fbpx
الأربعاء , 20 أكتوبر 2021

الثورة ليست ورقة

محمد سيف الدولة

بصرف النظر عن الموقف من القرارات الاستثنائية للرئيس التونسي وهل هي بمثابة تصحيح للثورة التونسية أم أنها بدايات انقضاض عليها من قبل قوى الثورة المضادة لإجهاض آخر ثورة عربية لا تزال على قيد الحياة…
نقول بصرف النظر عن ذلك إلا أن السؤال الأهم الذى آن الأوان أن نواجه به أنفسنا، هو كيف استطاع قيس سعيد أن يفعلها؟
وبمعنى أدق كيف يمكن لشخص واحد ولو كان رئيسا للجمهورية، أن يتمكن بجرة قلم من الهيمنة على كل هذه السلطات في يده وحده، بعد ثورة تفجرت ضد الاستبداد بالأساس، ورغما عن كل هذا الزخم الثوري وكل هذه الأحزاب والقوى الثورية أو العريقة، وكل هذه المؤسسات البرلمانية والإعلامية وكل هذه الجماهير التي شاركت في الثورة وكل هذا الوعى الوطني والثوري، وكل هذه الأعداد من المفكرين والمثقفين والقيادات الذين تتميز بهم تونس عن عديد من الأقطار العربية؟

•••

إن نجاحه في ذلك حتى لو لم يستمر طويلا، يعكس هشاشة النظام الذى تم تأسيسه على امتداد العشر سنوات التي تلت الثورة.
يتحدث سعيد ومؤيدوه عن فساد وفشل النظام السياسي الذي تم تأسيسه بعد الثورة، ولكني اطرح هنا المسألة من منظور آخر وزاوية مختلفة وهي هشاشة النظام الجديد وعجزه عن الدفاع عن نفسه وتثبيت الركائز التي قام عليها، فلقد ظهر انه نظام من ورق، يستطيع أي حاكم أو رئيس أن يقضى عليه ويفككه ببضعة قرارات رئاسية.
ويتمسك المعارضون للقرارات الاستثنائية بدستور الثورة، ويتهمون قيس سعيد بانه اصبح رئيسا غير شرعي لأنه خرج عن الدستور وعصف به.
حسنا ولكن ماذا يمكن لهم أن يفعلوا في مواجهة رئيس معه كل السلطات ومعه كل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمالية والإعلامية، بينما لا يملكون هم سوى (ورقة) هي الدستور التونسي الجديد.
أظن أن هنا بالتحديد تكمن الإجابة على السؤال المطروح؟
فبشكل من الأشكال استطاعت مؤسسات الدولة العميقة وحراس النظام القديم في الثورة التونسية وكل الثورات العربية أن تمتص كل هذا الزخم الشعبي الثوري وتقزمه وتقيده بخريطة طريق مرسومة ومكررة في كل الثورات: لا تتضمن سوى إعداد الدساتير والاستفتاء عليها وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.
وكان بالطبع يلزم لتمريرها وتجميلها في أعين الشعب وثواره وإقناعهم بالاكتفاء بها، إضافة بعض المُقبلات والمغريات الأخرى، مثل اطلاق عدد من الحقوق والحريات التي كانت محظورة، والتي أثبتت الأحداث في اكثر من قطر عربي، مدى سهولة القضاء عليها والعصف بها من قبل السلطات الحاكمة.
أما مؤسسات الدولة وثرواتها وميزانياتها والطبقات الحاكمة فيها وعلاقاتها الخارجية..الخ، فبقيت في حوزة وتحت سيطرة النظام القديم والدولة العميقة.
وكل أشكال الفشل التي منيت بها القوى التي حاولت إدارة البلاد بعد الثورة سببها انهم لم يسمح لهم أبدا بوضع أياديهم على المفاتيح والمفاصل الرئيسة للدولة التي تمكنهم من القيام بهذا الدور.

•••

في مصر على سبيل المثال وفى الشهور القليلة التي تلت قيام ثورة يناير، كنت كثيرا ما احذر في عديد من الكتابات والندوات والبرامج الفضائية أن اي رئيس منتخب جديد سيصطدم حين يبدأ في ممارسة مهام منصبه بان الملفات الرئيسة خارج نطاق صلاحياته:
• فالاقتصاد يدار من قبل نادى باريس وتعليمات مؤسسات الإقراض الدولي.
• وملف العلاقات المصرية الأمريكية مع القوات المسلحة المصرية.
• وملف كامب ديفيد والعلاقات مع (إسرائيل) ومع فلسطين تديره المخابرات العامة.
• أما ملف الثروات المصرية فتحت سيطرة طبقة الرأسماليين ورجال الأعمال من وكلاء كبرى الشركات الأمريكية والأوروبية.
• وكل ذلك في حماية حاضنة مليونية من كبار وصغار رجال الدولة وموظفيها في كل المؤسسات السيادية وكل الوزارات والمصالح والدهاليز الحكومية.
• وهم الذين ينتمون ويخدمون في النظام القديم/الجديد، ويضعون أيديهم على ميزانية الدولة السنوية بكاملها، ويتحكمون في كل صغيرة وكبيرة من شؤون البلاد وفي مصالح الناس واحتياجاتهم الجارية وبيدهم إيقاف المراكب السائرة وحجب وإخفاء السلع والخدمات الأساسية وبيدهم العكس.
• تحيطهم أيضا شبكات مليونية عنكبوتية أخرى من جماعات مصالح من الشركات والأفراد الذين ارتبطت مصالحهم وأعمالهم ونفوذهم بمؤسسات الدولة ووزارتها وهيئاتها المختلفة.
• وهكذا
إذن فنحن في مصر أيضا قد أعطونا مجرد (ورقة) تسمى بخريطة الطريق، #حشرتنا جميعا في مسار ضيق ومحدود وهامشي لنلهو به ونتصارع ونتزاحم عليه لتعطينا شعورا زائفا بأننا بصدد تحقيق مكاسب ومنجزات ثورية عظيمة وهمية.
وبجرة قلم تم انتزاع كل هذا في أسابيع معدودات.

•••

وقس على ذلك، في السودان أيضا، فبعد أن ثار السودانيون وسقط الشهداء، لم تسفر الثورة إلا عن استبدال البشير (1) بالبشير (2)، في ظل ذات النظام القديم ولكن بوجوه جديدة.
أما باقي الشعب وقواه الثورية فتم إعطائهم ورقة، مجرد ورقة، اسمها هذه المرة الوثيقة الدستورية.
أما كل السياسات والقرارات الكبرى مثل الخضوع التام للولايات المتحدة لرفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب ومثل التطبيع مع (إسرائيل) ومثل تطبيق تعليمات وروشتات صندوق النقد الدولي المشهورة والمطبقة في كل بلادنا.. الخ فهو قرار رئيس المجلس السيادي ونائبه.

•••

إن تاريخنا العربي عامر بالخدع الكبرى المماثلة منذ عقود طويلة، حين تنتزع منا أوطاننا وحقوقنا، مقابل أوراق لا تساوى قيمة الحبر الذى كتبت به:
• ففي 1948 أعطى ما يسمى بالمجتمع الدولي ممثلا في الأمم المتحدة (ورقة) للفلسطينيين تعطيهم الحق فيما يوازى نصف مساحة فلسطين رغم حقهم في كل الأرض، ولكنهم دعموا (إسرائيل) لتحتل وتستولي على 78 % من الأرض.
• وفى 1949 أعطوهم (ورقة) أخرى تنص على حق عودة، لم تسعفهم خلال اكثر من سبعين عاما في إعادة لاجئ واحد من الخمسة ملايين ونصف من اللاجئين الحاليين في بلاد الله الواسعة.
• وفى 1967 أعطوا مصر وباقي الدول العربية التي تعرضت للعدوان، (ورقة) تتضمن قرارا مراوغا يحمل رقم 242 يعلق انسحاب قوات الاحتلال من بعض الأراضي التي احتلتها، على الاعتراف بشرعية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
• وفى 1993 قدم قادة منظمة التحرير الفلسطينية تنازلا لإسرائيل عن ارض 1948 وتنازلا أخر عن حقهم في المقاومة والكفاح المسلح مقابل (ورقة) أطلقوا عليها اتفاقيات أوسلو، تتضمن اعترافا إسرائيليا بالمنظمة ووعدا بالتفاوض ووعدا بانسحاب لم يتم.
• وفى غزة وبعد كل حرب وعدوان جديد تشنه (إسرائيل) وبعد كل صمود وردع متبادل، يتدخل المجتمع الدولي والأمريكان ويوسطون الدولة المصرية لإقناع المقاومة بقبول وقف إطلاق النار مقابل (ورقة) تتضمن وعودا براقة بفك الحصار عن غزة بعد الحرب.
• أما في الشئون والأحوال الداخلية التي تمس حياة الشعوب ومعايش الناس في الصميم، فحدث عنها ولا حرج؛ فلدينا بفضل الله تلال من الأوراق والوثائق والمواثيق الرسمية من دساتير وقوانين تنص على كل أنواع الحقوق والحريات التي تضاهى اكثر بلدان العالم ديمقراطية، قوانين لحماية حقوق إبداء الراي والمعارضة وتأسيس الأحزاب والمنافسة الحرة النزيهة في الانتخابات والتظاهر وضمانات للمحاكمات السياسية العادلة…الخ.
• ولكن الأحوال في ارض الواقع كما تعلمون.

•••

لقد علمتنا تجاربنا وتجارب الشعوب على امتداد التاريخ أن حروب الاستقلال والتغييرات الكبرى والثورات الحقيقية ليست مجرد أوراق ووثائق ونصوص، بل هي النجاح على الأرض في تحقيق تغيرات جذرية ونقلات نوعية في قضايا الاستقلال والتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية، وفى عدالة توزيع الثروات وفى الإنحيازات والسياسات الاجتماعية والاقتصادية وفى الحقوق والحريات بكافة أشكالها وفى المشاركة الشعبية والفصل بين السلطات وتداول السلطة ومناهضة الاستبداد وكل أشكال الاستئثار بالحكم. وفى إعادة فرز القوى والجبهات على أساس هذه المبادئ والأهداف، مع وهو الأهم على الإطلاق امتلاك المقدرة على حماية كل هذه الإنجازات ببناء وتأسيس نظاما جديدا، وهو الأمر الذى غاب تماما عن الثورات العربية التي اكتفت بتبني مشروع إصلاح سياسي ودستوري حاولت أن تحققه من داخل مؤسسات النظام القديم، فابتلعهم النظام واجهض مساعيهم.

شاهد أيضاً

دستور الثورة أم دستور قيس سعيد؟!

القاضي أحمد الرحموني ربما كان خطاب قيس سعيد بمقر ولاية سيدي بوزيد مساء 20 سبتمبر الجاري …

إلى سكّان الضفّة الأخرى المنقادين بالانقلاب…

نور الدين الغيلوفي  ستقولون إنّها ثورة في الثورة أو تصحيح مسار، وسنقول إنّها من بنات …

اترك رد