حجب الأعداد : الأزمة التي كشفت العيوب وفضحت السرائر

عبد السلام الككلي

يعيش المجتمع التونسي منذ نهاية السنة الدراسية الحالية تفاقم أزمة «حجب الأعداد» من طرف المعلمين بالمدارس الابتدائية: معركة بين الوزارة والجامعة العامة للتعليم الأساسي في ظل صمت بقية النقابات والمجتمع المدني والأحزاب السياسية. وكأن المدرسة شأن لا يهم غير المعلمين الذين يهددهم وزير التربية بالويل والثبور.

حجب الأعداد : القطار الذي يخفي قطارا آخر

لم تعرف تونس قبل 2011 أي شكل من أشكال ما يعرف بـ «الإضراب الإداري» (الامتناع عن إصلاح فروض المراقبة أو الامتحانات السداسية.. أو الإصلاح ولكن الامتناع عن تسليم الأعداد للإدارة حتى تسلمها للأولياء أو أي أعمال إدارية أخرى). عدا مثالا واحدا وهو الإضراب الإداري الذي نفذه الجامعيون سنة 2005 (امتنعوا عن إصلاح امتحانات الدورة الرئيسة مما أدى الى غياب دورة المراقبة) ولم يكن وراء هذا الإضراب مطالب مادية من أي نوع بل كان متعلقا بأزمة التمثيل النقابي في الجامعة.. ولم يقع تقييم هذا الإضراب من قبل الجامعيين ولا استخلاص النتائج منه لا على مستوى انخراط الجامعيين فيه ولا على مستوى نجاعته كشكل من أشكال النضال النقابي. رغم انه كان لزاما وقتها التفكير بجدية حول معاني هذا الشكل النضال القصووي الذي يجعل المتعلمين والمجتمع بأسره تقريبا طرفا في الصراع.

استجد هذا الشكل من النضال النقابي في التعليمين الأساسي والثانوي بعد الثورة فلا تكاد تخلو سنة مدرسية منذ 2011 من خلاف بين جامعتي التعليم الأساسي والثانوي وبين وزارة التربية. ولا يكاد يخلو عام من اللجوء إلى التلويح بمقاطعة العودة المدرسية أو حجب الأعداد أو التهديد بمقاطعة الامتحانات ويظل الأولياء والتلاميذ يعيشون الخوف من السنة البيضاء في ما يشبه الكابوس المزمن الجاثم على الصدور.

ومثلما هو الأمر في السنوات الماضية عاشت المدرسة التونسية هذه السنة 2022 -2023 على وقع حجب الأعداد والتهديد بمقاطعة الامتحانات في الأساسي والثانوي. ويتدخل الأولياء في الخلاف في هذا الجو المشحون فضلا عن الإعلام الذي يساهم في عملية الاصطفاف مع هذا ضد الآخر ويضاعف في توتير الأجواء. هذا مع الحكومة يعتقد أن الدولة لها كامل الحق في تطبيق القانون والوصول إلى اتخاذ عقوبات ضد المعلمين والأساتذة دفاعا عما يعتبرونه المصلحة الفضلى للتلميذ والمدرسة العمومية، فهي مطالبة بكسرة شوكة المربين الخارجين عن القانون ومنه القانون الداخلي للاتحاد نفسه (رفضت المركزية في كثير من الأحيان الإمضاء على لوائح الهيئات الإدارية القطاعية للتعليم اذا تضمنت مسألة حجب الأعداد). والآخر يرى أن النقابة من خلال تحركاتها الأخيرة تدافع عن مطالب مشروعة دفاعا يكفله القانون والدستور.

ولئن عرفت أزمة حجب الأعداد مع نقابة الثانوي طريقها إلى الحل بإمضاء اتفاق يقضي بالخصوص بتحيين منحة العودة المدرسية وإعلان الترقيات بعد تجميدها وتسوية وضعية المديرين والنظار بإحداث منحة ومقترح الزيادة في الأجور على ثلاث سنوات 2026 و 2027 و 2028 ومع ما أدى إليه هذا الاتفاق من غضب كبير لدى القاعدة الأستاذية التي اعتبرت الزيادة بداية من 2026 شيئا زهيدا لا يلبي بالمرة انتظارات الأساتذة في ترميم قدرتهم الشرائية دون انتظار ثلاث سنوات أخرى وبقطع النظر أيضا عما أثاره من لغط حول الارتباطات الشخصية والسياسية بين الكاتب العام لنقابة الثانوي لسعد اليعقوبي ووزير التربية محمد علي البوغديري الأمر الذي جعل من الاتفاق شبه هدية ممنوحة من اليعقوبي والمكتب التنفيذي القطاعي الى وزير التربية العضو السابق بالمكتب التنفيذي الوطني للاتحاد ومن ورائه الى نظام 25 جويلية الذي يسانده بنفس القوة وبشكل معلن لسعد اليعقوبي ومحمد علي البوغديري بحسب ما يؤكده كثير من الأساتذة، فان تسليم الأعداد في الثانوي وإجراء الامتحانات ومنها امتحان الباكالوريا والإعلان عن النتائج أنهى أزمة كانت تكون اخطر بكثير من الأزمة التي يعيشها التعليم الأساسي لارتباط أجراء امتحان الباكالوريا بوجود دفتر أعداد التلاميذ الذي يحتاج إليه ضرورة في حالات الإسعاف بالنجاح. فمن يتصور انه كان يمكن أن يلغى امتحان الباكالوريا هذه السنة أو في أي سنة أخرى أو يؤجل ؟

غير أن الأزمة في قطاع التعليم الأساسي ظلت تراوح مكانها إذ رفضت الجامعة مقترح الزيادة الذي قبله زملاؤها في الثانوي ولأول مرة منذ ابتداع هذا الشكل النضالي الإشكالي وهو حجب الإعداد تنتهي السنة الدراسية في التعليم الابتدائي دون أن يتسلم كثير من التلاميذ أعدادهم. لأول مرة ينهي كثير من التلاميذ سنتهم الدراسية وهم لا يعرفون مصيرهم في السنة القادمة فلا هم من الناجحين ولا هم من الراسبين. في هذا الجو يخرج علينا وزير التربية النقابي السابق بلغة حربية آخرها التصريح الذي وصف فيه نضال المعلمين «بالعنتريات والاستخفاف بالدولة وهو سلوك يجب أن يجابه بقوة القانون» حسب تصريحاته النارية أحيانا

قد لا ندرك الآن وبشكل حيني النتائج الكارثية التي قد تؤول إليها أزمة حجب الأعداد ولكنه بإمكاننا أن نقدم هنا بعض الملاحظات السريعة حول ما يمكن أن تخلفه في المستقبل من تبعات.

غلبة السياسي على النقابي ؟

لقد كان الاتحاد العام التونسي للشغل متهما على الدوام بأنه نقابة مسيّسة وانه كان منذ تأسيسه ملاذا تتجمع فيه القوى اليسارية. كما اتهمت هذه القوى في كثير من الأحيان بانها تغلب الجانب الإيديولوجي بل أحيانا الحزبي على الجانب النقابي وان المسؤوليات داخل الهياكل النقابية من النقابة الأساسية الى المكتب التنفيذي الوطني تخضع الى محاصصات حزبية بين تشكيلات متنوعة من اليسارين الماركسي والقومي. وعادة ما تصدر تهمة غلبة السياسي على النقابي داخل الاتحاد عن معارضي المنظمة ومناوئيها سواء كانوا جزءا من السلطة الحاكمة أو كانوا خارجها. غير أن الجديد نسبيا مع الاتفاق الأخير الحاصل بين جامعة التعليم الثانوي ووزارة التربية انه جعل من هذه الاتهامات تصدر من داخل المنظمة ذاتها فقد دعت كثير من النقابات الأساسية كل الرافضين لكل المسار التفاوضي ومآلاته من فروع جامعية وقاعدة أستاذية ومنخرطين إلى «توحيد الموقف النقابي والعمل على التحضير للمؤتمر الوطني القادم لقطاع التعليم الثانوي بعيدًا عن رهانات الولاء السياسي والانخراط في خيارات الحكم القائم والتموقع والمساومة على حقوق الأساتذة» كلمات شديدة الأثر كان ربما من نتائجها أن ادرك لسعد اليعقوبي حجم هذا الغضب ضده شخصيا وضد القيادة النقابية القطاعية لارتباطها السياسي بالوزير فاستبق الأحداث وأعلن انه لن يترشح في المستقبل لاي منصب نقابي وان كان لمح الى انه قد يتجه إلى شكل آخر من النشاط المجتمعي.

قليلون من غير رجال التعليم يعرفون حجم العزوف الذي يعرفه العمل النقابي في أكثر النقابات تمثيلية وهي نقابة التعليم الثانوي. يظن البعض أن كثرة المطالب والتحركات تدل على حيوية نقابية في حين أنها في أكثر الأحيان تحركات ظرفية سريعا ما تخمد بمجرد الوصول إلى اتفاق يرضي الجميع ولو نسبيا ولكن فلنتصور ما يمكن أن يؤول إليه الأمر اذا كان الاتفاق محل تشكيك ومزايدات وغمز بان البعض ممن يقفون وراءه موعودون بهذا أو ذاك. فعندما تتهم القيادة بالتواطؤ والخيانة حقا أو باطلا فلا احد يقدر حجم الضرر الذي قد يصيب العمل النقابي وجدواه… فعلا، أي جدوى في نظر الكثيرين من نضال امتد على مدى سنة كاملة لينتهي الى اتفاق هو أشبه بالهدية يقدمها النقابي «المتواطئ» للسلطة ؟.. لقد لخصت منظمة “أنا يقظ” كل هذا المأزق في بيان لها قالت فيه.

«كل هذا من أجل هذا؟ كل هذه الشتائم وحملات التشويه ضد الأساتذة والمعلمين؟ لا تكتفي نقابة الثانوي في الأخير بعد أكثر من 7 أشهر من (المفاوضات) وحرب الأعصاب والتصريحات، بزيادة زهيدة في أجور الأساتذة ابتداء من 2026 فقط، بل تغلق باب المفاوضات في وجه الأساتذة حتى سنة 2028 بالرغم مما ستحمله السنوات القادمة من تضخم وارتفاع في الأسعار والمعيشة»،

واذا كنا لا نصدق كثيرا مسألة الدعوة إلى الانسلاخ من المنظمة (لأسباب يطول شرحها) وهي دعوة تطفو على إثر كل أزمة بين النقابات القطاعية والبيروقراطية النقابية أو على اثر أي اتفاق لا يرضي جانبا من القواعد فانه من غير المستبعد إن ما حصل هذه المرة سيفقد القاعدة العريضة حماسها النضالي وثقتها في هياكلها النقابية قليلا أو كثيرا».

هل هي نهاية أسطورة التضامن النقابي ؟

صعّد وزير التربية لهجته ضد المعلمين بعد نهاية السنة الدراسية ثم المهلة التي أعطتها الوزارة للمعلمين لتسليم الأعداد وهي 4 جويلية الجاري واعتبر البوغديري آن إصرار المعلمين على موقفهم يعد «إخلالا بالواجب يستوجب قطع العلاقة الشغلية» (هكذا !)، ولم يكتف الوزير بالتهديد بل مر إلى السرعة القصوى فأعفى أكثر من 180 مديرا وهو عدد قابل للارتفاع، وفق تعبيره، كما تعمل اللجان التابعة لوزارة التربية في المركز الوطني لتكنولوجيا التربية على تحديد قائمة المعلمين الذين رفضوا تسليم الأعداد تمهيدا لقطع أجورهم. في ظل هذه المواجهة من الغريب هذا الصمت المشاهد من نقابات التعليم خاصة ومن المركزية. ولئن كان صمت جامعة التعليم الثانوي مفهوما اعتبارا لاصطفافها تماما إلى جانب الوزارة والسلطة إذا صدقنا ما يؤكده كثير من الأساتذة إلا أن صمت النقابات الشقيقة والمركزية النقابية يبدو أمرا محيرا.

هل انتهت أسطورة التضامن النقابي ؟ هل ختمت بالشمع الأحمر أسطورة الاتحاد أقوى قوة في البلاد ؟. من المؤسف أن الاتحاد يعيش أسوأ لحظات وجوده منذ الانقلاب على الفصل 20 من قانونه الأساسي ثم وقوفه المريب مع انقلاب 25 جويلية دون أي حساب للعواقب (مسألة المساندة المشروطة مجرد وهم).

وها هو السحر ينقلب على الساحر فالاتحاد مستهدف اليوم من السلطة التي تعمل وفق برنامج يرمي في آخر الأمر إلى إلغاء كل الأجسام الوسيطة من هيئات ونقابات وأحزاب في ظل مشروع هلامي يسميه البعض البناء القاعدي. لم يعرف الاتحاد منذ أزمة الخبز في 1984 هذا الحجم من إيقاف النقابيين والزج بهم في السجون مع عنصر أضافه انقلاب 25 جويلية الى المشهد الحزين وهو ترك المجال إلى مجموعات محمومة تدعي مساندة النظام تهتك صباح مساء أعراض النقابيين ومنهم الأمين العام نفسه وتؤلب الرأي العام ضدهم. هل انتهت أسطورة الاتحاد الذي لا يهاب أحدا؟ فكم تبدو كلمات الطبوبي بعيدة عن الواقع حين قال خلال إشرافه على مؤتمر اتحاد الشغل بسليانة يوم 18 أكتوبر 2022 «ابعدونا رانا معاركية وما فينا ما يتفصل» كم تبدو هذه الكلمات بعيدة جدا عن صمت القبور هذا في ساحة محمد علي.

الآن يواجه المعلمون هجمة السلطة عليهم فيجدون أنفسهم بلا غطاء نقابي من المركزية النقابية التي لزمت الصمت إلى حد الآن. فقد غاب الأمين العام تماما عن الساحة فلا نكاد نسمع له حسا. ولا مساندة للمعلمين من النقابات الشقيقة. واذا كان المكتب التنفيذي للجامعة العامة للتعليم الثانوي أمره مفهوم للأسباب التي ذكرناها فأين الفروع الجامعية وأين النقابات الأساسية في التعليم الثانوي وأين كل النقابات المرتبطة بقطاع التربية من قيمين ومتفقدين وأين نقابة الأساتذة الباحثين الجامعيين؟ وكيف نفسر هذا الصمت؟ أما الرأي العام فأكثره ضد المعلمين.

هل يكون هذا أخطر ما يعيشه العمل النقابي هذه الأيام ؟. لا حياة للعمل النقابي إلا بتضامن العمال بالفكر والساعد. لا نعني هنا بالضرورة منطق «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ولكن نعني بذل الجهد من كل الأطراف النقابية وغيرها من اجل المساهمة في إيجاد حل للمشكل. لا شيء يبرر هذا الصمت غير انهيار التضامن النقابي. وهو أمر يتجاوز أزمة حجب الأعداد آذ أنه بعض من أثار الانقلاب السياسي الذي عرفته البلاد. فأكثر ما نحج فيه نظام 25 جويلية هو تفتيت المجتمع التونسي وإخراج أسوا ما في التونسي من نفاق وأنانية وعنف وعنصرية حتى وصلت صورة تونس الى أسوأ درجات الانحطاط في بيانات المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية.

خراب المدرسة العمومية

إن عملية التعبئة والتجييش التي يمارسها الوزير اليوم ضد المعلمين وباستعمال ألفاظ لا يبررها شيء غير زيادة في الحماس لدى وزير خارج من النقابي إلى السياسي سيكون لها أسوأ النتائج في المدى القريب والبعيد على المناخ العام في مدارسنا. إن هذه اللغة العنيفة السائدة اليوم ومن كل الأطراف أولياء وأساتذة ووزارة هي بلا شك أخطر بكثير من إمتحان لم يقع في وقته أو أعداد لم تنزل. إن ارتباط مستقبل المدرسة بصورة المعلم أو الأستاذ هو ارتباط يتجاوز بكثير مصير سنة دراسية رغم أهمية ذلك بلا شك، إنه ارتباط كثيرا ما لا نراه لأنه ارتباط من الدرجة الثانية. إنه ارتباط رمزي. نحن الآن بصدد تخريب الرأسمال المعنوي الحقيقي الذي صنعته تونس والتي كانت تجعل من المعلم والأستاذ عنوان الحلم الجماعي ومدخلنا إلى المستقبل. لقد شكلت صورة المربي طوال عقود مخيال التونسيين خاصة من كانوا في عمري من جيل الستينات وتحكمت بتصوراتهم حول التعليم والمدرسة. لا أعتقد أن التفاصيل التقنية التي أثارت الأزمة تمثل مشكلة لا حل لها: المشكلة الأخطر هو أن ينزل المربي في علاقته بالوزارة وبالأولياء إلى مستوى متدنّ ويخرب معاني المربي فيه، وأن يتحول الأولياء إلى أعداء للمربين وأن تضحي الوزارة بصورة الأساتذة والمعلمين هي أيضا.

لم يعد هناك لدى الوزارة غير لغة الوعيد ومنطق العقوبة والانتقام التي ربما ستخرج علينا بها قريبا بشكل أكثر فداحة إذا لم يتوفق الفرقاء في إيجاد حل للأزمة والتي قد تقود إلى انقطاع الصلة تماما بين نقابة المعلمين والوزارة مع كل انعكاسات ذلك على هذه السنة بل على العودة المدرسية في السنة القادمة التي يهدد المعلمون منذ الآن بمقاطعتها.

أخيرا نقول كلمة لمعلمينا الأعزاء: نحن معكم ومع حقكم في حياة كريمة تليق بالجهد الذي تبذلون وبالمعاناة التي تعيشونها والتي لا يعلمها إلا من مارس مهنة التعليم وقساوتها مع هذا الجيل الصعب بل العنيف في كثير من الأحيان وفي ظروف مزرية خاصة في الأرياف والقرى النائية… أيها المعلمون دافعوا عن مطالبكم ولكن لا تنسوا أيضا إنكم مؤتمنون على صورة المربي فيكم. لا احد بوسعه أن يقدم لكم دروسا في الوطنية أو في الأخلاق أو في حبكم لمهنتكم ولكن حذار أن تذهبوا في طريق تحقيق مطالبكم بأي ثمن.

حذار فانتصاركم بأي ثمن إن تحقق لا يعني دائما انتصار صورة المعلم فيكم أو صورة المدرسة فينا.. فلا تدافعوا عن المدرسة العمومية وانتم تعملون أحيانا لصالح التعليم الخاص حتى وان لم يكن هذا غرضكم ومرادكم. ونحن بلا شك ننزهكم عن ذلك..

اسطرلاب

Exit mobile version