fbpx
السبت , 24 يوليو 2021

في ذكرى الرّاحل، الشّاعر أحمد مطر

صالح التيزاوي 

تميّز شعره في منفاه بالتّركيز على ثنائيّة الصّراع بين الشّعوب العربيّة وأنظمة الحكم المستبدّة من جهة، وبين الشّعوب العربيّة والإحتلال الصّهيوني للأراضي العربيّة من جهة ثانية.

الشّاعر أحمد مطر
الشّاعر أحمد مطر

ولأنّ الصّراع مرير في الحالين، لم تطاوعه نفسه على الصّمت، فأطلق العنان لغضبه على “ولّاة الأمور” الذين أعلنوا أنفسهم أنصاف آلهة، فأشبعهم سخريّة وفي سخريّته تحريض عليهم، فنال منهم بقدر ما نالوا منه تغريبا ونفيا ومحاصرة لشعره، فحكّام العرب بارعون حتّى في محاصرة الكلمة:
يقول في إحدى لافتاته بعنوان “إنجيل بوليس”
في البدء كانت الكلمة
ويوم كانت أصبحت متّهمة
فطُوردت
وحُوصرت
واعتقلت
وأعدمتها الأنظمة.
في البدء كانت الخاتمة؟!

المولد والنّشأة.
شهدت قرية “التّنّومة” من محافظة البصرة بالعراق ميلاد أحمد مطر، في أسرة كثيرة العدد، حيث كان الإبن الرّابع من بين عشرة إخوة. وكانت بدايته مع الشّعر مبكّرة، ولم تخرج أولى قصائده عن المألوف غزلا ورومانسيّة. ولكنْه آثر الإنصراف عنه ليجعل من الكلمة سيفا في معركته المقدسة ضدّ الإحتلال وضدّ الإستبداد في بلاد العرب والمسلمين.

الموعد مع ناجي العلي
جمعت بينهما جريدة القبس الكويتية، وكان أحمد مطر يفتتحها بلافتة خفيفة في اللٍسان، من السّهل الممتنع ولكنّها مزعجة للحكام العرب، يقول في لافتة بعنوان “التّقرير”.
كلب والينا المعظّم
عضّني اليوم ومات!
فدعاني حارس الأمن لأعدم
بعدما أثبت تقرير الوفاة
أنّ كلب السّيّد الوالي تسمّم.
ويختتم ناجي العلي صفحات الجريدة برسم كاريكاتوري من الواقع العربي الحزين والبائس من مغربه إلى مشرقه، وهو صاحب الرّسم الشّهير “حنظلة”، وقد لخٍص من خلاله محنة الإنسان الفلسطيني، بعد هزيمة حزيران.. أثارت كلمة الشّاعر وَريشة الرّسْام حفيظة الحكّام العرب، وقد أصبحوا عراة أمام شعوبهم، فمارسوا ضغوطا قصوى على دولة الكويت، التي مارست بدورها ضغوطا على الجريدة، فانتهي الأمر إلى فصلهما، ليبدأ فصل جديد من تغريبة الثْائرين، انتهت بهما إلى الإستقرار في لندن، وقد سبقتهما إليها سمعتهما، فوجدا في الجالية العربية والمسلمة، ما يخفّف الشّعور بالغربة.

لندن وصدمة الإغتيال
لم يكن ناجي العلي مجرّد صديق، بل كان توأم الرّوح والفكر والمعاناة، فكان لاغتياله عام 1978 أثر بالغ في حياة احمد مطر، فاقم الحدث من أوجاعه وأحزانه، فبقي بعد اغتياله نصف حيّ. يقول في لافتة بعنوان “دمعة على جثمان الحرّيّة”
أريد الصّمت كي أحيا
ولكنّ الذي ألقاه ينطقني
ولا ألقى سوي حزن
على حزن
على حزن
أأكتب “أنّني حيّ” ؟!

مقاومة الواقع بالسّخرية
شعره حافل بمواطن السخرية، سخرية من الحكّام ومن مثقّفي السلطة، فهم في شعره “الأوباش” ووعّاظ السلاطين،
وقد قال فيهم:
حدّثنا الإمام
في خطبة الجمعة
عن فضائل النّظام
والصّبر والطّاعة والصّيام.

الحزن سمة أخرى في شعره
الغربة عن الوطن والبعد عن الأهل وفقد الرّفيق (ناجي العلي) وواقع العرب والمسلمين ونكبة فلسطين وهزيمة عام 67، اجتمعت على شاعر مرهف الإحساس، فجعلت من مصدره زنزانة أحزانه:
صدري أنا زنزانة
قضبانها ضلوعي
يدهمها المخبر بالهلوع.

شهرة رغم الحصار
رغم حصار الأنظمة العربيّة لشعره، إذ منعت قصائده من التّداول والنّشر في كامل البلاد العربيّة بسبب “قلّة أدبه” مع الحكّام العرب، فقد حاز الشّاعر السّياسي، المهموم بقضايا أمّته على شهرة، تفوق ما يحلم به شعراء البلاطات، بفضل شباب الجامعات من جيل الرفض والغضب والمقاومة.

شاهد أيضاً

ماذا وراء التّرويج لدستور 59 ؟

صالح التيزاوي  فجأة اكتشف بعض الذين ضاقت عليهم سبل الإنقلاب على دستور 2014، أنّ دستور …

أحمد المستيري الأب الروحي للديمقراطية والديمقراطيين في تونس

صالح التيزاوي  رحيل السّياسي والمناضل الدّيمقراطي أحمد المستيري رحل الأب الرّوحي للدّيمقراطيّة والدّيمقراطيين في تونس …

اترك رد