك وسائط التعبير الحديثة ويتشابك عبر العالم في اتجاه بناء حريات جديدة؛ ليست ما فرضت عليه الشركات واللوبيات المالية والإعلامية.

قد يبدو الأمر متسرعا حتى اللحظة (أو من الأماني) ولكن ما يتيسر لهذا الشباب لم يتيسر لشباب عارض حرب فيتنام وأمكن قمعه وتفتيت حماسه الإنساني. لقد تكلمت غزة زمن التواصل المفتوح فوصل صوتها إلى أطراف العالم وكشف المستور من أسباب الحروب، ولا نظن أن الأمر موجة عاطفية سريعة ستقف بنهاية الحرب (إن توقفت).

إننا نرى عالما يتغير وتقوده غزة بصبر وأناة ولكن بشجاعة (وتدفع الثمن من لحمها ودمها)، فتعيد للعالم احتمالات الحلم بالحرية وتعيد له صورة الإنسان “البطل” الحر لا البطل السينمائي الذي يكمل شجاعة مزيفة بالمؤثرات الضوئية. الغزاوي هو البطل الرومانسي الجديد لا رامبو الهوليودي المصنوع في استيديو مكيف.

هذه غزة، فمن لم يتلقط معناها وهي تحارب وتوقف عند “شوية” دعاية انتخابية سمجة فلا مكان له فيما بعد غزة وقد فاته قطار التاريخ ولن يدخل المستقبل مثله مثل دولة الكيان الصهيوني التي تقف الآن وبفعل غزة 2023 على حافة قبرها.. ولم يبق لها إلا أن ترفع كلفة حريتنا وهي التي لم تتعلم أبدا أن ثمن الحرية هو المستقبل. لا تكذبوا على غزة فغزة لا تكذب وتعرف الكذابين وتسميهم ولديها مشروع. غزة وحدها من تملك مشروعا للمستقل فمن سار خلفها عرف سواء السبيل.

عربي21

Exit mobile version