fbpx
الجمعة , 12 أغسطس 2022

عن الفنانين.. بمناسبة ظهور لطفي بوشناق في جبّته الخضراء

نور الدين الغيلوفي 

دعونا من مواقفهم، فأغلب الفنّانين، في تونس، لا مواقف لهم.. وأكثر المنتسبين إلى المجال الثقافي يدورون حول الحاكم يأكلون من رضاهُ عنهم يتنافسونه بينهم ولا يضيفون إلى الجمال جديدا.. كلّ ما في الأمر أنّهم يأكلون حياتهم ببيع ماء وجوههم إذا كان في وجوه هؤلاء ماء.. يبيعون أصواتهم فإذا هي من فرط البيع ثُغاء.

الفنّان، في فهمنا العام، يكون رقيقا رفيقا مرهفا يميل عن الباطل إلى الحقّ ويزورّ عن الظالم إلى المظلوم.. والحقّ، في الحياة، بيّنٌ والباطل بيّنٌ رغم متشابهات بينهما.
والذوق السليم مع الحقّ على الباطل ولو بالقلب.. ولا حقّ مع حاكم متى كان الحكم فرديا عضوضا.

أقول: الفنّانُ الفنّانُ يفرض نفسه عليك ويصيب في الناس مشتركا ذوقيّا قلّما يكون اختلاف بشأنه.. فهل يختلف اثنان في أمّ كلثوم مثلا؟ هل يختلفان في فيروز؟
قد لا تكون من عشّاق وردة ولكنّك لن تنفيَ نسبتها إلى الجمال.. قد لا تتحمّس لوديع الصافي ولكنّك لا تنكر عميق ما يغنّيه وجميل ما يشدو به..
قد لا يروق لك ولاء محمّد عبدو للديوان الملكي السعودي ولكن ذلك لا يغمز من اقتداره ولا يضع من شأنه العالي.. ولا ينفي كونه آيةَ جمال فريدةً.
في بداية التسعينات كنت أدرّس بمعهد المنارة في قابس.. وكنت، مرّةً، في قاعة الأساتذة أشيد بالكبير نجيب محفوظ حين أخرج لي زميلٌ صديقٌ من جيبه جذاذة جريدة فيها خبر يتعلّق بمعرض في الدولة العبرية عُرضت فيه بعض أعمال الروائي الكبير.. أجبت صديقي وقتها:
– يبقى رغم ذلك روائيا بلا نظير في الرواية العربية، بل إمام الروائيين العرب بلا منازع.. قد نختلف معه في مواقفه السياسية وآرائه في الحياة ولكن لا أحد يملك أن ينفيَ عظَمة نجيب محفوظ في الرواية.

 لطفي بوشناق
لطفي بوشناق

موقفي من لطفي بوشناق لا أزنه بالسياسة لأنّني لا أرى له في السياسة رأيا ولا موقفا، فهو دون ذلك.
ولكن السياق السياسي وتظاهره وأمثاله فيه مناسبة لنقول فيهم، نحن جمهور المتابعين للفنّ المفتونين بالجمال وأهله، رأينا.. ويبقى رأيا قابلا للدحض والنقض.
لطفي بوشناق خامة صوتيّة طبيعية رغم عمرها الطويل لم تفعل فيها الثقافة شيئا يجعلها مقبولة عندي.. لا أتحدّث عن سرقاته التي اطّلع عليها الناس.. أنا أتحدّث، فقط، عن صوته الذي لا يطربني.. أتحدّث عن تقاسيم وجهه التي تسير في خط مواز للكلمات التي يتغنّى بها.. أتحدّث عن حركاته السمجة أرى فيها خدشا لجمال الموسيقى وإزراءً بجلالها.
الموسيقى مجانبة لصوته الذي يبقى نابيا من أوّل الأغنية إلى آخرها.. كما لو أنّ بينهما خصومةً دائمة.
كونه معترفا به من الدوائر الفنية لا يرفع مقامه في نظري بل يدين تلك الدوائر التي لا تحرّكها معايير الجمال بل معايير أخرى لست أعلمها.
أنا أسمع للفنّانين وأملك ذائقة ربيتُها على عقلي طويلا.
يعجبني الجمال فإذا نبا الصوت وجانب الذوق السليم أدركت النشار بحدسي…
لطفي بوشناق لا يعجبني وصوته لا يطربني…
حين أصعد بذوقي مع الكبار أراه يتحطّم حين أسمع، صدفةً، صوت بوشناق النشاز.

شاهد أيضاً

سيبوا النهضة

نور الدين الغيلوفي  السياسي الذي يفشل في الانتخابات.. النهضة وراء فشله. الحزب الذي يعجز عن …

ليسوا ربع الشعب

نور الدين الغيلوفي  لا شعبيّة لديه ولا شعب معه إلّا ما سكن رأسه.. ولا يكون …

اترك رد