fbpx
الأربعاء , 20 أكتوبر 2021

الجائحة الكبرى فوضى شروط التعايش: معنيا الفساد

أبو يعرب المرزوقي 

لا شك أن تونس قد عمها الفساد من أخمص القدم إلى “شوشة” الراس. لكن ذلك ليس خاصا بها ولا هو خاص بالمسلمين. فالبشرية كلها صارت تعاني من ظاهرة الفساد دون أن يحصل التشخيص الذي يمكن من العلاج والوقاية.

فتحديد طبيعة الظاهرة ما يزال طي الكتمان: وهو ديني وفلسفي من حيث الدوافع والآليات. فليس الفساد مجرد سلوك فردي مقصور على البعد الخلقي.
ذلك أن هذا النوع من تجلي الفساد كما حدده ابن خلدون ينتج عن نظامين من التربية والفساد يفسدان معاني الإنسانية في الأفراد ليصبح الفساد جوهر كيان الأفراد العضوي والروحي كما وصفه في فصل التربية والحكم من باب المقدمة السادس.
فلا يكون الفساد المتجلي في سلوك الأفراد علة لأحوال الجماعة بل هو نتيجة لفساد بنيوي في نظام الجماعة السياسي ببعديه تربية وحكما.
فيجعل فساد الأفراد أشبه بالضرورة في ضرورات حياتهم وتعاملاتهم المتكيفة مع هذا الفساد البنيوي المحدد لنظام تعايشهم المبني على الغش الدائم والتخادع الذي لا يتوقف.

والمعلوم أن الفساد في الاصطلاح الفلسفي والعربية له مستويان:
الأول كياني أو وجودي ويقابل الكون ويعني العدم في مقابل الوجود بحيث إن ما يبقى من كيان الإنسان العضوي والروحي هو القشرة دون اللب أشبه عجز نخلة خاو وعلامته الانفصال التام بين الأقوال والأفعال وهو التكاذب الدائم بين الأفراد في الجماعة عامة وبين الحاكم والمحكوم خاصة.
الثاني انعدام الثقة المطلق بين الأفراد في تعاملاتهم وسلوكهم بعضهم إزاء البعض وهو الذي يعنيه العامة بالفساد عامة وقصدهم النتائج الخلقية في المعاملات بين الناس بحيث لم يعد أحد يثق في احد.
من ذلك خاصة الغش في كل المهن والتعيير والتقييم فتفسد كل الحرف ويتجلى ذلك في كل المنتجات التي تصبح من جنس المنتوجات الصينية في الأسواق الشعبية التي يعتمد عليها الاقتصاد الموازي.
وأهم أبعاد هذا الفساد الذي يطغى على الانتخاب في التربية وفي العمل والمتحكم في علاقة القيمين عليهما بمن هم تحت قوامتهم سواء كانوا متعلمين أو عاملين.

وعلامة هذا الفساد الأشهر في مستوى علاقة الرتب بعضها بالبعض والأفراد بينها مضاعفة وهي:
الرشوة عند مستعمله لقضاء حاجاته في جماعة فاسدة لم يبق فيها للنظام والقانون المعلن أدنى فاعلية.
واستثمار الجاه الذي لدى المرتشي الذي يلجأ إليه المحتاج لقضاء حاجة لا يمكن قضاؤها من دونه.
فيكون الداء ليس في الأفراد الراشي والمرتشي بل في النظام الذي يجعل هذا السلوك هو الطريقة الوحيدة لقضاء الحاجات.
ومن ثم فالداء ليس في الأفراد من حيث هم إلا عرضيا لأن تحول الجاه إلى وسيلة لقضاء الحاجات وتحول الرشوة إلى شرط قضائها هو الداء وهو الذي ينبغي البحث عن علله ومحاولة علاجه بإبداع نظام يمكن من التوقي منه.

السؤال الأول:
هل كان الجاه يصبح واسطة ضرورية لقضاء الحاجات لو كان قضاؤها لا يعوقه تعطيل القوانين الضابطة لقضائها إن كانت موجودة أو عدم وجود قوانين تحدد شروط قضائها العامة؟
إذن علتان:
الأولى عدم وجود قوانين تضبط شروط قضاء الحاجات بصورة تحررها من تحكم المكلفين بالخدمات الإدارية.
الثانية هي وجود القوانين مع بقاء التحكم الناتج عن فساد المكلفين ونشأة الرشوة التي تستعمل في قضاء الحاجات.
السؤال الثاني:
لكن هذين العلتين هل هما اصل الداء أم إن لهما أساس اعمق منهما وهو مضاعف كذلك؟
الأول يتعلق بالبنية العامة للخدمات في الجماعة وهو ناتج عن فساد في البنية المجردة للدولة أي منظومة المؤسسات التي تنظم تقاسم العمل في الجماعة وخاصة التراتب في المسؤوليات الإدارية الذي هو المستوى الأول من إفساد البنية المجردة لتعمل خارج القانون.
الثاني يتعلق بالقوامة التي تملأ خانات المنظومة بالمؤهلين للقيام بدور القيم على الخدمة وللأمر شرطان: الكفاءة التقنية والأهلية الخلقية.
وغالبا ما يكون غياب الشرطين هو الفساد الأساسي لأن التعيين في القوامة مبني على الوساطة والجاه.

فنعود بذلك إلى الدلالة الكيانية أو الوجودية للفساد:
ما يسميه ابن خلدون “فساد معاني الإنسانية” عند من ربي تربية عنيفة وحكم حكما عنيفا.
وقدم ابن خلدون التعريف القرآني الذي يحرر الإنسان من التحريف الذي عرفته الأديان والفلسفات التي تجاوزتها ثورة القرآن المحررة للإنسان بجعله “رئيسا بالطبع بمقتضى الإستخلاف الذي خلق له” تحريرا له من عقدتين هما عين التحرير الذي يتجاوزه الإسلام بمنهج التصديق والهيمنة:
عقدة شعب الله المختار التي تجعل البعض سادة يتصل بهم الرب دون سواهم والبقية عبيد أو جوهيم وهو تحريف ثورة موسى بعد حادثة عبادة العجل أي معدنه وخواره.
فكان التحرير بجعل كل أمة لها رسول بلسانها والرسالة الفاتحة والخاتمة موجهة للبشر كلهم بوصفهم إخوة (الآية الأولى من النساء) ومتساويين رغم اختلافهم العرقي والطبقي والجنسي والحضاري وتعددهم مقصود للتعارف معرفة ومعروفا ولا يتفاضلون إلا بالتقوى (الحجرات الآية الثالثة عشرة).

عقدة الخطيئة الموروثة التي تجعل الإنسان بحاجة إلى وسيط يكون شفيعا له هو ابن الله الذي ضحى به أبوه من أجل البشر واحدث بولص بدعة البابا الوصي الذي ينوب هذا الابن الشفيع بابتداع الكنسية وسيطا روحيا يحكم باسم الرب في الدنيا وينصب الحكام بالحق الإلهي أوصياء على أبناء آدم.
وقد حررهم بتلقي آدم كلمات فعفا عنه ربه الذي تعاقد مع كل البشر وهم في ظهور آبائهم على عبادة الله وحده دون مفاضلة إلا بالتقوى.

فصارت الإنسانية محكومة بنتيجة التحريف الأول أي بدين العجل أي نظام الابيسيوقراطيا (المعدن والخوار أي المال والإيديولوجيا) وهو التحريف الأول الذي انتج التربية والحكم العنيفين الهادفين لاستعباد الإنسانية من:
قبل أصحاب المال.
ومن قبل أصحاب الإيديولوجيا.
والحلف بينهما بإفساد معاني الإنسانية كما وصفها ابن خلدون إفساد يرد الإنسان أسفل سافلين: أي يخرجه من احسن التقويم.

ثم انضم إليه التحريف الثاني فصار محكوما بتنكر هذا الدين في نظام الثيوقراطيا التي هي حلف بين الوسيط الكنسي صاحب السلطان الروحي والوصي السياسي بالحق الإلهي صاحب السلطان الزماني كما هو بين من مضمون سورة آل عمران والحلف بين الفاسدين من السلطة الدينية والفاسدين من السلطة السياسية.

حال المحميات العربية كل المحميات العربية الحالية تجمع بين النظامين بصورة مضاعفة:
فهي في الداخل تتبعهما.
وهي في الخارج تتبع من يتبعهما.
ومع ذلك فيمكن أن نصنف هذه التبعية التي تتصف بها المحميات العربية إقليميا بين:
توابع رمز التحريف الأول أي أصل الاببيسيوقراطيا بمعدنها وخوارها وهم توابع الصهيونية.
وتوابع التحريف الثاني أي أصل الثيوقراطيا بوساطتها ووصايتها وهم توابع الصفوية.
ونفس الاتصاف دوليا هم توابع من يتبعهم الصهيوني والصفوي في القوى العالمية التي تحمي سيطرة شرطيي الإقليم أعني إسرائيل وإيران.

وثورة شعوب الإقليم الحالية التي هي فجر الاستئناف الإسلامي هي التي يتصدى لها هؤلاء وأولئك.
لكنهم لن يستطيعوا أيقاف الاستئناف لذلك فالثورة الآن تمر إلى الموجة الثانية ليس في الإقليم فحسب بل في العالم كله.
ذلك أن الصراع بين الشرق الأقصى والغرب الأقصى وتبعية الشرق الأدنى والغرب الأدنى يمثلان فرصة تمكن وسط العالم الذي يمثله الإسلام من العودة إلى دوره التاريخي:
فلا يمكن للصين وما يليها ويحالفها في الشرق ولا لأمريكا وما يليها ويحالفها في الغرب أن يقفز على الوسط الذي تمثله دار الإسلام ويلغي دورها في العالم كما حصل في لحظة شروع الأمة في الانحطاط وصعود الغرب.
فكل الصراع العالمي مرتهن ليس بموقف الأمة فحسب بل وكذلك بما لديها من شروط الحضارة الحديثة ماديا وروحيا.
فجيواستراتيجيا واقتصاديا وثقافيا تجعل الأمة الوسط ممثلة لما من دونه يمتنع على الإنسانية أن تتحرر من التلويثين المادي والروحي للعالم وللإنسان لتحريره من الأبيسيوقراطيا والثيوقراطيا.
وجعل الأمر أمر الجماعة البشرية كلها تديره بشوراها عملا بمبدأي الأخوة البشرية والمساواة بين البشر وبركنيها أي الاستجابة للرب الذي لا معبود سواه ومنع الرزق من أن يكون سببا للصراع ليكون علة للتعاون والتعاضد.

شاهد أيضاً

الإنقلاب يسقطه المنقلب

أبو يعرب المرزوقي  ما ابشر به الشعب متأكدا منه هو أن من سيسقط الانقلاب هو …

تونس عصية على فرنسا وأذيالها

أبو يعرب المرزوقي  تتوهم فرنسا أنها حققت أهدافها التي لم تخفها: لما سجنت رموز المطالبين …

اترك رد