fbpx
الثلاثاء , 19 أكتوبر 2021

جمهورية الرعب : استحالة تونسية

نور الدين الختروشي 

لا احد من المتابعين الجديين لعالم السياسة، صدّق أو وقف عند وعود 25 جويلية بالالتزام بأرضية مكاسب الثورة وفي مقدمتها الحريات الفردية والعامة.

السيسي في مصر في أمس قريب، وكل الانقلابات قبله في الأمس البعيد تستغل حدة الأزمات العامة وتنفذ من بين شروخها، لتتقدم بمشروع إنقاذ مقدمته الاستجابة للإرادة الشعبية والحفاظ على المكاسب التاريخية والسياسية.
وكل الإنقلابيين في العالم العربي باستثناء السوداني سوار الذهب، خانوا عهودهم ومواثيقهم وأقاموا أنظمة دموية متوحشة ولم يسلموا السلطة إلا بانقلابات مضادة أو ثورات شعبية.

25 جويلية لم يشذ عن القاعدة في تسويق خديعة “تصحيح المسار” والاستجابة للإرادة الشعبية. وقلة من النخب المعارضة لـ 25 جويلية، انتبهت بوضوح وحسم الطبيعة الانقلابية لمبادرة الرئيس، فركزت في سجالها السياسي على عنوان الالتزام بالدستور، وساهمت بدون وعي في التشويش على وضوح الرؤية وبلورة موقف حاسم وحدي من الانقلاب.

مقاربة وتقييم 25 جويلية، من زاوية قانونية او دستورية، مقاربة شكلانية تفيد في دعم المقاربة الأصلية والموقف الصميمي، ولكنها بالنهاية والنتيجة تندرج ضمن حيلة الانقلاب، وتسقط في فخ مقدمته المتمسكة بالتزامه الدستور وحقه في التأويل المختلف لمواده ونصوصه. هذا في حين ان فعل تجيير واستخدام أدوات الإكراه الشرعي للدولة لفرض اختيار او نظام سياسي هو بالجوهر والملموس تمزيق للوثيقة التعاقدية للدولة. هذا من حيث الأصل، ولا معنى ولا فائدة ولا مصلحة من هذه الزاوية في السجال حول دستورية او عدم دستورية قرارات سعيد ليلة 25 جويلية.

على ما تقدم نميل للقول ان السجال الدستوري بعيد مبادرة قرطاج الانقلابية، اندرج بالنهاية ضمن خطة قرطاج في تشويش الرؤية وتعويم صلابة وحدية الموقف السياسي من 25 جويلية.
نتابع سياق الفكرة لننفذ إلى طبيعة المسار التصحيحي الذي تروج له بروباغندا قرطاج.

بدأ مؤشر تمرير مشروع الانقلاب الناعم بالمداهمات الليلية لمنازل ثلة من نواب البرلمان، التي نشرت الرعب في أوساط النخب الإعلامية والسياسية، وتوزعت على وقع الصدمة بين الهرولة لخدمة “السيد الجديد” والصمت الجبان، والحيرة التائهة بين الانحناء للعاصفة أو المقاومة.
شعبوية شعار مقاومة الفساد والحفاظ على الدولة، رفده الرئيس عند اشتداد الضغوط الخارجية بتعهده بعدم المساس بالدستور.
مقاومة الفساد حقنة التنويم الداخلي والشعبي تحديدا، والالتزام بالدستور حبة التخدير في كأس الموقف الدولي والإقليمي.
أما على ارض الواقع وبعد شهرين ونصف، فإن الحاصل والملموس هو تركيز دعائم دولة الرقابة والقمع العاري، فحملة التطهير الناعم للجهاز الأمني بتغيير المواقع في اعلى هرم وزارة الداخلية، وحملة ترذيل القضاء المدني واستبداله بالقضاء العسكري، كانت اهم الحقائق -وليست المؤشرات- التي أفصحت عن طبيعة المسار التصحيحي للرئيس.
لم يصمد المنزع الديكتاتوري في التعبير عن نفسه واقعا عينيا فداهم البيوت في هزيع الليل، واعتقل المعارضين بعد أن نصب القضاء العسكري لمحاكتهم والزج بهم في السجون، كما منع السفر عن ألاف التونسيين، ومنع الاجتماعات، وحاصر التظاهر في الشارع، وأغلق مكتب الجزيرة ساعات بعد الانقلاب، واليوم يقتحم مقر قناة الزيتونة ويتلف معداتها ويغلقه.
هذا جرد الحساب الأولي لسياسة الاستبداد قطرة قطرة، وهو نفس تمشي الانقلاب النوفمبري في أخر الثمانينات من القرن الماضي، والذي بدأ بوعود تصحيح الانتقال الديمقراطي وانتهى إلى شعار ديمقراطية بدون أصولية لينتهي إلى دولة بوليسية متوحشة، ونظام قمعي قبيح لم يتخلص منه التونسيون إلا بثورة بعد أكثر من عقدين من “المتعة العامة” في جمهورية الرعب.
حقائق الواقع تفصح أننا لسنا أمام منزع استبدادي للرئيس بل أننا في مسار تركيز جمهورية رعب جديدة في تونس ما بعد الثورة.

ويقفز السؤال /الصداع هنا: هل ينجح؟
السؤال مركب بين ضلعي الإرادة والقدرة
فهل يريد ؟
نعم يريد ويصر على تحقيق إرادته مهما كانت الكلفة عليه أولا، وعلى البلاد ثانيا.
فالمتابع فضلا عن الراصد المختص لخطاب وأداء الرئيس منذ بداية عهدته، يستنتج بسهولة انه لم يأت لقرطاج ليحكم كرئيس، بل لينسف القائم الدستوري والموجود السياسي كزعيم همه وهاجسه موعدا متخيلا مع التاريخ.
تتالي تدخلاته في ثكنات الجيش، وافتكاكه لصفة القائد الأعلى للقوات المسلحة والمدنية، كانت كافية للاستخلاص انه يعمل يومها ضمن استراتيجية تجيبر أدوات القمع الشرعي للدولة، لفرض إرادته وتنزيل مشروعه الرسالي المجالسي كمشروع إنقاذ أممي ووطني بديلا عن الديمقراطية التمثيلية.

25 جويلية بدأ يوم اعلن إفتكاك الإشراف على وزارة الداخلية من القصبة.، لأنه يعلم أنها النواة الصلبة لدولة الاستقلال في تونس.
المهم في هذا السياق هو التأكيد على أن قيس سعيد كان واضحا ومنسجما مع نفسه في التعبير المباشر عن إرادته، بل عن إصراره الانقلاب على المنظومة السائدة، كشرط لإنجاز رسالته المقدسة التي اختار لتسويقها عنوان محاربة فساد المنظومة وتصحيح مسار الثورة.
المشكل هنا ليس في وضوح إرادة الرئيس، بل في سلبية بقية مركبات الحكم يومها وفي مقدمتها القصبة وباردو، وصمت بقية مكونات المنظومة من مجتمع مدني ونخب التي تغافلت على عنف خطابه الحربي وتقسيمه للتونسيين لخونة ووطنيين، وعلى تعطيله لمؤسسات الدولة وشلها، وتفجير لغم تنازع الشرعيات بين مؤسساتها السيادية.. الرجل كان واضحا وصادقا ومنسجما مع نفسه، كان يريد الانقلاب على المنظومة والنظام.

هل يقدر؟

ليس من المبكر الإجابة على السؤال /الصداع، بل تقديري يمكن الجزم بالنفي وبالصوت العالي ودون مجازفة بموضوعية الفرضية السياسية المفتوحة دائما على التأويل وتعدد آفاق الممكنات والفرضيات.
مبررات جزمنا المجازف بعدم قدرة الرئيس على إعادة إنتاج “جمهورية الرعب” عديدة ومتعددة نحصرها باختصار وتكثيف شديد في أربعة عوامل :

1. اللحظة الكونية: ونقصد بها مجتمع التواصل وتدفق المعلومة وسرعة تداولها، تعني أن الجريمة الخاصة والعامة اليوم لا يمكن أن تمر في صمت ودون إدانة أو محاسبة، وأمام الجرائم العامة التي لا يمكن أن تنفذ إلا في الظلام ولا يمكن أن تستقر دون لعبة احتكار المعلومة وتزييف الحقيقة هي الدكتاتورية. فالدكتاتورية بدالة اللحظة الكونية استحالة تونسية ماثلة ومستعصية على الاستقرار والاستمرار بانتفاء شرط احتكار المعلومة.

2. شخصية الرئيس: ضعف الخبرة السياسية والنضالية لقيس سعيد، تثبتها يوميات إدارته لانقلابه، فالحيرة والتخبط والتردد مقتل الإنقلابيين، وعنوان فشلهم وهو ما جعل سالم الأبيض القيادي في الحزب الوحيد الداعم لسعيد اليوم وسليل خبرة عربية طويلة في إدارة الانقلابات يقول ما معناه في تصريح يائس ما هكذا تدار الانقلابات يا سيادة الرئيس. فالرئيس الذي لا يتقن القاموس السياسي خطابا، افصح أداءه قبل 25 جويلية وبعدها عن بساطة مؤهلاته السياسية لإدارة معركة علي رأس دولة يتداخل فيها الدولي بالإقليمي بالوطني، وجوهرها اللعب على التناقضات والتوازنات وهو تمرين لا بتقنه الرئيس وربما لم يسمع به أصلا.. أو هكذا يبدو.

3. المعطى الدولي والإقليمي: رسالة الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالمنطقة والحالة التونسية، كانت واضحة وأحيانا حادة في معارضتها لخطوة الرئيس، وقد كان لموقف مصر الذي من المفترض أنها استثمرت في قرطاج، ودفعت سعيد للإسراع بتنفيذ إرادته الانقلابية، صادما لمعارضي سعيد قبل مؤيديه يوم دعوته للرئيس بالعودة للدستور والالتزام بالديمقراطية، أما فرنسا التي كانت اكثر الأطراف حماسا لخطوة سعيد رغم ضغوط الأمريكان والأوروبيين فيبدو أنها رفعت مظلتها عن الرئيس، وغيرت بوصلة 25 من أفق الانقلاب في تونس إلى أفق تعديل أوتار الديمقراطية على معزوفة تقليص موقع ودور ما تسميه بالإسلام السياسي في التحكم في مسارها.

4. يقظة وحيوية المجتمع المدني والسياسي والنخب التونسية: فلم تتأخر النخب السياسية الوازنة في الإندراج في مسار معارضة جدية لخطوة الرئيس والتنبيه للمنزع الاستبدادي المتخفي وراء شعار تصحيح المسار، وكان للحراك الشعبي والميداني الذي توج بوقفة 26 سبتمبر الأثر الحاسم في تغيير موازين القوة الداخلية لصالح القوى الديمقراطية. مما دفع الرئيس للتسريع -سيظهر انه كان متسرعا- بتسمية رئيس وزرائه، وتحشيد الشارع للرد على الديمقراطيين فبرز حجم الدعم الشعبي له محدودا أمام الداخل والخارج، وسقطت بسرعه غير متوقعة ورقة المشروعية الشعبية مناط ومركز شرعيته كما سوقها للجارة خاصة.

سرعة فقدان الرئيس لمقومات قوته السياسية سيستبدلها في الأيام القادمة بتجيير أدوات القمع وستتعدد تجاوزاته الأمنية، وربما يدفع إلى حملة حل الأحزاب وإغلاق المنابر الإعلامية والتضييق على المدونين واعتقال الناشطين في آخر خطوة يائسة لتركيز كيان قمعي في الزمن الكوني الحرام، والوقت الوطني الخطأ، والتوقيت السياسي الغبي.

جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

قيس سعيد ينفذ أجندة أو مؤامرة خارجية…

نور الدين الختروشي  هذا القول الذي اصبح تقريبا من مسلمات فهم حالة سعيد لم يقنعني …

إني أراه يتآكل

نور الدين الختروشي  يتخبط. نعم 🙃… اداءه طفولي شعبوي مضحك…. نعم .😔.. سيذهب نحو الأقصى …

اترك رد