fbpx
الإثنين , 27 سبتمبر 2021

اكتئاب العيد

عمار التريكي 

ظاهرة الاكتئاب معلومة وليست غريبة وقد يمر بها المرء خلال حياته دون أن تكون لها مخلفات عميقة أو دائمة فالتغيّر المزاجي لدى الإنسان قد يكون أحيانا لسبب معتبر وأحيانا أخرى يمكن أن يحدث بتراكم أسباب صغيرة لم يتمكن المرء من التخلص منها وتنظيف نفسيته منها أو بعضها ونحن في حاجة دائمة لمراجعة النفس والتفطن لعللها ثم العمل على التجاوز والأفضل من ذلك تنظيف آثار ذلك بالعمل على معالجة الأسباب ومنها النظرة للحياة جملة، وفي كثير من الأحيان يتصور عدد منا أن الحياة يجب أن تكون خالية مما يعكر صفوا، ذلك ما نرجوه إلا أن الحياة اليومية لا تخلوا من السلبيات.

المشاعر السلبية هي دائما شكل من أشكال التعبير عن احتياج ما لم تتم تلبيته والشعور بالاكتئاب يتمثل سببه غالبا في فجوة بين الواقع والانتظار كأن أتوقع أن أربح في هذه العملية خمسين دينارا ولا أربح إلا أربعين أو أن أتمكن من زيارة ثلاثة أقارب فلا أفلح إلا مع اثنين أن لا أفقد أحدا من أهلي فيكون للأجل موعد مع من أحب أو أن أفقده وأنا أشعر بالحاجة إليه وما أكثر تلك الأمثلة، هذه الفجوة بين ما توقعته وما حصلت عليه قد يسبب تعكرا في المزاج إذا كان فهمي للحياة عموما محكوم بالمثالية، لذلك فالتربية على الواقعية في الحياة أمر مطلوب دون أن يعني ذلك أبدا الرضا العملي بالموجود وتلك هي المسافة بين القناعة والاجتهاد أو بين التواضع والطموح فالمفارقة أن كلاهما مطلوب رغم الاختلاف الظاهر بينهما.

في يوم العيد وقبل حلوله نبدأ بالاستعداد النفسي لاستقبال العيد ونحدث أنفسنا بالفرحة الكبيرة؛ فرحة كل أفراد العائلة وتهيئة الظروف للزيارات العائلية واستقبال الضيوف المحبوبين وتلقي وإرسال التهاني عبر الهاتف والمواقع الاجتماعية وكميات الإعجاب “j’aime” المتوقعة للصور التذكارية التي نضعها على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي وتوقعاتنا بأن تحصد تلك الصور عددا كبيرا من الاهتمام والتعليقات.

نعد الكثير من المأكولات والمرطبات وأدوات الزينة للبيوت وكذلك أجمل اللباس، نعد كل ذلك ونحن نتوقع أن تدوم الفرحة كامل اليوم وليله وأن تكون بادرة سعادة للأيام الموالية، نستيقظ يوم العيد فيستعد الذين ينوون الخروج لصلاة العيد مرتدين أفضل ثياب وينهض الباقون لتهيئة البيت والفضاء المخصص لليوم والاحتفال به واستقبال الضيوف الذين نتوقع كثرتهم وبشاشتهم أو هذا ما نرجوه منهم، فنحن ربما نربط قيمتنا الاجتماعية بعدد الضيوف الذين يزوروننا في المناسبات أو في أيامنا هذه بكثرة المعجبين بما ننشر على صفحاتنا وتقَلُّصُ عددهم قد يشعرنا بنقص ما من تلبية الحاجة للحب وللانتماء الاجتماعي والاحترام.

عندما تكون مجريات يوم العيد تسير وفق الحالات العادية -دون كوفيد- فإننا ننطلق بشكل متسارع في الاحتفال بمجرد وصول العائدين من صلاة العيد فنتناول صحون الفاكهة لكنها تنتهي بسرعة ونلتقط صورا تذكارية تكون وقود النشاط على المواقع الافتراضية لكن ذلك يمر بسرعة كبيرة أيضا ثم نُجري اتصالات هاتفية مع الأقارب خاصة البعيدين منهم جغرافيا فتمر تلك اللحظات بسرعة البرق.

نجد أنفسنا، ولم ينقضي الكثير من صباح يوم العيد إلا وقد أنجزنا كل العمليات الروتينية المرتبطة بالعيد وما أعددناه لذلك اليوم.

1. الفراغ

فجأة يصبح الفرد منا يدور في المنزل وقد أنفق ما لديه من التحايا والابتسامات العريضة على الموجودين سواء الصادرة منها من القلب أو التي نرسمها بروتوكوليا وشكليا على الشفاه دون كثير اهتمام بالتعبير الحقيقي، ونكون كذلك أنهينا الاتصالات الهاتفية بمن نريد وتناولنا ما طاب من الحلوى والمرطبات، يصبح بعضنا في حالة بحث عما يعبر به عن فرحة العيد بقية اليوم فلا يجد، وسرعان ما تكبر تلك الفجوة بين حجم الفرحة المنتظرة بل المطلوبة وبين واقع الحال في تلك اللحظة وهي وضعية كفيلة باستدعاء مشاعر نفسية تهيأ لتسلل الاكتئاب إلى نفوسنا فيتنامى لدينا شعور بالفراغ، بفقدان دواعي الفرح والغبطة فينصرف الفرد إلى شغل باقي وقته باستعمال الهاتف لهثا خلف تعليقات البعض وأخبار الإصابات والوفيات وما أكثرها وما أكثر اهتمام الناس اليوم بنشر السلبي أكثر بكثير من نشر الإيجابي.

النتيجة هو أننا نمارس العزلة ونوغل في الاطلاع على الأخبار ومتابعة ما ينشره الأصدقاء وهي في الواقع سلبية في غالبها، يصل بنا إلى حال جماعية من الشعور بالغضب والحزن والألم بخليط من المشاعر نكون غالبا غير قادرين على فهمها أو قبولها دون وعي كامل بالسبب، ثم لا أحد من العائلة يهتم بك في تلك اللحظة ناسيا أو متناسيا أن كل واحد منا ساهم من جهته في ذلك بأن اعتزل الباقي وتتولد رغبة لدى البعض بأن يلقي موعظة في التقارب العائلي ثم لا يجرؤ على التعبير حرصا على تجنب ما قد يفهم لوما أو تأنيبا في يوم العيد، ثم وبشكل متسارع تصبح مجريات أحداث يوم العيد مسببة للاكتئاب ناشرة له بين الحاضرين نعمل على طمسها أو تمويهها نفلح أحيانا وقد نخفق غالبا في تجاوزها.

2. الكورونا

لا نذهب لصلاة العيد جماعة ويمنع التجمع والكل في حالة خوف من العدوى فيمكث الكل متسمرا في مكانه فتكون العزلة في هذا الوضع أمرا محتوما ما يضاعف مخاطر دخول الاكتئاب لنفوسنا.

نحن أكثر جاهزية للوقوع ضحايا للمشاعر السلبية وأقل مناعة في مقاومتها فننشر ذلك الضعف. نحن هذا العام مع عدد لا باس به من العائلات مصابة في الأقارب والأصدقاء بمرض أو وفاة وفي خوف مستمر من العدوى وفي حرمان من ممارسة الأنشطة الاجتماعية كما تعودنا. إن حياة الانسان في الأصل لا يناسبها التعود بل يلائمها التفكير المستمر في ما هو أفضل للفرد والجماعة وأن جائحة كوفيد دفعتنا عنوة للتفكير في ما ينفع وفي مراجعة الأولويات في الحياة وإلى ضرورة أن ننتبه لذلك قبل العيد ونرتب أمرنا وشؤوننا على ذلك.

نحن في حاجة لترتيب وإعادة تصور الأنشطة الممكنة في علاقة بالعيد سواء كان ذلك زمن الكورونا أو في الزمن العادي وفي رغد من العيش.

نحن مطالبون بالاستعداد لتلافي تبعات ذلك يوم العيد على الكبار وعلى الأبناء بأن نراجع هدف الفرحة عموما لكونها احتياج بشري أصيل ولا غنى عنه وما العيد إلا تجسيد لذلك بغطاء ديني وهو بعدٌ نحتاج إلى إحيائه والعمل على تنميته فالفرح هو الأصل والابتسامة هي أصل في الدين وليس العبوس كما يمارسه البعض توهما أنه قرين الجدية والوقار أو حمل هموم الناس والاهتمام بشأنهم.

لا توجد مناسبة دينية مرتبطة بالحزن والغضب والألم والعيدان بمرجعية دينية يكرسان أن الفرحة والابتسامة هي أصل في الدين.

نحن مطالبون بأن تعمل فرادى ومواقع مثل الأئمة الخطباء وجماعات مثل الجمعيات والعائلات ممثلة في أعيانها أو الأبوين أن تهتم بأمر الفرحة والسعادة والتعبير عن الفرح وتوفير فرص ومناسبات لذلك.

3. في الأسباب

يمكن أن نعدد أسبابا تؤدي إلى الشعور الحفيف أو الكبير بنوع من الضيق أو الاكتئاب خلال يوم العيد وقد يتواصل ذلك خلال أيام العطلة المرافقة للعيد فهو معروف باكتئاب الأعياد أو اكتئاب العطل ومن أهمها:

  • التعب والإرهاق البدني أو النفسي السابق أو المرافق للعيد
  • التوقعات المرتفعة ثم الاصطدام بواقع الإخفاق في تحقيقها،
  • الحزن والحنين لأشخاص فقدناهم بوفاة أو مجرد بعد ليذكرنا العيد بمقاعدهم الفارغة،
  • الحنين إلى أعياد الماضي في علاقة بفترة عمرية أو مكان العيش السابق يزيد من الشعور بالعزلة والوحدة ونقص الدعم النفسي والاجتماعي،
  • الأعباء المالية للعيد خاصة إذا تجاوزت القدرة العادية للإنفاق وشعر المرء بصعوبة تلبيتها أو شعر بضرورة الانفاق ولو اقتراضا مقترنا بصعوبة سداد ذلك القرض ونجد ذلك لدى بعض الذين يجدون مشقة حقيقية في شراء أضحية بصفته شأنا اجتماعيا لا دينيا أو الإفراط في الهدايا باهظة الثمن نتيجة الضغوط الاجتماعية أو العائلية غير المبررة،
  • الاشتياق إلى العائلة الكبيرة أو أصدقاء فترة عمرية مع عدم القدرة على الالتقاء بالعائلة لبعد المسافة ما يزيد الشعور بالوحدة،
  • الضغط النفسي نتيجة التعامل مع عائلة موسعة أكثر بكثير من العادة أو الرغبة، مع الشعور بصعوبة الانسجام معها أو مع بعضها وكذلك أن يكون العيد ضمن العائلة الضيقة أكثر من العادة،
  • زيارات أشخاص غير مرغوب بهم أو مرتبطين بذكرى سيئة،
  • العادات غير الصحية كالإفراط في السكريات أو فقدان القسط الأدنى الكافي من النوم.

4. في الوقاية والعلاج والتخفيف من حدة اكتئاب العيد

لا يقتصر اكتئاب الأعياد أو اكتئاب العطل أو الاكتئاب الموسمي على الكبار، بل يشمل الأطفال أيضا وكذلك الشباب إذ قد يكون تغير الروتين اليومي سببا في ذلك أو فقد أصدقاء العادة.
علينا العمل على الوقاية قبل العلاج وأن يكون ذلك مرتكزا على اعتماد حياة طبيعية فطرية فلا يعزل المرء نفسه أو يدفع الأطفال للاعتزال أو يعزلهم عن أقرانهم لسبب أو لآخر وهذا ما يولد في أيامنا هذه الاحتماء النفسي بالمجتمع الافتراضي فيحتمي كل في زاوية ما بمعارف وأقارب افتراضيين يأنس لهم ولا يشترطون عليه شيئا. لكنهم يسببون له عزلة حقيقية عن العائلة والمجتمع أيام الأعياد بل في غير العيد أيضا.

نحن في حاجة ماسة للعمل على المصالحة الحقيقية بين أطفالنا والمجتمع الواقعي فلا يهربوا منا وكذلك الشباب وكذلك الكبار على أن يكون ذلك بالرفق والتدرج اللازمين ويصعب تحقيقه بمجرد الوعي به أو اكتشافه، بل يحتاج منا إلى عمل ومساهمة أكثر من طرف وبأكثر من أسلوب.

  • اجعل توقعاتك موضوعية منطقية وواقعية ولا ترفع سقف التوقعات كثيرا مع تفهم أن الحياة تتغير وليس من الضروري أن يكون العيد مثاليا أو مطابقا لأعياد الماضي، فالعائلة تنمو وتتغير والمجتمع كذلك
  • تعرف على مشاعرك ولا تتخوف من الاعتراف بها، إذا كنت فقدت شخصا قريبا فقدا نهائيا او اشتقت له من بُعدٍ فعبّر عن ذلك ولا بأس بالبكاء أو التعبير عن اشتياقك،
  • اجتهد في قبول الناس كما هم من الأصدقاء أو أفراد العائلة، والاختلاف طبيعي ولا يفسد فرحة العيد مع العمل قدر المستطاع على الاحتواء وقبول المختلِف وليس تبنيه أو تبني فعله،
  • في حال شعرت بالوحدة، تواصلْ وابحث عن مناسباتٍ دينية واجتماعية وتطوع لمساعدة الآخرين فهي طريقة جيدة لرفع المعنويات وفهم الحياة،
  • لا تتخلى عن العادات الصحية مثل ممارسة الرياضة وخصّص بعض الوقت لنفسك بعيداً عن الصخب والضجيج،
  • اعمل على بناء عادات جديدة مثل التنزه وبرامج للتسلية في مجموعة أو ضمن العائلة،
  • لا حرج في طلب المساعدة من الغير، خاصة عند الشعور بالحزن والقلق.

أتمنى للجميع قضاء عيد سعيد نكون فيه قادرين على التعايش مع ما قد يصاحبه من الأحزان، وأن نكون سندا لأطفالنا وشبابنا بأن نساعدهم على فهم الحياة والتعامل معها دون تعقيد أو مثالية، وأن نكون سببا في السعادة مجتهدين في نشرها قدر المستطاع.
وأن تكون ثقتنا بالله لا حدود لها وأنه لا يريد بعباده إلا الخير ألا أننا نستعجل أحينا وأن كل دعاء لله تعالى هو إما مستجاب في الوقت المناسب ولو بدى لنا ذلك متأخرا أو تنحط به ذنوب أو هو ذخر لنا ليوم أخر تكون حاجتنا له أكبر.

عيد سعيد وعمر في السعادة مديد وأيامكم ملؤها النجاح والتوفيق.

عمار تريكي
متفقد عام للتعليم الثانوي

شاهد أيضاً

لماذا نَضعُف أو بعضنا عند التعرض لـ الضغوط النفسية

عمار التريكي  عندما يتعرض أحدنا لـ الضغوط النفسية يشعر بأن قدرته على التفكير والتأمل تضعف، …

موجز في التواصل غير العنيف

عمار التريكي  La communication non violente CNV العنف المقصود هنا ليس العنف المادي أو اللفظي …

اترك رد