fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

هل يكون قيس سعيد جرافة تفتح الطريق لمزنجرة؟

بحري العرفاوي 

أي أفق لإجراءات الرئيس الاستثنائية

ما أقدم عليه قيس سعيد ليلة 25 جويلية 2021 من إجراءات استثنائية تم بمقتضاها تجميد أنشطة البرلمان وحل الحكومة واستجماع كل السلط بين يديه، لا يمكن توصيفه دستوريا وأخلاقيا وسياسيا إلا كونه عملا انقلابيا خاصة حين اعتمد فيه على أجهزة الدولة الحاملة للسلاح.

ورغم أن انقلاب قيس سعيد بدا مختلفا عن أشكال انقلابية أخرى تُحاصَر فيه التلفزات بالدبابات ويوضع فيها مسؤولو الدولة في السجون وربما تجري إعدامات فورية لترهيب الناس، فإن العملية لم تخل من بعض الترهيب كمداهمة منازل بعض النواب ونشر آليات عسكرية بساحة البرلمان وساحة الحكومة وإطلاق تهديدات متتالية واستعمال مفردات “خشنة” للتخويف والاستفزاز من مثل “الفيروسات” والجراثيم” و”غسالة النوادر السياسية” و”مجاري الصرف الصحي” و”المشانق” و”الإعدامات” و”الرصاص” وكلها مفردات لا تنتمي إلى الحقل الدلالي السياسي وإنما تُستَدعى من ميدان الخصام والقتال حيث لا يدار الصراع بالأفكار وإنما بالعنف.

الذين يعرفون السيد قيس سعيد من حيث نشأته وبيئته يؤكدون أنه لا يمكن أن يكون شخصية انقلابية أو دكتاتورية باعتباره رجل قانون دستوري ولا يُعرف عنه طيلة مسيرته الطلابية والمهنية كأستاذ جامعي، انجذابا لعالم السياسة وشهوة التسلط، وهو ما يجعل المراقبين يطرحون سؤالا حول الدوافع الحقيقية لما أقدم عليه الرجل ولما يصدر عنه منذ توليه الرئاسة من خطابات وعيد وسباب ومهاجمة أطراف لا يذكرها ولا يدل عليها وإنما يكتفي بوصمها بالنفاق والجوائح وبنو سلول بل ويعلن القطع معهم “ليسوا مني ولست منهم” ويتوعدهم بالقول: “اليوم صبر وغدا أمر”.

هل فعلا ينطلق قيس سعيد من شعور عال بالمسؤولية تجاه البلد وتجاه الفقراء والمساكين والبائسين الذين “نكل بهم السياسيون” كما يقول دائما؟ وهل فعلا كان حريصا على الدولة من التفتت والاختراق كما ظل يردد؟ ثم لماذا ظل يرفض الحوار وقد دُعي إليه من اتحاد الشغل ومن رئاسة البرلمان ومن وسطاء عديدين؟ وهل كان من البداية يخفى نية الانقلاب على المسار الذي ترشح بمعاييره القانونية والدستورية والسياسية؟.

مستوى خشونة الخطاب الذي أبداه قيس سعيد تجاه شركائه في المشهد السياسي يسمح بالتساؤل إن كان الرجل يعبر عن “كراهية” أطراف خارجية للتجربة التونسية؟ وإن كان الرجل مدفوعا بغرفة عمليات داخلية أو خارجية تزين له دور “المحارب” بدل مسؤولية السياسي، فإذا به لا يكف عن ذكر القتال والرصاص والصواريخ والشهادة والجبهات ولكأنه يواجه أعداء خارجيين يتهددون سلامة التراب الوطني وسيادة الدولة.

لماذا تعمد تعطيل حكومة المشيشي برفض أداء الوزراء القسم بعد نيل ثقة البرلمان؟ لماذا اعترض عن مشاريع قوانين المحكمة الدستورية؟ لماذا رفض بادرة الاتحاد العام التونسي للشغل؟ لماذا تأخر عن استعمال صلاحياته لجلب التلقيح وظل يتابع مجزرة الكورونا ولم يتحرك إلا بعد وضع يده على كل السلطات؟.

هل ينجح قيس سعيد في إنجاز وعوده في مدة زمنية معقولة؟ طبعا سيمدد في الوضع الاستثنائي ولن يعيد البرلمان إلى نشاطه -وهو بطبعه في حالة عطلة- ولن يحاور الأحزاب والمنظمات بشأن “خارطة طريق” ولن يقبل بتدخلات خارجية وسيظل يردد شعارات “الأمانة” و”دخول التاريخ” و”إرادة الشعب” وهي شعارات ما فوق الثورية وهي الطهورية والاستشهادية تجلب له محبة الناس وتجعلهم ينتظرون منه خلاصا من الفقر والبطالة وأيضا من فشل حكومات متعاقبة ومن مشاهد بائسة في البرلمان.

نجاح أي سياسي في مشاريعه الإصلاحية تحتاج أمانا واستقرارا وتضافر جهود وسلما أهلية وحالة من التحابب والتضامن بين الناس وهو ما لا يوفره خطاب قيس سعيد ولا ممارساته بترهيب الناس وإشاعة خطاب الكراهية وتحريض الناس على بعضهم حين يستعمل مفردات “التطهير الشعبي” و”غسالة النوادر” و”مجاري الصرف الصحي”، وهي مفردات تبدو مجازية ولكن حين يخاطَب بها أناسٌ غاضبون من وضعهم الاجتماعي فلن يفهموها إلا كلمة سر لمهاجمة من يظنونهم سببا في مأساتهم وفقرهم.

ومما يغذي الشعور بالقلق من أن يكون الرئيس مدفوعا من غرفة عمليات لها حسابات غير حساباته هو إطلاقه عديد الاتهامات دون قرائن وقبل أن يقول فيها القضاء كلمته كالحديث عن مسؤول في حزب سياسي يوزع الأموال على الشباب ويدعوه للحرق، وعن تونسي هرب 8 مليار دولار ، وقاض يمتلك بناية في العاصمة بثمن أعلى من ثمن سيارة الرئيس (لم أفهم قصده)، وعن شباب يسافر في مهمات مشبوهة… اتهامات لا يُنتَظر صدورها عن رجل دولة مسؤول دون دليل أو حكم قضائي، وهو ما يجعل مراقبين يخشون أن تكون جهات تستثمر في شعبية الرئيس و”محبوبيته” ونظافته في أعين أغلب التونسيين، لتمرر نواياها السيئة تجاه بلانا وشعبنا.

تلك الجهات إذا أفلحت في الإيقاع بين الرئيس والمجتمع المدني وإذا أفلحت في “توريطه” إلى الحد الذي يصبح معه التراجع والإصلاح مستحيلا، وإذا تأكدت من كونه فشل في تحقيق ما وعد به وبلغ الناس حالة يأس، فستأذن بتقدم مزنجرتها للهيمنة على المشهد برمته.

من الحكمة -بنظري- التعامل مع الوضعية الجديدة سواء باعتبارها انقلابا أو تصحيح مسار، ضمن معركة السيادة الوطنية وليس فقط ضمن معركة الديمقراطية، معركة السيادة الوطنية تلزمنا جميعا بالسعي إلى حوار وطني هادئ ينتهي إلى حل كل المشاكل السياسية العالقة ويحمل كل طرف مسؤولياته الأخلاقية والجزائية والسياسية، حوار وطني يمنع أي تسلل خارجي ويحمي كل السياسيين بمن فيهم رئيس الجمهورية من أي ضغط خارجي ومن كل أنواع المساومات، فالأطراف الخارجية كلما أضعفت المشهد الداخلي أوجدت منافذ للتسلل، وكلما أوقعت العداوة بين الأطراف السياسية كلما جعلتهم جميعا يستقوون بها على بعضهم.

الرأي العام

شاهد أيضاً

رَجاء سيّد الرّئيس .. لا تذكُر بغلة عُمر بالعراق!!

سليم حكيمي  عندما تجمع في قصرك أربعة من الشّيوعيين الخُلّص الأقحاح، أساتذة القانون الدستوري، “أمين …

ماذا صنع له الشعب ليعاقبه ؟

نور الدين الغيلوفي  ما مِن رذيلة رمى بها مخالفيه إلّا ظهرت عليه. وما من وَصْمٍ …

اترك رد