fbpx
الجمعة , 12 أغسطس 2022

يكتفي بصوته… لماذا يرفض قيس سعيد الحديث للصحافة؟

يَدين الرئيس التونسي قيس سعيد للصحافة ووسائل الإعلام بالكثير. على مدى سنوات من بعد ثورة 2011 وحتى صعوده إلى رئاسة البلاد، كان الرجل ضيفاً دائماً على القنوات التلفزيونية وعلى صفحات الجرائد، بصفته أستاذاً للقانون الدستوري ومفسراً للإشكاليات القانونية والدستورية التي عاشتها تونس خلال المرحلة الانتقالية، خاصة في فترة صياغة دستور 2014 وفي فترات الأزمات الحكومية المتعاقبة.

بشهادة العشرات من الصحافيين، كان سعيد مرناً في التعامل معهم، يستجيب دون كلل لدعواتهم للحضور. وشكل أسلوبه الغريب واللافت في التحدث باللغة العربية دون أن يتخلل ذلك أي كلمة بالعامية، ودون تعابير وجه مميزة أو ابتسامة، مصدر إعجاب لدى البعض من باب أنه “كلما كان الأمر أكثر غرابة، كلما نجح”. كما جذبت حدة خطابه تجاه النخب الحاكمة وانحيازاته الواضحة لعموم المحكومين قطاعات واسعة من متابعي وسائل الإعلام.

لكن هذه العلاقة الحميمة بالصحافة والإعلام انقلبت جفاءً بعد أن أصبح سعيد رئيساً، منذ نهاية عام 2019، إذ لم يجرِ الرئيس سوى مقابلة تلفزيونية يتيمة منذ ذلك التاريخ مع الإعلام المحلي، بُثَّت بعد مئة يوم من صعوده إلى السلطة، على شاشة القناة الحكومية.

في المقابل، تنام في مكاتب رئاسة الجمهورية عشرات الطلبات التي قدّمها صحافيون/ت تونسيون لإجراء مقابلات مع الرئيس، دون ردّ. وتبقى الصفحة الرسمية للرئاسة على فيسبوك النافذة الوحيدة التي يطل منها سعيد على الشعب ليتحدث في مقاطع فيديو قصيرة تجمعه بالوزراء، وهو جالس وراء مكتبه في شكل محاضرة، حديثاً عمومياً تطغى عليه الأبوية الصارمة والجدية المفرطة، معيداً إنتاج نفسه بنفس التراكيب اللغوية وذات الخطاب.

وفي مرات قليلة، يحاول صحافيون كسر هذه العزلة من خلال فرض أنفسهم على الرئيس خلال الجولات التي يقوم بها ليلاً في شارع الحبيب بورقيبة أو في بعض مناطق البلاد، عندما يكسرون الطوق الأمني ويوجهون أسئلتهم له فيضطر للإجابة دون أن يقول شئياً جديداً.

الصحافة بوصفها وسيطاً

لا يختلف قيس سعيد عن أغلب القادة الشعبويين في رفض وسائل الإعلام والصحافة بوصفها أحد الأجسام الوسيطة بين السلطة والسكان، شأنها شأن الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني، وبالتالي تتحول إلى عقبة أو حاجز بين القائد الشعبوي وشعبه، لا بد من كسره أو تحييده، لكي يكون التواصل مباشراً دون أي حواجز لتنقية الخطاب أو نقده أو طرح أي تساؤلات حوله كما تفعل الصحافة عادةً.

فالخطاب الشعبوي إذ ما مرّ عبر القنوات الصحافية والإعلامية سيكون بالضرورة في مواجهة خطابات مضادة، بوصف الصحافة منبراً لطرح الأفكار وضدها، وهذا التضاد لن يكون قطعاً في صالح الخطاب الشعبوي الهش من الناحية المنطقية.

لذلك، يفضل القادة الشعبويين حديثاً ذا اتجاه واحد، منهم إلى الشعب مباشرة دون تعقيب أو سؤال أو استدراك، ويجدون في وسائل التواصل الاجتماعي الأداة المثلى لذلك، كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مدى فترة حكمه عندما كان يستعمل تويتر كمنصة رئيسية للخطاب.

ووفقاً لمسح أعدّته عام 2019 منصة “أوروبا الاستقصائية” تحت عنوان “آلة التضليل”، وأجري في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وبولندا، ونُشرت خلاصاته في عدة وسائل إعلامية، يهيمن الشعبويون اليمينيون على الخطاب السياسي في أوروبا على منصات التواصل الاجتماعي، بما يتجاوز بكثير ما يمثلون شعبياً من حيث عدد الناخبين، كما بدت الأحزاب السياسية الأخرى متخلفة عن الركب، لذلك فإن الشبكات الاجتماعية توفر منصة مناسبة بشكل خاص للخطاب الشعبوي.

لكن في الوقت الذي يختفي فيه عن وسائل الإعلام محاوِراً، ينجح قيس سعيد بشكل مثير بالتلاعب بوسائل الإعلام من جميع التوجهات من خلال السيطرة على دورة الأخبار. تبدو وسائل الإعلام الرئيسية حتى الآن عاجزة عن التوقف عن الحديث عن الرئيس، ويبدو حضوره في وسائل الإعلام طاغياً باعتباره يدير كل شيء في البلاد دون شريك. يجد الصحافيون أنفسهم مضطرين لنقل ما يقوله على صفحته الرسمية كونها المصدر الوحيد للمعلومة، دون أن يكون لهم الحق في سؤاله عن تفاصيل ما يقوله، حتى وإنْ كان مضمون الخطاب فيه أشياء غامضة أو يطغى فيه التضليل على الحقيقة.

بل وصلت عزلة الرئيس التونسي الإعلامية درجة غير مسبوقة قبل أشهر عندما قامت الرئاسة بتنظيم مؤتمر صحافي بين سعيد والرئيس الفلسطيني محمود عباس دون حضور صحافيين. كما فُرضت عوائق كثيرة أمام الوزراء كي لا يظهروا في وسائل الإعلام بقرار من رئيسة الحكومة نجلاء بودن، والتي لم تظهر في أي مقابلة صحافية، فيما ما زال منصب الناطق الرسمي باسم الرئاسة شاغراً حتى اليوم، فلا ناطق باسم الرئاسة سوى الرئيس نفسه.

يعتبر سعيد أن وسائل الإعلام التي تحمل مجموعة متنوعة من الآراء والتحليلات القائمة على الحقائق النسبية، يمكن أن تصبح بسرعة عقبة أمام علاقته المباشرة بالشعب، وبالتالي فهي عرضة للإدانة دائماً، كما حدث في بداية العام الحالي، عندما شن هجوماً على وسائل الإعلام المحلية واصفاً إياها بالكاذبة، واتهمها بتزييف الحقائق والاهتمام بالمسائل التافهة وعدم الاهتمام بالقضايا الجوهرية، وذلك لأنها شككت في أعداد المشاركين التي قدمها حول الاستشارة الإلكترونية التي طرحها ووُصفت بالفاشلة وفقاً لعدد المشاركين مقارنة بالعدد الإجمالي للجسم الانتخابي. توصيف وسائل الإعلام الموضوعي أثار حفيظة الرئيس بشدة حتى أنه قال غاضباً في مقطع فيديو نشرته الرئاسة التونسية: “كلّ يوم يضعون على أعمدة الصحف الاستشارة الإلكترونية بين معقوفين، لو وضعوا أنفسهم بين المعقوفين لكان أفضل (…) هؤلاء ينطبق عليهم قول مظفر النوّاب يكذب يكذب يكذب كنشرة الأخبار”.

ما بعد الحقيقة… عندما يتفوق رأي الرئيس على الحقائق

في مكان ما من روايته “1984”، يشير جورج أورويل إلى أنه: “كلما ابتعد المجتمع عن الحقيقة، زاد كره مَن يقولها” وهذا التنافر بين المجتمع والحقائق هو جوهر التنافر بين الخطاب الشعبوي والصحافة.

يقدّم الشعبويون خطاباً بسيطاً ساحراً خالياً من التعقيد، قريباً من سرديات الخلاص، ومن تلك البساطة وذاك السحر يجد طريقه إلى قلوب الناس بسهولة، ذلك أن الناس يبحثون عن حل سريع وسحري لجميع مشاكلهم، ويبحثون عن مخلص بطل قادر على تحقيق مطالبهم دون تعقيد.

في المقابل، تقوم الصحافة على التعقيد من خلال محاولة فك شفرات الخطاب، بالحقائق والتحليل والنفوذ إلى العمق، والتحقق من المعلومات، وهذا يمكن أن ينسف الخطاب الشعبوي. لكن هذا التعقيد يغيب تماماً في وسائل التواصل الاجتماعي التي تقدّم خطاب القائد الشعبوي خاماً دون تحقيق أو تدقيق للمتلقي.

وينسحب كره القادة الشعبويين للصحافة على أنصارهم الذين ينشطون بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا شأن أنصار الرئيس التونسي، ويقودون حملات شديدة التنظيم ضد وسائل الإعلام السائدة بوصفها جزءاً من “النخب الفاسدة” و”متعالية عن الشعب”.

ولعل هروب الرئيس التونسي من وسائل الإعلام، وخاصة من إجراء المقابلات التلفزيونية المباشرة، بكل ما فيها من نقاش وسجال وتعقيب على الحقائق البديلة التي يقدمها بدلاً من الحقائق الموضوعية، هو في العمق هروباً من مواجهة أي نقد أو سؤال لخطابه.

وعودةً إلى مسألة “الحقائق البديلة”، يمكن أن نسوق عشرات الأمثلة على ذلك، يبدو أشهرها ما وقع بعد أسابيع من انقلاب 25 تموز/ يوليو 2021، عندما خرج أنصار الرئيس إلى الشوارع في تظاهرات مؤيدة، ليظهر الرئيس مساءً في تسجيل مصور نشرته الرئاسة على الصفحة الرسمية على فيسبوك قائلاً بكل ثقة: “لقد كان يوماً تاريخياً نزل فيه نحو 1.8 مليون إلى الشارع مهللين”. وأضاف متوجهاً لرئيسة الوزراء: “الشعب قال كلمته… لن نخيب آمال التونسيين”. هذا مع أن التظاهرة التي أشار إليها بالكاد شارك فيها حوالي 8000 شخص، وبُثّت مباشرة على أكثر من وسيلة إعلامية إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي، وباعتراف وكالة الأنباء الرسمية نفسها. ومع أن رئيسة الوزراء كانت تدرك جيداً أن هذا الرقم ليس فقط مبالغاً فيه بل خيالياً، إلا أنها أجابت الرئيس بابتسامة قائلةً: “ما شاء الله” دون أن تضيف شئياً، ذلك أن الحقيقة الموضوعية على نسبيتها لا تساوي شئياً أمام رأي الرئيس، وسلوك رئيس الوزراء ليس شاذاً، فهو السلوك الطبيعي لأنصار القادة الشعبويين في كل مكان.

وفي نموذج آخر من تجاوز الحقيقة إلى ما بعدها، يتهم قيس سعيد أطرافاً مشبوهة لا يسميها أبداً ويتحدث عنها بضمير الغائبين “الهُم”، بـ”التسلل للأقمار الصناعية في الفضاء والتشويش على قواعد البيانات” مشيراً إلى أنهم قد “تقطعت بهم السبل في الأرض وستتقطع بهم السبل في الفضاء”، فيما كان وزير الاتصالات يجلس أمامه يهز برأسه، مسلماً بكل كلمة يقولها، على الرغم من أنه مهندس في تكنولوجيا المعلومات، في حالة غريبة من تضافر التفسير التآمري للواقع مع صناعة الحقائق البديلة لإنتاج خطاب مبسط سهل الهضم والتصديق، لا يمكن أن يجد طريقه إلى وسائل الإعلام التقليدية أبداً.

لم يعد الأمر، كما كان من قبل، يتعلق بخيانة الحقيقة، أو تشويهها، أو التحايل عليها، أو حتى إعادة صياغتها بأثر رجعي كما في الدعاية التي دأبت على استعمالها النظم الشمولية والاستبدادية أو حتى النزعات الفاشية، ولكن صار يتعلق ببساطة بتجاهلها تماماً، لأنها معقدة بشدة ومرهقة للغاية.

رصيف22

اترك رد