fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

لا تبخسوا الناس أشياءهم.. طالبان هي خلاصة جهاد أربعين سنة ضد كل جيوش الأرض..

علي بن مكشر 

عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، هاربة لا تولي على شيء، قلنا حينها أنها هزيمة ساحقة وانتصار لا غبار عليه لحزب الله. نحن نعلم أن إيران تدعمه بكل شيء، من معاشات المنتسبين إلى عمامة السيد.. لكن يبقى الانتصار لمن بذل الدم. كذلك ينسحب الأمر على هزيمة أمريكا في الفياتنام، فالمجد للشعب الفيتنامي الذي بذل الدماء، وليس للسوفييت الذين دربوا وسلحوا ومولوا هوشي منه والجنرال جياب.

هذا المنطق بالنسبة لغيرنا لا يستقيم، حين يتعلق الأمر بشعب سني… المعذرة، لست طائفيا ولن أكون، و لكن تلك هي الحقيقة..
حسن نصر الله عندما تحدث عن طالبان واتهمها بإبادة السنة في أفغانستان (قال : لقد قتلوا من السنة أكثر مما قتلوا من الشيعة) في معرض حديثه عن الطاقم الديبلوماسي الإيراني الذي قتل في مزار شريف آنذاك وقبل الغزو الأمريكي، ولم يذكر أبدا في المقابل أن ذلك الطاقم (الديبلوماسي) لم يقدم اعتماده أصلا لحكومة طالبان واعتبرتهم جواسيس. في المقابل لن تجد أحدا يخبرك بأن الثورة الإيرانية، قامت على ثلاثين ألف جمجمة صفتهم في الساحات العامة ومنهم حزب تودة الذي شارك في الثورة قبل أن يصفى نهائيا باسم الثورة الإسلامية.

الشعب السوري كذلك، عندما طالب بالتغيير، اتهم بالعمالة للغرب قبل أن ينتصر، لأن السنة عموماً في نظر هؤلاء هم عملاء بالفطرة، لطرف ما بالضرورة..
طبعاً لن يخبرك أحد أيضا بأن إيران فتحت أجواءها للطيران الأمريكي كي يدك جبال أفغانستان وبكل روح رياضية أثناء إسقاط حكم طالبان.. أبدا لن يخبروك، فقط يعتبرون أن انتصار الأفغان هي مؤامرة ضد إيران… وروسيا والصين..

طالبان هي خلاصة جهاد أربعين سنة ضد كل جيوش الأرض
طالبان هي خلاصة جهاد أربعين سنة ضد كل جيوش الأرض

هؤلاء المسكونين بالمؤامرة، يؤمنون بها لأنهم يمارسونها فعلاً في كل حياتهم، ولا يؤمنون بأن الله هو القادر على النصر وان همة الشعوب قادرة على الإنتصار مهما كانت قوة الأعداء.. ربما لو حدثتهم أن الأمير عبد القادر الجزائري، قاوم فرنسا عشرين سنة، ولم تستطع هزيمته إلا بإحراق الجزائر لما صدقوا… لن يصدقوا أيضا أن عبد الكريم الخطابي قد سحق جيشين بستين الف مقاتل بأسلحة بدائية بسيطة، وهزم إمبراطوريه فرنسا وإسبانيا مجتمعتين لولا خيانة المخزن… طبيعي جدا أن لا يصدق هؤلاء، بأن طالبان هي خلاصة جهاد أربعين سنة ضد كل جيوش الأرض.. ولم يستطيعوا تركيعها.. لماذا؟ لأنهم يؤمنون بالمادة ولا يؤمنون بالروح، تلك الروح التي تجعل من جزيرة معزولة كغزة، تقف كالخازوق في وجه أقوى العتاد في المشرق العربي. بل يذهب بعضهم إلى أن ح.م.ا.س، مؤامرة صهيونية. أي عقل هذا؟

أنا أقول لك : إنه عقل المهزوم، والذي عظمت في قلبه الدنيا فلا يرى غير القوة المادية…
نفس الروح المهزومة التي جعلتنا نقف مكتوفي الأيدي أمام شرذمة اختطفت منا ثورة الدماء والدموع، في وضح النهار، ونحن عاجزون عن أن نفعل شيئا… هل فهمتم الآن لماذا وقف الجيش الأفغاني فاغرا فاه، ولم يطلق رصاصة واحدة ضد طالبان، وفر الرئيس خارج البلاد ؟ إنها الروح الخاوية التي لا تستطيع مقاومة أي شيء… ولعل أصدق مثال من التاريخ، هو ما رواه بعض المؤرخين حين غزا المغول بغداد، فكان المغولي يجد المسلم في الطريق فيقول له: قف مكانك حتى آتي بالسلاح، فيذهب المغولي ويأتي بسيفه، والرجل يرتعد في مكانه فيضرب عنقه.. لأنه ولشدة خوفه لا يستطيع حتى الهروب.. وحدث هذا أيضاً في جيش صدام، حيث انهار فجأة عندما وقف الأمريكي على أسوار بغداد..

إن الروح التي تجعل شعبا يقاتل أربعين سنة، ولم يستسلم أبدا للمحتلين، جيلا بعد جيل، لا يمكن لأي قوة في العالم أن تهزمه… إن طالبان ظلت عامين كاملين تفاوض المحتل في العلن وأمام العدسات كي يغادر.. كما فاوضت فرنسا جبهة التحرير في الجزائر، وكما يفاوض أي محتل حين يهزم.. فلا تبخسوا الناس أشياءهم، فهو نصر عظيم لشعب استباحته القوى العظمى أربعين سنة أو يزيد، وهو مقبرة الغزاة، ولا ينتظر منكم أن تنظروا له بعقولكم المريضة، المسكونة بالمؤامرة، وفي أعماقها قلوب ترى أمريكا الرب الأعلى لهذا الكون…

وبعد : كنت ولا زلت أتابع الشأن الأفغاني بالتفاصيل منذ الثمانينات وحتى الآن… الأحزاب والشخصيات والأحداث والتحالفات، وحتى الجزئيات البسيطة،

يقول بحري عرفاوي في الشعب الأفغاني :
أعرف يا شعب أنك لم تكن
منذ القدم
شعب الموائد والقصائد والقمم
لم تكن إلا رصاصا وارتصاصا في وجوه الغاصبين.
(الأبيات من قصيدته : أفغانستان: الله والرصاص، حفظتها منذ ثلاثين عاما)
والسلام عليكم

شاهد أيضاً

خواطر حول ما يجري حولنا

نور الدين الغيلوفي  طالبان تسيطر على أفغانستان.. بمعنى أوضح تستردّ أفغانستان من الأمريكان بعد عشرين …

محكمة وحش الشاشة

علي بن مكشر  تفرجت في برنامج وحش الشاشة، وبدا لي ضروريا كتابة الملاحظات التالية: من …

اترك رد