fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

المطلوب دستور على مقاس “الزّعيم”

فتحي الشوك 

كلّما اشتدّ عليه الخناق إلّا وازداد هروبا إلى الأمام وتمادى في الإنكار، لم يخطئ ولم يخرق القانون الّذي خبره بل أكله أكلا جمّا وصار له منه فائض لا يعلمه سواه سوف يفاجأ مناوئيه ذات مرّة بما جهلوه.

بعد يأس من إقناع الخارج بسفسطته وتخريجاته المثيرة للضحك استدعى بعضا من الدّاخل ممّن لا تشوبهم شائبة والمستمعين الجيدين ولو أنّهم يفوقونه قيمة ورتبة،
عميدين سابقين أحدهما خبير في تفصيل الدساتير وخياطتها حسب المقاس وعميد سابق للمحامين صار عرّابا للانقلاب ومبيّضا للدكتاتوريات، طبعا بحضور سيّدة القصر صاحبة الأمر والنّهي والّتي لا تغيب عن أيّ طبخة كملح الطّعام.

لم تغب ثنائية الأنا المضخّمة المنتفخة كبالون هواء و”هم” المبنية للمجهول المختزلة للأعداء والأشرار، وتكرّر رفضه لأيّ التقاء، نقاش أو حوار وانغمس يتقمّص دور المحاضر في حضرة أساتذته الزوّار، وكعادته استدلّ هذه المرّة بالصفحة الأولى لجريدة العمل وضعت في إطار.
الصحيفة تتحدّث عن توقيع الزّعيم الحبيب بورقيبة على دستور سنة 1959 الّذي كتبه برلمانيون تونسيون بعد سنتين من المداولات، دستور الجمهورية الّذي وقّع عليه الرّئيس أمام نواب الشّعب، الرّئيس بورقيبة امتدح حينها هذا الدستور واعتبره الضّامن لحقوق الأفراد وعرّج في الأخير على أنًه قابل للتّطوّر بتطوّر الزّمان وهو على ما أظنّ السّبب الحقيقي لاستظهار قيس سعيد بهذه الصفحة من جريدة العمل، هو قابل للتطوّر وهو يعمل في هذا الاتّجاه بتوجيهات زعيم الأمّة وقد استغلّ رئيسنا المفدّى الفرصة ليذكّر بالمناسبة بأنّ بورقيبة كان يعمل مع كتّاب دولة وليس مع وزراء وهذا تدليس للتاريخ بما أنّ بعض من وزراء بورقيبة في الحكومات المتلاحقة ما يزالون أحياء!

اذا حسب المنطق القيسي فيجوز له تطوير الدستور وتفصيله كما يريد وهو من يمثّل إرادة الشعب ويعلم ما يريده، فإذا كان بورقيبة الزعيم النرجسي والدكتاتور النيّر وقّع على ما كتبه نوّاب الشّعب بعد مداولات ونقاش سنتين حينما كان تسعون في المائة أو أكثر من الشعب أمّيا، فماذا عن نرجسية هذا الرّئيس والدكتاتورية الّتي يسعى إليها برغبته في كتابة دستور كما يشاء وكما يريد دون حسيب أو رقيب ليسقطه على الرّعية كوحي منزّل من السّماء؟

هذا الاستهزاء بقيمة الأفراد والامتهان للمواطنة لم يسبقه إليه أحد، ثمّ ما فائدة هذه الرّغبة الجامحة لتغيير الدستور أمام المشاكل الحارقة الّتي تمرّ بها البلاد وتضعها في مربّع التهديد الوجودي؟

ليس مهمّا أن تبقى بعض الوزارات شاغرة دون وزراء وليس مهمّا تعيين رئيس حكومة أو حتّى وزيرا أوّل وليس مهمّا أن تبقى بعض الولايات دون ولّاة، وليس مهمّا توفير موارد ميزانية ما بقي من هذا العام والعام المقبل وليس مهمّا مواجهة الفقر المائي الّذي سنعيشه ولا القدرة الشرائية للمواطن الّتي تنهار ولا اشتعال الأسعار ولا البطالة الّتي تزداد ولا علاقاتنا مع الأجوار ولا حالة الإحتراب المجتمعي الّذي ساهم فيها فصرنا على حافة جرف هار، ليس مهمّا هذا الوطن الّذي ينهار!

المهمّ فقط إشباع رغبته في أن يحكم كما يريد بالقانون الّذي يريد ولو حوّلها إلى “خرابة وجلس على تلّها” ولو حرق روما كما فعل نيرون بمبدأ هو أو لا أحد ولا أريكم إلّا ما أرى.
لا يبدو أنّ هناك أملا في انفراجه على المدى القريب إذ تتّجه الأمور نحو مزيد من التّصعيد.

حفظ اللّه تونس من مكر الماكرين ومن شرّ هذا العابث العنيد.

د. محمد فتحي الشوك

Peut être une image de une personne ou plus, personnes assises et intérieur

شاهد أيضاً

كونوا في الموعد لأجل هذا الوطن

فتحي الشوك  بضع العشرات من الغوغاء والمغيّبين والمتوتّرين الموتورين حضروا في شارع الثورة أمام المسرح …

“پول دي شانيل” التّونسي

فتحي الشوك  لا تحتاج لأن تكون محلّلا نفسيا أو مختصّا في الأمراض العقليّة لتكتشف أنّ …

اترك رد