هل المولد النبوي عيد؟ وهل قام النبي (ص) فعلا بتحديد عيدين وتحريم ما سواهما؟

للتأمل..

محمد بن جماعة 

__ 1 __
في اللغة العربية، “العِيدُ” هو: ما يعود من همٍّ أو مرض، أَو شُوق أو نحوه.. وهو كلُّ يوم يُحتفَلُ فيه بذكرى حادثةٍ عزيزة أو دينيَّة..

قال ابن منظور في “لسان العرب”:
“والعيد: كل يوم فيه جَمْع، واشتقاقه من عاد يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد، لزم البدل، ولو لم يلزم لقيل: أعواد، كريح وأرواح؛ لأنه من عاد يعود.
وتحولت الواو في العيد لكسرة العين، وتصغير عيد: عُيَيْد، تركوه على التغيير، كما أنهم جمعوه أعيادًا، ولم يقولوا: أعوادًا.”

وقال الأزهري في “تهذيب اللغة”:
والعيد عند العرب: الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن، وكان في الأصل العِوْد، فلما سكنت الواو، وانكسر ما قبلها، صارت ياء، وقيل: قلبت الواو ياءً؛ ليفرقوا بين الاسم الحقيقي وبين المصدري..

وقال الجوهري في “تاج اللغة”:
“إنما جمع أعياد بالياء؛ للزومها في الواحد، ويقال للفرق بينه وبين أعواد الخشب، قال ابن الأعرابي: سمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد”.

__ 2 __
جميع من يحصر الأعياد في عيدي الفطر والأضحى، يستشهدون بحديثين لا ثالث لهما للدلالة على أن النبي (ص) نهى عن الاحتفال بما سواهما من الأعياد، حسب زعمهم..

  1. في الصحيحين عن عائشة قالت:
    دخل عليَّ أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنِّيان بما تقاولتْ به الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين.
    فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله؟!
    وذلك يوم عيد.
    فقال رسول الله: “يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا”.
    وفي رواية: “يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وإن عيدنا هذا اليوم”.
    وفي الصحيحين أيضًا أنه قال: “دعْهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد”..
    وتلك الأيام أيام منى.
  2. وعن أنس قال: قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: “ما هذا اليومان؟”.
    قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
    فقال رسول الله: “إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر”؛ رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
    لا يوجد في الحديثين أي دليل على نهي أو تحريم لما سواهما من الأعياد..

الحديث الثاني يشير لعيدين كان أهل يثرب يحتفلون بهما أيام الجاهلية قبل قدوم النبي إليها: النَّيْرُوزِ والمِهْرَجانِ.. وهما عيدان متعلقان بأحداث سياسية وفلاحية قديمة.. ومن باب الحث على بناء هوية ثقافية جديدة لمجتمع الإسلام في المدينة، أخبرهم النبي (ص) بأن الله قد منحهم وبدلهم بما هو خير منها، لارتباط ذلك بأحداث دينية أهمّ.. ومع ذلك لا دليل على تحريم مواصلة الاحتفال بهما..

والدليل على ذلك:

  1. أن عيد النيروز استمر في العهد الأموي (ما عدا فترة حكم عمر بن عبد العزيز) والعهد العباسي.. ولم يثر جدل فقهي أو عقائدي حول الموضوع..
  2. بل ينقل الشيعة إبقاء علي بن أبي طالب لهذا الاحتفال.. والاختلاف بين الشيعة والسنة ليس حول مدى احتفال الناس في خلافته بالنيروز، وإنما حول ما إذا قبل هدية النيروز أم لا (نوعا من حلوى العيد).. والسنة يضعّفون الروايات في ذلك.

  3. الدليل الثالث هو أن السلفيين يتلاعبون بكلمة العيد ما يشاؤون.. فتارةً يتكلمون عن عيدين فقط دون سواهما (الفطر والأضحى).. وأحيانا يتكلمون عن يوم الجمعة كعيد أسبوعي.. ويستشهدون لذلك بحديث منسوب للنبي (ص) عن يوم الجمعة: “إنّ هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء الجمعة فليغتسل.”

  4. كان النبي (ص) يصوم الإثنين ويقول عنه: “فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ”..

خلاصة رأيي الشخصي:

طبيعي أن يدعو النبي (ص) للاهتمام أكثر بالأعياد الدينية، وطبيعي أن يستثير النبي في نفسه في نفوس المؤمنين الذكريات الخاصة به وبالأحداث الدينية.. وهل الأضحى وأيام منى والجمرات والطواف سوى ذكريات دينية متعلقة بإبراهيم وإسماعيل وهاجر؟

وبالتالي، فلا حرج عندي في تسمية ذكرى ميلاد النبي بالعيد.. وذكرى الهجرة بالعيد.. وذكرى انتصار بدر أو غيرها من المواقع الكبرى بالعيد.. وذكرى فتح مكة بالعيد.. بل وحتى ذكرى انتصار الروم على الفرس بالعيد.. “وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ”.

Exit mobile version