fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

فلم العبور: من الدكتاتورية الناعمة إلى الدكتاتورية الغاشمة!

فتحي الشوك 

لا يمكن اعتبار الرّئيس خطيبا فصيحا مفوّها من طينة من عرفوا بذلاقة البيان وفصاحة اللّسان والقدرة على الإقناع بالحجّة والبرهان، فهو لا يحسن ارتجال اللّغة العربيّة وكثيرا ما يتجنّى عليها ليفقدها جمالها وسحرها لتصبح ركيكة ممجوجة تحدث نشازا في آذان أهلها ويستطيبها أهل بلد غرّبت فيه وصار المتحدّث بها سيبويه زمانه!

يفتقد الرّئيس للكاريزما والحضور الركحي والثّبات الانفعالي وغالبا ما تراه متشنّجا، مقطّب الجبين، غائب البسمة، يلوّح بقبضته أو بسبّابته وهو يزيد ويرعد ويتوعّد ودوما ما يحاضر بصوت مرتفع وبنبرة متسلّطة أمام طرف ثان خاضع وخانع مطأطئ الرّأس يستمع إلى أستاذه كتلميذ نجيب في قاعة الدرس.

قوّة الكلمات المتفجّرة الخارجة من فيهه دفعة واحدة كقذيفة تنطلق من فوهة مدفع لا تخفي تذبذبه وتلعثمه وتعثّره وأخطاءه في الشّكل والمضمون وهو غير قادر على الاسترسال في إلقاء خطاب مسترسل واضح الرّسالة والمضمون ويكتفي كلّ مرّة بكلمات يعتقدها مفاتيح يضمّنها جوهر ما يريد إبلاغه فتزيد بإبهامها للمشهد غموضا وضبابية.

قد يبدو وأنّ كلّ ما ذكر من نقائص هي أخطاء اتّصالية فادحة من قبله ومن قبل المحيطين به وهي ليست كذلك لأنّ النّتيجة المرجوّة تحقّقت وبصدد التحقّق لأنّ اللّغة والكلمة والحرف لم يعد لها نفس التّأثير في عصر التكنولوجيا والتّفاهة والثّقافة المعلّبة والصّورة المهيمنة، نعم هو عصر اللّقطات السريعة والصّور الفاعلة المؤثّرة، عصر قد يكتب فيه مفكّر مقالا مطوّلا يضع فيه عصارة فكره فلا يقرأه إلّا العشرات في حين تنشر فتاة صورة بنصرها فيعجب بها الملايين!

مختبرات التوجيه وصنع الرّأي العام يعلمون درجة كسل وتكلّس العقل الإنساني والتّونسي ليس استثناء فغالبا ما يوجّه بصورة أو بعنوان مثير أو بكلمات مبهمة فضفاضة.

المشتغلون على الصّورة ابتدؤوا عملهم منذ أن انتفض الشعب التونسي على الدكتاتورية والمهانة ليبحثوا عن صورة أخرى سهلة الاختراق يتقبّلها المتلقّي ويتبنّاها بل ويعلّقها في بيت نومه،

  • صورة لدكتاتور مقبول ومطلوب من قبل جمهور فقد بوصلته في متاهة الحرّية وجعلوه يكفر بها وبكلّ القيم الإنسانية بعد هرسلة الحلم الّذي حوّلوه إلى كابوس مرعب.
  • صورة رجل قانون نظيف يستدعونه ليفتي فيما اختلف فيه البقية، ثمّ صورة متعفّف عن المناصب يقاد عنوة لعالم السياسة و الرئاسة ، صورة طاهر أتي به من كوكب آخر ليطهّر كوكب الدّناسة وكان لا بدّ من تعفين الوضع إلى أقصاه وترذيل كلّ شيء ليطرح بديلا ويقبل بحماسة!
  • صورة العروبي الشهم الّذي تجرّأ على المحرّمات وأعلنها عاليا بأنّ التطبيع خيانة عظمى في زمن يهرول أشباه الرجال إلى بيت الطّاعة الصّهيوني للمبايعة واستمداد الشرعية.
  • صورة التّقي المتديّن الزّاهد في الدنيا الّذي لم يغيّره الكرسي بل وخيّر في البداية بيته على قصره واستمرّ في ارتياد مقهاه المعتاد والتردّد على مسجده كالعادة، والرئيس المواطن الّذي يصطفّ لاقتناء رغيف الخبز، والرّئيس الّذي يتألّم حينما لا يجد مواطنا ثمن بيضة يسدّ بها رمقه!
  • صورة الأب العطوف والأخ اللّطيف والمنقذ حينما عصفت الأعاصير واشتدّت الظروف.
  • صورة القائد الهمام، القويّ الشجاع من يمتلك كلّ عناصر القوّة المادّية من أمن وجيش وسلاح وصواريخ افتراضية على منصّاتها جاهزة للإطلاق.
  • صورة عمر الفاروق وهو يبحث عن جائع في مدينته أو مظلوم، وصورة مهديّ ينتظر خروجه الملايين وصورة مفوّض من الشعب ومن الربّ الكريم!

أنجزت كلّ تلك الصّور وأخذت مكانها في خانات ذاكرة مخيال جمهور عريض سهل التّوجيه في ظلّ الأمّية الضّاربة والوعي المغيّب المزيّف والكسل الذهني المستفحل.

والأخطر من كلّ ذلك أنّ صاحب الصّورة لا يمكنه أن يكون هو من صوّر أو يصوّر نفسه، فلا بدّ من مصوّر محترف وسيناريست ملهم ومخرج وهو في النّهاية لا يمكنه إلّا أن يكون ممثّلا وتلك هي المصيبة، إذ حينما تتحقّق الأهداف المرجوّة من الفلم ويقع شدّ الجمهور بالأحداث المتلاحقة وبعض الحركيّة والتشويق قد يستلزم الأمر نهاية للفلم إذ لكلّ فلم نهاية ويعرض فلم جديد بممثّل آخر أكثر احترافية بسيناريو أكثر جذبا وأشدّ تشويقا.

ربّما هو فلم العبور لننتقل من الدكتاتورية الناعمة الافتراضية إلى الدكتاتورية الغاشمة الواقعية.

د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

كونوا في الموعد لأجل هذا الوطن

فتحي الشوك  بضع العشرات من الغوغاء والمغيّبين والمتوتّرين الموتورين حضروا في شارع الثورة أمام المسرح …

“پول دي شانيل” التّونسي

فتحي الشوك  لا تحتاج لأن تكون محلّلا نفسيا أو مختصّا في الأمراض العقليّة لتكتشف أنّ …

تعليق واحد

  1. سنية عبد الهادي

    ياليت قومي يعلمون

اترك رد