fbpx
الأربعاء , 19 يناير 2022

يوم اجتمع قيس سعيد بثلاثة قضاة في آن واحد.!

القاضي أحمد الرحموني

لا شك أن قيس سعيد هو الآن بصدد التمهيد لإجراءات قريبة ومربكة تخص الشأن القضائي وهو في نفس الوقت يدفع القضاء إلى إصدار أحكام يريدها ويرتب لها. وقد اختار (وليس صدفة) أن يجتمع إليه في يوم واحد وفي بداية هذا الشهر ثلاثة قضاة: منصف الكشو الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وعضو المجلس الأعلى للقضاء بصفته تلك ونجيب القطاري الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات ورئيس مجلس القضاء المالي وليلى جفال وزيرة العدل وقاضية.

وعلى نفس المنوال السابق، جلس هؤلاء كغيرهم لتلقي تصريحات رئيس الجمهورية وتوجيهاته دون رأي أو تعقيب أو نقاش.
وتحت نفس العنوان (وهو إصلاح القضاء) استمر رئيس الجمهورية في عرض نفس المعاني المكررة واستهداف المؤسسة القضائية في أشخاصها وأخلاقها (وسلوكها) وهياكلها بنفس الأساليب التي توخاها إزاء مجلس نواب الشعب وأعضائه سواء قبل اتخاذ التدابير الاستثنائية أو بعدها.

ولعل الكثير قد لاحظ من خلال مادة الحديث المعاد أن التركيز على القضاء (وكشف عوراته!) قد بدأ منذ مدة يتجه نحو “الهرسلة” وتأزيم وضعه وإشهاد العموم عليه مما أعطى غطاء لحملات التشويه والتشهير (حتى بالأسماء) تمهيدا لتدخلات أو قرارات أو تغييرات منتظرة بشأن القضاة والقضايا وهياكل القضاء!.

ويمكن من خلال تتبع الأحاديث الموزعة بين هؤلاء القضاة (على تفاوت بينهم) أن نكتشف منهج رئيس الجمهورية في التعاطي مع المسألة القضائية ودوافعه من وراء ذلك.

فمن جهة “مبدئية” نراه يؤكد على دعم استقلالية القضاء (فهو خير من ألف دستور) وعلى ضرورة أن يستعيد عافيته ويدفع بشدة كل اتهام بالتدخل فيه، فهو ينفي (لوزيرة العدل) كل شائبة بخصوص ذلك: “… حتى لا يعتقد البعض مرة أخرى أنني أتدخل أو أريد أن أتدخل في الشأن القضائي أو في استقلالية القضاء بل على العكس أسعى إلى أن يكون القضاء مستقلا وان يكون القاضي أيضا مستقلا” ويضيف كذلك لرئيس محكمة المحاسبات: “لم أتدخل أبدا في سير القضاء ولن أتدخل أبدا في الأحكام.!”.

أما من جهة ثانية فنراه يتجه إلى إبراز التجاوزات التي ينسبها إلى جزء من القضاة (لا إلى أغلبية من الشرفاء!): “أنت تعلمين جيدا لأنك من سلك القضاة -والخطاب لوزيرة العدل- التجاوزات التي وقعت في المحكمة التي كنت ترأسينها، تجاوزات من كل الأصناف، أخلاقية ومالية وغيرها، كأنهم فوق القانون!”.

وفي نفس هذا السياق يبرز ملفات خاصة لبعض القضاة وقوائم طويلة لأملاك عقارية يملكها أحد القضاة بل يتحدث عن “حقيبة كاملة من التجاوزات لشخص واحد!”. وفي نفس الوقت يؤكد: “لدي الكثير من الوثائق عن الذين أجرموا في حق المتقاضين وفي حق الشعب التونسي!”.

بل يرى من الملائم أن يتوجه للرئيس الأول لمحكمة التعقيب في يوم أدائه لليمين “أتمنى أن تصدر القرارات (!؟) عكس القرارات التي صدرت في بعض الأحيان نتيجة لتسلل السياسة إلى كافة المحاكم لا إلى محكمة التعقيب فقط.!”.

أما من جهة ثالثة فنراه يشكك في نزاهة المؤسسات القضائية ومصداقيتها ومهنيتها. من ذلك تشكيكه بوضوح في انتخابات المجلس الأعلى للقضاء وفي استقلاله ونزاهة عمله. فهو يعتقد أن القضاة يتم اختيارهم “بناء على تحالفات سياسية” ويتوجه لاحد أعضاء المجلس في شخص الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات: “تعلمون كما يعلم تقريبا كل الشعب التونسي ما يجري من مناورات وما يجري أيضا من حسابات في عملية اختيار أعضاء المجلس وفي توزيع القضاة في النقل!”.

وإضافة لذلك يشير قيس سعيد كعادته إلى الإخلالات المتعلقة بعمل المحاكم وتأخيرها في فصل القضايا، من ذلك ما علمه شخصيا عن إحدى القضايا التي لا زالت جارية منذ 17
عاما.!

أما من جهة رابعة، فيرى قيس سعيد طبق نظرته البعيدة انه من المنطقي في ضوء فساد القضاة والتباس القضاء بالسياسة وعدم مصداقية هياكله أن يعرض البدائل الملائمة لإصلاح المنظومة القضائية لا بدافع التدخل في الشأن القضائي بل من منطلق غيرته على القضاء واستقلاله.!

ولذلك لم ير حرجا في أن يتجاوز اختصاصه كرئيس للجمهورية وان ينتصب للتشريع بمقتضى مراسيم فوضها لنفسه وأسبغ عليها نفوذ القوانين العادية والأساسية الراجعة لمجلس نواب الشعب.

وهو مع ذلك ينبه (في حضور وزيرة العدل): “ليعلم الجميع اني حين طلبت من السيدة وزيرة العدل أن تقوم بإعداد مرسوم يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء ليس تدخلا في الشأن القضائي على الإطلاق بل يتم ذلك بمشاركة القضاة ولكن دون تدخل السياسة ودون أن يتدخل رجال السياسة الذين يلبسون رداء القضاة ويجلسون على أرائك القضاة…!”.

وهو لا يقتصر فقط على تأكيد مفهومه الخاص للتدخل بل يذكر باقتراحه القديم (في سنة 2015) يوم قال لهم (؟) حين كان يتم إعداد مشروع المجلس الأعلى للقضاء: “لماذا لا يتم انتخاب الثلثين من قبل القضاة من كافة الرتب، أما الثلث المتبقي فيتم انتخابه من قبل القضاة المنتخبين ويكونون من القضاة المتقاعدين الذين لا يمارسون مهنة أخرى..”.

وهو ما يدعو للتساؤل، هل أن مشاركة القضاة في إعداد ذلك المشروع ستمنحه المشروعية ؟ وهل يجوز للقضاة أن يطالبوا بذلك وان يختاروا مجلسا قضائيا لا يتركب إلا من قضاة (مباشرين أو متقاعدين)؟!

كما لم ير قيس سعيد إضافة لذلك حرجا في اقتراح الحلول على المحاكم وهو ما يمثل ضغطا على القضاء إن لم يكن تدخلا مباشرا في أعماله. فهو يتساءل مستنكرا “ماذا ينتظر القضاء الجزائي لترتيب الآثار القانونية التي يجب أن ترتب عن هذه الجرائم الانتخابية؟!” والمقصود ما ثبت لديه سواء من تقرير محكمة المحاسبات أو من تقارير خارجية من وجود تمويلات أجنبية لبعض الأحزاب أو القائمات الانتخابية.

فهو يرى انه من “المفترض أن يتولى القضاء الجزائي إسقاط هذه القائمات الانتخابية”. ويضيف في تصريح مثير: “هناك أحكام جزائية.. لو طبقت بسرعة ما كان المجلس موجودا أصلا ودون اللجوء إلى التدابير الاستثنائية.!”.

لكن هل كان الرئيس يقصد ما وصل إلى مسامعنا من دعوة القضاة إلى إسقاط القائمات الانتخابية أم كنا نتوهم بأنه يتدخل في الشأن القضائي؟!

شاهد أيضاً

وفاة محمد علي عقيد: ماذا بعد ثبوت مقتله!؟

القاضي أحمد الرحموني وقائع مثيرة حول وفاة أو مقتل محمد علي عقيد رحمه الله يتناولها من …

تونس حية! (اذا الشعب يوما أراد الحياة…!)

القاضي أحمد الرحموني الجموع التي خرجت اليوم إلى شارع الثورة في يوم عيدها، مهما كان عددها …

اترك رد