fbpx
الأربعاء , 20 أكتوبر 2021

معركة المستقبل.. ما طبيعتها؟ فالانقلاب ساقط حتما

أبو يعرب المرزوقي 

لا اعتقد أن المعركة مع الدمية وزمرته ستطول.
ولا اعتقد أنها هي المعركة التي علينا حصرها في الإجهاز على الانقلاب بالطريقة الوحيدة التي أبقاها حمق المعتوه: الشارع
بعد غلقه كل أبواب العلاج بمقتضى الإجراءات التي حددها الدستور.
فما هي المعركة التي من دونها ستعود حليمة لعادتها القديمة؟
إنها المعركة التي حال دون خوضها من رفضوا التدرج في الانتقال الديموقراطي مباشرة بعد الانتخابات الأولى لما طالبنا بتجنب التداول التنافسي بين الأحزاب الذي سيحول دون التدرج في الانتقال الديموقراطي السلس والسلمي لأنه سيتحول إلى زراعة نسقية لبذور الحرب الأهلية بين الأحزاب والمافيات التي تمولها في غياب ثقافة التداول وأخلاق الصالح العام.

ظن جل الذين قبلوا بمحاولة تصفية الخصم أن مشروع الدمية فرصة.
الدمية من حيث الدوافع الداخلية وحتى الخارجية هو حصان طروادة.
والدليل انهم في البداية كانوا معارضين له وصوتوا ضده لظنهم أنه إسلامي ولما تبين لهم أن إسلامه تقية شيعية وأنه عدو لدود للإسلاميين انضموا إليه لإعداد أرضية تحقيقه ما يريدون معتقدين أن التخلص منه بعد ذلك يسير.
لكني مع ذلك لا أبرئ من أيده في البداية ويعارضه حاليا لأن هؤلاء أيضا حسبوا حسبة مطلقة الخطأ لظنهم أنهم كإسلاميين ستكون لهم الأغلبية في البرلمان وبسعيد الذي ظنوه إسلاميا سيشغلون الرئاسة.

لذلك فيمكن القول إن الجميع في الداخل شارك في الجريمة التي تعاني منها تونس حاليا.
ومن ثم فيمكن أن آمل أن يتعظ الجميع ليعالجوا هذه الإشكالية:
عملية الانتقال الديمقراطية تعد إلى التداول لكنها تقتضي التدرج الموصل إليه. تلك هي معركة المستقبل.
ولا يعني ذلك نفي التعددية بل بالعكس هو يعني ما يسمى بالتحالف الكبير بين المتعددين كالحال في الأزمات الكبرى.
الانتقال الديموقراطي حرب سلمية على علل الحروب التي تنتج عن تحول التنافس السياسي إلى مشروعات فتنة دائمة بين المافيات التي تسير الأحزاب وتسهل التدخلات الأجنبية التي تحرض الأطراف بعضها ضد البعض.

الآن اعتقد أن الجميع فهم أن من سيعاني من الحرب الأهلية الممكنة ليس فرنسا ولا إيران ولا إسرائيل ولا الثورة العربية المضادة الممولة للحرب الأهلية التي لنا منها أمثلة في سوريا وفي ليبيا وفي اليمن وقبل ذلك في الجزائر وقبل ذلك في لبنان.
اليوم قبل الغد لا بد من لقاء بين قيادات الأسر السياسية الكبرى في البلاد وراء التفتيت الحزبي الناتج عن صراع المافيات لحسم شروط الحلف الكبير الضروري لتحقيق الانتقال الديموقراطي أي لاستراتيجية الانتقال إلى التداول على الحكم.
وهذه الأسر خمسة لا غير.
سواء اعتمدنا التصنيف السائد في نظرية اليمين واليسار الموروثة عن الثورة الفرنسية الذي عمم صدفة جلوس النواب في البرلمان دلالة على مواقفهم السياسية أو اعتمدنا التصنيف الأعمق منه والمعتمد على تكوينية الفعل السياسي العام من حيث هو كما عرفه ابن خلدون رعاية المصالح العامة باجتهاد الجماعة.
فاليمين ليبرالي واليسار اجتماعي.

  • والأول يقدم الاقتصادي على غيره من المطالب أي تركيم الثروة
  • والثاني يقدم الاجتماعي على غيره من المطالب أي توزيع الثورة العادل.

لكن التجربة التاريخية والتقدم نحو المشاركة الجماعية في الشأن السياسي وهو معنى الديموقراطية أحدث مفارقة مضاعفة في الحالتين فجعلت كلا الخيارين غير كاف.
فالليبرالي الذي يقدم الاقتصادي اكتشف أن الاقتصاد نفسه يوجب البعد الاجتماعي على الأقل بدافع توسيع سوق الاستهلاك فضلا عما يترتب على النجاح في الانتخابات من ضرورة توسيع القاعدة الحزبية.
والاجتماعي الذي يقدم العدل في قسمة الثروة على تركيم الثروة اكتشف أن القسمة تقتضي إيجاد المقسوم وتنميته على الأقل بدافع الرفع من مستوى الجماعة المادي وتوسيع القاعدة الانتخابية مثل الحالة الأولى.
فصار الأقرب إلى الحكم في المجتمعات الديموقراطية
إما يسار اليمين أي الليبرالي الذي يضفي صبغة اجتماعية على التوزيع
أو يمين اليسار أي الاجتماعي الذي يضفي صبغة ليبرالية على الإنتاج.
فتكون الأحزاب بهذه الصورة أربعة يمين ويسار اليمين ويسار ويمين اليسار
والحزب الخامس هو الوسط الانتهازي الذي ينضم للأقرب إلى الحكم بما يضيفه إليه حتى يصبح أغلبية.
ذلك هو القانون الذي يحدد الأسر السياسية حتى وإن لم تتعين في أحزاب لها هذه الخصائص بصورة صريحة.
وهي في الرؤية الخلدونية مقابلة بين:
مقدمي الاستعمار في الأرض دون الإستخلاف
ومقدمي الإستخلاف دون الاستعمار في الأرض
والجامعين بينهما من منطلق التقديم الأول
والجامعين بينهما من منطلق التقديم الثاني
والانتهازيين المنضمين لمن يقرب من سدة الحكم بمساعدته للحصول على الأغلبية.
وهذا التصنيف الثاني اكثر وجاهة من التصنيف الذي حصل بالصدفة في الثورة الفرنسية لكن المعنى واحد.
والأول تفسره الصدفة التاريخية
والثاني تفسره البنية العميقة لدوافع الفعل السياسي في الجماعات البشرية.

في تونس الآن يمكن القول إن ما يحصل الآن بين من أيدوا الجريمة في البداية ومن أيدوها في الغاية ما يحصل بينهم بعد اكتشاف للخطأ الذي وقعوا فيه فتساووا في تحقيق النكبة الحالية وشرعوا في الاتحاد للتغلب عليها.
ولما كنت واثقا من أن أيام الانقلاب معدودة لعدة علل أولها داخلي وهو أن الدمية لا يمكن أن ينجح إلا إذا ضمن توريط شروط الرعاية وشروط الحماية أي مكونات الدولة العشرة:
فمكونات الرعاية خمسة
وهي الرعاية التكوينية أي التربية
والرعاية الإنتاجية وهي عمل الخريجين من التكوين وثمرتهما التموينية هي الاقتصاد والثقافة
وأصلها جميعا البحث العلمي وتطبيقاته المحققة للرعاية ببعديها وللحماية ببعديها كما سنرى:
وهذا مستحيل لأن هذه مشروطة داخليا بأن يتحقق للجماعة شروط البقاء المادي والروحي المعتمد على الرعاية والحماية شرطي السيادة.

لكن تونس ستحاصر بسبب غباوات الأحمق وزبانيته:
تونس على باب الإفلاس.
ومكونات الحماية خمسة كذلك وهي الحماية الداخلية أي القضاء والأمن والحماية الخارجية وهي الدبلوماسية والدفاع وأصلها جميعا الاستعلام الذي يطلع أصحاب القرار والجماعة على حال الأمة وعلاقات أفرادها في الداخل وعلاقة دولتهم في الخارج.
وكل ذلك مستحيل أن يتبع الدمية وأزلامه.
وإذن فالرجل فارغ الوطاب ولن يستطيع النجاح في الانقلاب.
ولست معولا على الخارج فازعم أن الخارج سيساعد الشعب التونسي فيثور بدلا منه.
بل أزعم أن الخارج حاليا له مشاغله التي تحول دونه ومساعدة الدمية بالتمويل أو بفتح الأسواق التي سكرها بغبائه الدبلوماسي مع الأجوار.
لذلك فالخارج سيساعد دون قصد لأن الجائحة والأزمة التي تهيمن على العلاقات الدولية والتوجه الأمريكي الجديد ومحاولات فرنسا لاستغفال الأوروبيين لحماية مستعمراتها وإفلاس الثورة المضادة وخوف حكامها من هذه التحولات تحول دون المدد الذي توهم قيس أنه سيجده منهم.
ومن ثم فأيام الدمية معدودة.

ولعله هذا الشهر لن يستطيع دفع أجور الإداريين هذا إذا استطاع دفع أجور الأجهزة التي يريد توريطها في مشروعه فضلا عما سيؤدي إليه إفساد العلاقات مع الأجوار من إفلاس الكثير من المؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة وتوقف الزراعة بفقدان الأسواق والمستهلكين بعد تضاعف البطالة.
المعركة كيف نوحد هذه الأسر السياسية فنتخلص من الفتات الحزبي ونبني حياة سياسة سليمة تكون أساسا للحلف الكبير الذي يقود الانتقال الديموقراطي بتوفير الشروط العشرة التي ذكرتها. وهي التي باستقرارها ستجعل التداول ممكنا.

لكن ذلك لا يعني توقف العلاقة الضرورية بين بعدي أي حكم رشيد. فالحكم الرشيد هو دائما حكم الأغلبية ومعارضة الأقلية وهي أيضا ثمرة قانون عميق في علاقة القول بالفعل.
فالحاكم تحكمه ضرورات الفعل ويسمى عادة إكراهات الواقع والمعارض تحكمه حريات القول ويسمى عادة اللاواقعية ومن ثم فالحلف الكبير لا يلغي المعارضة بل هي ستبقى موجودة في الأسر الخمسة وسيبقى في الجماعة من يقول لا للحلف الكبير وهم يمثلون الأقلية المعارضة التي تزايد بالأقوال لأنها لا تحتكم إلى الأفعال.

وأخيرا فإن سني لا تسمح لي بالمشاركة في المظاهرات العامة بالحضور البدني لكنها لا تمنعني من تشجيع الشباب والكهول -لا الشيوخ مثلي- للنزول العارم والقوي مع المحافظة على السلمية واحترام القانون إذا التزم به الأمن لأنه هو حارسه بمقتضى واجبه وتعريفه.
لأن حضور الشيوخ قد يعطل المظاهرات ويصبح عائقا دون حمايتها من الانزلاق الذي قد ينتج عن دوسهم في التحركات الفجئية.
وهذه أمور أعلمها جيد العلم لأني شاركت في المظاهرات منذ كنت في الشبيبة المدرسية من أحداث ساقية سيدي يوسف إلى غاية حياتي الطالبية وبعض مشاركاتي السياسية بعدها.

شاهد أيضاً

الإنقلاب يسقطه المنقلب

أبو يعرب المرزوقي  ما ابشر به الشعب متأكدا منه هو أن من سيسقط الانقلاب هو …

الجائحة الكبرى فوضى شروط التعايش: معنيا الفساد

أبو يعرب المرزوقي  لا شك أن تونس قد عمها الفساد من أخمص القدم إلى “شوشة” …

اترك رد