fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

رسالة إلى السيد الرئيس: لقد أخفتني في مهنتي مرتين

كمال الشارني 

أنا عندما انتخبتك، لم أكن أصدق ولا آخذ مأخذ الجد ما يقال عنك من أنك كنت تنوي تغيير نظام الحكم الذي اتفقنا عليه إلى “نظام حكم مجالسي” وتلغي مبادئ الفصل بين السلط ودور المؤسسات الدستورية وتغيّر دور الرئيس من محكّم بينها إلى السلطة الوحيدة التي تختزل كل السلط،

وعندما “جمدت” البرلمان بإجراءات لا توجد في صلاحياتك ورفعت عنهم الحصانة، تقبلنا ذلك، على أساس أن الوضع بلغ حدا من الفساد والفوضى غير قابل للتحمّل، وكنا نتوقع أنك لم تقدم على تلك الخطوة الخطيرة إلا وقد أعددت خطة انتقالية متكاملة جاهزة للتنفيذ لتفادي الفراغ والخوف والتوجس والترقب: فريق حكومي نزيه وجاد في إنقاذ البلاد والمؤسسات لكي تعود إلى العمل بعد تخليصها من الشوائب حين تجمع كل السلطات بين يديك، خطة لإحالة من حدثتنا عنهم من الغرف المظلمة والمؤامرات والوزراء الذين رفضت استقبالهم لفسادهم إلى القضاء العادل، لكن لا شيء من ذلك حدث، لم يصل إلينا أي شيء نتمسك به حول نواياك في الحكم، نحن صحفيون ولسنا مخابرات لكي نبحث عن معلومات سرية حول الحكومة التي تريد أو عصفورك النادر لإخراجنا من المأزق الذي نتردى فيه، في ظل الإغلاق الرصاصي المطبق على قصر الرئاسة الذي أصبح مصدر الحكم الوحيد، لا علم لنا ولا دليل على وجود تفاوض على رئيس حكومة وفريق حكم، فما بالك ببرنامج إنقاذ نحن في أمس الحاجة إليه ونحن نرى حافة الهاوية الأخيرة، لا شيء يدل على أننا سنعود يوما إلى النظام الديموقراطي والانتخابات والتداول السلمي على السلطة، بل بقي في الذهن أنك تلاحق الأشخاص الخطأ بالطريقة الخطأ، تسخر المحكمة العسكرية لملاحقة مدنيين بتهم ما تزال غامضة، لا تستحق الإيقاف أصلا، ويفترض أن المحاكم العادية تعهدت بها.

سيد الرئيس، لقد أخفتني في مهنتي مرتين: الأولى عندما انتقدت بصلاحياتك الرئاسية عدم إعطاء الأولوية لنشاطك الرئاسي في نشرة الأخبار العمومية، ولم يكن لدي شك في أن ذلك تدخل فاحش في خط التحرير الصناعي في الأخبار وكانت النتيجة تسيب الكثير من المحسوبين على مهنة الصحافة لشتم خصومك مجانا ومدحك في انتظار مقابل، والثانية عندما رأيت الإخراج التلفزي الفاحش باستعمال طائرات الدرون لزياراتك التي لا أحد يصدق أنها فجئية حيث يحشدون لك وجوها مساندة لا تبح حناجرها عن شعارات المديح، لا تحتاج القضايا العادلة كل ذلك الإخراج التلفزي المبهر، خاصة وأن المضمون لا يتطلب كل ذلك الجهد.

سيدي الرئيس، لقد مضت خمسة أسابيع على “حدث 25/7 happening*”، لكن كل ما حدث بعد ذلك، يدل على عدم الجاهزية لعودة النظام الديموقراطي والتداول السلمي على السلطة كما اتفقنا عليه، بل يتنامى لدى الناس شعور بأن Happening كان مجرد تعلة للذهاب إلى نظام حكم لا نعرفه ولم نتفق عليه، غير أن المشكل ليس هنا سيدي الرئيس بل في أننا نذهب بسرعة أكبر نحو الهاوية وإفلاس الدولة. لقد بدأ غضبك سيدي الرئيس، ليس بسبب تفشي الفساد والفشل الحكومي، بل لأن كلا من رئيسي الحكومتين الأخيرتين رفض التحول إلى رئيس وزراء لديك بما يتعارض مع روح دستور 2014 ومن هناك بدأت القطيعة مع الحكومة الفاشلة بسبب عدم الولاء ورفض تعيين بعض الوزراء، وأيّا كانت أحلامنا ليلة 25/7، فقد انكشف ذلك عن إنهاء النظام الديموقراطي باسم فساد من فيه، قد يكون أنك ترفضه وقد يكون أنه الأسوأ، لكن ثمة طرق نبيلة واضحة لقتال الفساد وكنت ستجدنا من جنودك لو حولت حديث الغرف المظلمة والمؤامرات على الدولة والوطن إلى ملفات قضائية، كنا سنتابعها ونرابط أمام المحاكم حتى تأخذ طريقها إلى المحاكمات العادلة ونجعل منك آخر القديسين باسم مكافحة الفساد، لكن ما حدث هو إطلاق كلاب الشعبوية على كل من يمارس حق النقد وحتى التساؤل وإحياء غريزة الولاء والدعوة إلى سحل المخالفين وتخوينهم والنيل من نزاهتهم.

سيدي الرئيس، لا أتوقع أن تقرأ هذا، فأنت تترك لي قناعة بأنك لا تسمع أحدا وتكتفي بإلقاء الخطب على ضيوفك، بشروط قاسية منها أن يضع كل منهم يديه على ركبتيه ويطأطأ رأسه وأن لا يضع ساقا على ساق أبدا وأن لا يغير جلسته، وأن يكون حذاؤه أسود لامعا ملتصقا بالأرض، أنا أيضا، وأنا أكتب إليك، من هذا المكان المجيد، سركونة النائية الحصينة، مطمئنا إلى نفسي، بصفتك شخصا غامضا أجهل ردود فعله باستثناء منصات الصواريخ، أتفقد نفسي وأتساءل عما إذا كان مثل هذا النص شيئا يمكن تفاديه طلبا للسلامة، إلا إذا كنت، بعد كل ما وقع، تعول على شعب يكتفي بطلب السلامة. أصلا: لا أستطيع أن أحلم بالجلوس إليك بصفتك رئيسي الذي انتخبته، لأني لا أستطيع أن أمنع نفسي من تغيير جلستي أو أن أعتذر لك بأدب لكي تسمح لي بمقاطعتك.

بقيت ملاحظة أخيرة، سيدي الرئيس: إنه لا يليق بنا أن نقول إن “الشعب” قد خرج يوم 25 جويلية ضد نظام الحكم، صحيح أننا أغلبية ضد نظام الحكم وضد الفساد الذي بلغ العظم وكنا نبحث عن صيغة مدنية للتظاهر، لكنهم كانوا بضعة آلاف مفرقين، بعنف ممنهج وتحريض ومساندة غير مسبوقة من جهات خارجية نعرف أهدافها جيدا، لا تعول على سبر الآراء لذلك الرجل الخبيث، فهو متعود على البحث عن القوة لخدمتها، ولا على موجات الشعبويين الذين يرفعون شعارا حقيرا لا يليق بكلاب السوق: “ارحي يا قيس والشعب معاك”، فهم مع من يقهرهم وليسوا مع من يريد حقوقهم، إنهم الوقود التاريخي لرحى الألم والأذى وللحروب الأهلية الدموية، أنت خير من يعرف من هو الشعب، سيدي الرئيس؟

•••

Happening :
حدث يكون فيه غير المتوقع والعفوية أساسيان،
The happening :
فيلم رائع عن ظاهرة غامضة تصيب الناس دون مقدمات ولا علامات فيموتون أو يقتلون أنفسهم (فيلم هندي أمريكي للمخرج الهندي نايت شاياملان، 2008)

Rent The Happening (2008)
The happening

شاهد أيضاً

رَجاء سيّد الرّئيس .. لا تذكُر بغلة عُمر بالعراق!!

سليم حكيمي  عندما تجمع في قصرك أربعة من الشّيوعيين الخُلّص الأقحاح، أساتذة القانون الدستوري، “أمين …

التسول العمومي لتدبير النفقات العامة

كمال الشارني  توه، كبار الكهنة في القانون الدستوري يقتلون أنفسهم حول وجاهة تنقيح الدستور وأحدهم …

اترك رد