fbpx
السبت , 24 يوليو 2021

المشيشي وديوانه.. وحزامه العبوس

نور الدين الختروشي 

في مشهد غريب وصادم استدعى الرئيس رؤساء الأحزاب بعيد يومين من تعيينه لهشام المشيشي رئيسا للحكومة دون التشاور معهم، وطلب منهم ببساطة أن لا يصوتوا للرجل مع تعهده بتكليف من يختاروه من بينهَم.
هكذا بدأت قصة رئيس الحكومة القادم من أعالي أدغال الإدارة ومنها، وبعد الثورة إلى دواوين الوزراء.

هناك حلقة مفقودة في فهم شخصية ومسار المشيشي وهي المتصلة بعلاقته بقصر قرطاج حيث لا نعلم إلا ما تسرب في مكالمة مايا القصوري مع عكاشه أين اقترحته للقصبة لما لمست فيه من قابلية أن يكون مجرد رجل من صلصال بين الأنامل الناعمة لحاشية الرئيس. ولعله قد ثبت تلك الصورة عند مروره القصير بوزارة الداخلية مع حكومة الفخفاخ.
بقية القصة كانت في سلم المعقول السياسي، حيث أفصحت صورة الغذاء الشهير بباردو عن الحزام البرلماني والسياسي الجديد الذي تشكل حول المشيشي. والمستغرب عند هذا الحد أن المعنيين لم يشترطوا عليه يومها تغيير كل الفريق الحكومي الذي اختارته بعناية رئيسة الديوان في قرطاج.

الاستعصاء في تعقل مجتمع السياسة في تونس ما بعد الثورة اصبح القاعدة مع تراكم مسار العبث الذي اخترنا له تحايلا عنوان الاستثناء. والا ما معنى أن يتشكل حزام سياسي حول حكومة سياسية -دعكم من كذبة التكنوقراط- اختارها القصر الذي لا يؤمن ولا يعترف بالأحزاب والديمقراطية التمثيلية بل لا يفوت فرصة لترذيلها وتحقيرها وتخوينها؟؟!! .
استغل ديوان القصبة مهزلة رفض الرئيس لإجازة التعديل الحكومي ليتولى امر الحكم، ولتتشكل حكومة ظل مصغرة، أشيع أن حسونه الناصفي رئيس كتلة الإصلاح بالنظر لعلاقته العائلية برئيس ديوان المشيشي معز المقدم يحركها من وراء ستار.
ومما عمق الشكوك حول تأثير الناصفي على قرارات الحكومة ملف التعيينات، وكان سد الشغور في بعض المعتمديات القطرة التي أفاضت الكأس، حيث بدت بصمات الناصفي واضحة على كأس التعيينات على ما تؤكد قيادات قلب تونس.
الناصفي اختار التذاكي والتحايل في علاقته بالحزام البرلماني للحكومة، حيث ابتدع الفصل بين الحزام السياسي والبرلماني، ليتنصل من “جريمة التحالف مع النهضة”، ويبتز للأقصى ديوان القصبة الذي استغل الفراغ الحكومي ليوسع صلاحياته من ديوان استشارة وإدارة، إلى ديوان حكم.

انتظرت حركة النهضة خروج القروي من السجن لتطالب بوضوح وحسم بحكومة محاصصة تمثل الحزام السياسي لرئيس الحكومة، وتتحمل المسؤولية أمام الناخبين خاصة بعد أن نجحت الدعاية السوداء ضدها بإقناع الشارع أنها تحكم منذ الثورة وهي المسؤولة الوحيدة عن الوضع الكارثي بالبلاد.
القروي وبمباشرة فجة وجه نيرانه نحو ديوان المشيشي وطالب برأس معز المقدم، والنهضة طالبت بحسم بحكومة شراكة حزبية مفتوحة على الجميع والمشيشي ينصت ببرود من يعلم انه خيار الضرورة.
الوضع الوبائي الكارثي سهل علي خصوم المشيشي وداعميه الإقناع بفشله وعدم أهليته ليتولى امر البلاد، وفي انتظار يوم الجلوس على طاولة المفاوضات، تتقاطع خطوط الضغط، ومن الجهات الأربعة على “يتيم القصبة” وتتقلص في الأفق هوامش المناورة.
المشيشي يعي انه اختيار الضرورة في مقابل القصر، وربما يدرك جيدا أن عقدة قرطاج ستتواصل إلى آخر العهدة الانتخابية، فكلما تباعدت قرطاج وباردو سيستمر في القصبة، ولكن عليه أن يستحضر أن حزامه السياسي يعي بحدة انه ورقة المناورة الرابحة في مواجهة الرئيس سواء في حالة الخصومة، أو في ممكن التسوية.
هكذا يبدو مشهد الغرابة والشذوذ في فصله الأخير.
الوضع لا يمكن أن يستمر، وإعادة هندسته طموح ممزق، تتقاذف أشلاءه معارضة انقلابية عابثة ورئيس مترصد، وحزام حكومي متردد، ولا احد يملك القدرة على حسمه في هذا الاتجاه أو ذاك.
أزمة ما بعد انتخابات 2019، أزمة هيكلية، وما تعبيرها السياسي الماثل سوى سطحُها، ولا ادري لماذا لم يوقع الباجي القانون الانتخابي هل هو قدر الموت، أم عبث الأصابع الوسخة، ولكن الأكيد ما نعايشه اليوم هو من ذلك اليوم.
كل الحلول الممكنة بما فيها تشكيل حكومة جديدة بشروط الحزام السياسي، أو بالتضحية بالمشيشي بتسوية مع الرئيس، لن تحقق المطلوب الوطني في تأسيس حيز سياسي سوي تتقاسمه حكومة ممثلة لحزب أو جبهة أحزاب، ومعارضة مسؤولة. وعند هذا الحد نتكشف عن فشلنا المفزع منذ الثورة في استنبات الحيز السياسي الشرط الأساسي لإدارة التنافس والتداول على الحكم في نصاب ديمقراطي سوي.
أسست الثورة لفضاء أو مجال espace politique سياسي مفتوح على تدخل المجتمع المدني، وكل المهتمين بالشأن العام، بل وكل من هب ودب، فشهدنا فوضي متواصلة ضاعت فيها قواعد اللعبة، واختلط الحابل بالنابل، في مرحلة بينية هائجة وملغومة بممكن الردة إلى زمن ما قبل العقد.
وكأن قانون اكبر البقايا وضع ليمنع تأسيس الحيز السياسي la sphère politique، أي ليمنع توفير شرط تشكل مجتمع الحكم باعتباره مجال تنافسي أو تشاركي للحاكمين بالقوة أو الحاكمين بالفعل.
كل صداع الحالة التونسية هنا، فإعادة هندسة زمن الحرية والخروج به من قوس الاستثناء والتحايل البائس، شرطه التاريخي وليس السياسي، هو نزع ” فخ القانون الانتخابي” من الطريق.
أما اذا أضفنا لفخ القانون الانتخابي، بدعة النظام البرلماني المعدل، فقد نصل إلى منبع الخلل البنيوي لتجربة ديمقراطية طريفة ومرحة تتحول بسرعة إلى كابوس ثقيل، وتفقد مع الزمن شرط استمرارها الاجتماعي لتنفتح علي فضيحة الردة أو محظور الفوضى.
تتكثف عناوين التهارج السياسي حول سؤال من يحكم، ويتناسى الجميع أن لا احد سيحكم مادام فخ قانون البقايا منصوبا في قلب الطريق للحكم.
الحل الواضح ليس في بقاء أو سقوط المشيشي بديوانه وحكومته، الحل في انتخابات مبكرة بقانون انتخابي جديد، يفرز أغلبية حاكمة تتحمل مسؤوليتها كاملة أمام ناخبيها وتقبض ثمن نجاحها، كما تدفع ثمن فشلها بقواعد وأصول لعبة واضحة دون توافقات مغشوشة ومناورات بائسة باسم الضرورة…
هنا مربط الفرس.

شاهد أيضاً

الانقلاب استحالة تونسية أو ممكن صعب

نور الدين الختروشي  ثمة مقاربتين في فهم وتأويل خطاب سعيد البارحة الأحد 18-04-2021: مقاربة فهمت …

الشعبويات القاتلة (الجزء الأول)

نور الدين الختروشي  في الرئاسيات احدث قيس سعيد أمّ المفاجآت بصعوده للدور الثاني رغم انه …

اترك رد