fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

انتخابات المغرب هل هزم الإسلاميون حقا ؟

أبو يعرب المرزوقي 

زعيما الحزب الإسلامي الحاكم في المغرب صديقا لي.
محاولة المقابلة بينهما لتفسير “النكسة” الانتخابية من سطحية التحليل البدائي لما يجري في الإقليم.
لذلك فإنصافا للزعيم الحالي وتقديرا للزعيم السابق أرى من واجبي أن أشرح الظاهرة التي أرى فيها كل الخير لمستقبل الإسلاميين في الإقليم كله.

إذا اكتفينا بظاهر الأمور فيمكن أن نقول إن مباشرة أي حزب للحكم تؤدي عادة -وخاصة إذا طالت- إلى فقدان الأغلبية حتى في الديموقراطيات الحقيقية.
وكيف لا يكون الأمر كذلك وبصورة مماثلة لما حدث في المغرب أي الانتقال من الأغلبية شبه المطلقة إلى الأقلية شبه المطلقة والديموقراطية في بلاد المغرب الثلاثة المركزية مجرد خدعة؟
فهي أبعد ما يكون على الحكم الذي بقي بيد المخزن في المغرب كما بقي بيد العسكر في الجزائر وبيد المافية التي ورثت نظام ابن علي في تونس؟
وقوة الباجي قائد السبسي أنه سعى إلى نفس الخطة المغربية والجزائرية.

الخطة هي:
تذويب الإسلاميين بحكم صوري يحملهم مسؤولية فشله دون أن يستفيدوا شيئا من المشاركة فيه وذلك لتبين استحالة الانتصار عليهم شعبيا وبالعنف الذي فشل طيلة أكثر من قرن.
نحن إذن لسنا أمام تطور طبيعي في ديموقراطية حقيقية يكون فيها تراجع الحزب الحاكم بسبب الاهتراء الناتج عن ممارسة الحكم بل أمام استراتيجية بديلة عن الاستراتيجية العنيفة التي فشلت في ضرب الإسلاميين.
لذلك فإني -وهذه قد يعتبرها الكثير من قرائي من عاداتي التي تستفزهم- اعتبر أن ما فشل حقا في انتخابات الأمس هو المخزن وليس الإسلاميون.
فهو كان يحكم بأفضل ما لدى الشعب المغربي من أبنائه وسيحكم بعد الآن بمن لا يستطيع أن يغطي عنه فساده: الفساد سيصبح سافرا.

ولولا رأيي هذا لما نصحت الإسلاميين في تونس بعدم المشاركة في الحكم مع السبسي أو بوضع شروط تتعلق بالمشاركة الفعلية بحسب الأوزان.
ونصحتهم خاصة بعدم المشاركة في الحكم بعد الانتخابات الأخيرة مع من يختارهم الدمية إلا بشرط حكومة وحدة وطنية كنت اعلم استحالتها لكني اقترحتها للتغطية على الانسحاب من الحكم واختيار المعارضة.

من انهزم حقا ليس الإسلاميون بل المخزن في المغرب كما سبق أن انهزم الجيش في الجزائر في الانتخابات الأخيرة وكما انهزمت المافيات في تونس في الانتخابات الأخيرة:
بالتونسي نقول تعرات المذابح.
تصور الجيش في الجزائر والمافية في تونس والمخزن في المغرب -وهي المؤسسات الثلاث التي بيدها الحل والربط من حيث هي أدوات للنفوذ الأجنبي عامة والفرنسي خاصة- تصور أنهم صاروا في غنى عن غطاء شعبي نظيف فعوضوهم بغطاء الفتات المافياوي في الأقطار الثلاثة.
بعبارة أوضح لم يعد الفساد يحتاج للتخفي وراء الإسلاميين.
ولو كنت محل الإسلاميين في المغرب لاعتبرت ذلك انتصارا ليس مثله انتصار.
فقد تحرروا من دور التغطية على أدوات الاستعمار الذين بيدهم السلطة التي يسمونها وزارات السيادة والتي هي في الحقيقة وزارات التخلي عن السيادة ومنع ممثلي الشعب دونها.
ذلك أن فرض الفرنسية في المغرب مؤخرا مثلا كان من علامات هذه العودة القوية لدور التدخل الأجنبي في المغرب.
لذلك فدورهم في المعارضة ولو بعشر ما كان لهم لما ظنهم الشعب قادرين على اخذ هذه السلطة إيجابا فأعطاهم الأغلبية سيكون وإن سلبا ألف مرة أقوى مما كان لأنهم في المعارضة لن يكونوا ساكتين على ذلك.
فلكأن الجيش في الجزائر والمخزن في المغرب والمافية في تونس رجعت إلى الحكم بالوجه المكشوف.
ومن ثم فمن العسير ألا يفهم الشعب ضرورة الوصل بين الغائب في مثل هذه الحالة غيابا تاما بعد فقدان الغطاء الإسلامي الذي كان يحاول التصدي بإحياء دور الشعب:
التحرر (تحرر المواطن)
والتحرير (تحرير الوطن).

فالجيش والمخزن والمافيات هي التي تحكم في الظاهر لكنها في الحقيقة هي أدوات تواصل الاستعمار بشكله غير المباشر مع ما يلازمه من ترضية لهم بترك الحبل على الغارب في مجال الفساد والاستبداد والاستلاب الثقافي والحضاري وفرض اللغة الفرنسية والشركات الفرنسية وتهريب ثروات الوطن إلى البنوك الأجنبية.
ما حصل في الجزائر وما حصل في المغرب وما حصل في تونس في الانتخابات في الأقطار الثلاثة من نفس الطبيعة فما سبق إلى ذلك الجزائر في ما سمي بالمصالحة بعد العشرية -فشل تصفية الإسلاميين بالسلاح- وما تبعه في انتخابات اربعتاش 2014 وخطة السبسي -صديق بوتفليقة- استنتاج من فشل ابن علي في تصفية الإسلاميين بالسلاح.
وما توسط بينهما في المغرب لتجنب الربيع كان طبيعيا أن يذهب إلى ما وصل إليه الأمر في الانتخابات الأخيرة.

لكني اعتقد أنه خطأ جسيم لو كانوا يعلمون.
فريح التاريخ تغير توجهها.
الإسلام السياسي هو المستقبل الكوني.

واعتقد أن:
حيلة المستقلين في الجزائر
وحيلة الأحرار في المغرب
وحيلة الفتات الحزبي الممثل للمافيات في تونس
كل ذلك أوراق ميتة سيجرفها ريح الربيع المقبل الذي هو الموجة الثانية الجامعة بين ثورة التحرر واستكمال التحرير.
الحركات الإسلامية ستستأنف المقاومة التي تستكمل ما بدأه الآباء والأجداد إلى حرب التحرير من هيمنة الخارج شرطا في حرب التحرر الداخلي.
سنرى قريبا في بلاد الإسلام كله ما رأيناه في أفغانستان: كل بقايا الاستعمار إلى زوال.
فما حدث في مطار كابول هو مستقبل كل العملاء لأن ما حدث في أفغانستان زلزال أقوى حتى من تحرير القدس على يد صلاح الدين.
ذلك أن هزيمة أوروبا الصليبية كانت محدودة ولم يكن مضادا للغرب حينها إلا المسلمون.
اليوم المسلمون هم الوحيدون الذين يمكن أن ينقذوا الغرب من الغول الجديد الذي سيأكلهم.
من دون المسلمين الشرق الأقصى (الصين) سيقضي على الغرب الأقصى (أمريكا) الذي يحمي الغرب كله.
ولما كانت أمريكا قد فهمت درس أفغانستان وعلمت أنها لن تستطيع ربح الحرب ضد الإسلام فهي ستضطر على الأقل إلى مهادنته.
ومن ثم فكل “قوادة” أوروبا إلى زوال بعد أن تخلت أمريكا على محاربة الإسلام:
ويكفي دليلا تصريح وزير الخارجية والدفاع الأمريكيين أول امس في قطر.
لم يعد الكلام على الإرهاب الإسلامي بل صارت كلمة إرهابا ملطفة بالتطرف العنيف وغابت النسبة إلى الإسلام.
لكن الحمير لا تفهم الرموز ومن ثم فلا فائدة في المزيد من تأويل العلامات العميقة.

ألست أحلم؟
قد يبدو ذلك كذلك عند من يتجاهل حتى تاريخ أوروبا بعد الثورة الفرنسية ناهيك عمن يتجاهل سنن التاريخ عامة.
فهل صدفة أن تكون كل الملكيات الأوروبية قد انتقل كل ما لم يسقط منها من الحق الإلهي إلى الملكية الدستورية؟
ذلك هو مصير المخزن:
الملك لم يفهم ذلك لم يفهم أن مستشاريه غرروا به وبدلا من بيدي لا بيد عمر هو ذا قد وقع في فخ المخزن.
وهل صدفة أن كل الأنظمة الفاشية في أوروبا -ومثلها أنظمة الإقليم العسكرية والمافياوية أي الجزائر وتونس في حالتنا- قد آلت إلى السقوط وأصبحت أكثر ديموقراطية حتى من فرنسا التي حدثت فيها الثورة؟

وأخيرا هل يمكن تصور العملاء في المغرب والجزائر وتونس أقوى من سرطان النومنكلاتورا الشيوعية في الاتحاد السوفياتي وتوابعه؟
لماذا صار النموذج الديموقراطي الألماني أو الأمريكي أو حتى البريطاني أحب النماذج إليهم؟
ومن يقرأ القرآن جيدا فيحلل الآية الثامنة والثلاثين من الشورى ويتحرر من حمق المفسرين القدامى يفهم أن الأمر أمر الجماعة -أي بلغة الفلسفة راس بوبليكاـ تديره بشوراها -شورى بينهم ـ أي بلغة الفلسفة ديموقراطية.
وأن الرهان كله هو الإنفاق من الرزق بالعدل والمساوة وشرطه الاستجابة للرب.
ذلك هو برنامج الإسلام السياسي إذا كان يعمل بقيم القرآن
فيرى ما يريه الله في آياته المتجلية في الآفاق وفي الأنفس
ولا يسارع إلى مضغ شعارات الأميين من حداثيي العرب الذين هم أفسد نخبة في العالم.

شاهد أيضاً

الإسلام السياسي ليس توظيف الإسلام في السياسة

أبو يعرب المرزوقي  لو كان الإسلام السياسي هو توظيف الإسلام في السياسة لكانت كل الأنظمة …

نهاية الدمية وقفت الزنقة بالهارب

أبو يعرب المرزوقي  كل ما استنتجته من زلزال أفغانستان أكدته النخبة الأمريكية في احتفالها بالحادي …

اترك رد