fbpx
السبت , 24 يوليو 2021

سيكولوجية الدولة ونخبها في مجابهة الكوارث

زهير بن يوسف 

1. شعار الدولة عنوان لأزمتها

“يا ذا الألطاف الخفية احفظ هذه المملكة التونسية”: جملة دعائية كانت تحف بشعار تونس في عهد البايات، شعار اعتمد رسميا عام 1861 في عهد المشير الثالث محمد الصادق باي، على أن هنري دينان Henri Dunant أورده في كتابه عن رحلته إلى البلاد التونسية، وقد كان ذلك عام 1858، بما يحيل على ظهور الشعار في ذلك التاريخ على الأقل أي في مدة المشير الثاني مَحمد باي (1855-1859).
هذه الجملة الدعائية التي تعكس جانبا من سيكولوجية الدولة ونخبها في مجابهة الكوارث والمجاعات والأوبئة في القرن XIX قد تكون على علاقة بوباء الكوليرا الذي ظهر بالإيالة التونسية في 3 ديسمبر 1849 وتفاقم في جوان 1850 واستمر إلى سنة 1856 وأوقع خسائر فادحة في الأرواح ووجه ضربة قاصمة لاقتصاد البلاد.

2. في المعجم وحقله

المعجم المتواتر في هذه الصيغة الدعائية:
الألطاف،
الألطاف الخفية،
الحفظ،
وما يمكن أن يتصل به من مشتقات فعلية وإسمية مثل اللُّطف واللطيف واُلطُف،،،
يحيل على حقل دلالي صوفي، يحضر بقوة في الروحيّة الرائجة لدى أوساط واسعة من التونسيين ولاسيما في التدين الشعبي وحتى الرسمي، هو الحقل الروحي الصوفي بل هو حقل حاضر حتى في الصيغ الروحية الكامنة في ردود فعلهم العفوية إزاء كل الأحداث الهائلة وهي التلطف باسم الله:
– “اللطف يا صاحب اللطف”،
– “اللطف وسبعة ألطاف من اللطف”،
– “يا لطيف!”
– “يا ربي تلطف”
– “يا لطيف الطف بنا بما جرت به المقادير، أنت لها ولكل كرب عظيم”…
هذه صيغ في التلطف باسم الله، أي بأحد أسماء الله الحسنى، يعتقد التونسيون أنه الإسم الأعظم، صيغ في التلطف عرفها أجدادنا وكثيرا ما ترددت على ألسنة جداتنا وأمهاتنا وأجدادنا وآبائنا وما زالت تصدر عنا لا شعوريا في كثير من الأحيان،
تلطّفً قد يكون أثرا من البصمة الروحية الكامنة في العقل الإسلامي الجمعي الباطن،
وهذا وارد بل صحيح، إلا أنه ألصق بالمجالات الجغرافية التي وقعت تحت التأثير الصوفي: التصوف السني خاصة والتيار الشاذلي فيه بالتحديد أعني المجالات التي يردد فيها الأهالي في الشدائد والكروب والأمراض والوقاية من جميع المخاوف “حزب اللطف” أو “حزب اللطيف” وهو إلى جانب “حزب النصر” و”حزب البحر” من أشهر الابتهالات والأدعية التي أثرت عن أبي الحسن الشاذلي (ت 1258/665).
وبالتالي فإنّ هذا الحقل الدلالي مرتبط بالرافد الصوفي في عقلنا الباطن ولاسيما الرافد المرتبط بشخصية سيدي بالحسن وما تركه من اثر في أشكال التدين لدى التونسيين منذ آخر حقبة قضاها بالبلاد التونسية وتعود إلى سنة 1246.

Aucune description disponible.

3. التراث الصوفي والمشترك الطقوسي

بالعودة إلى “حزب اللطف” أو “حزب اللطيف” بالصيغة التي أثرت عن أبي الحسن الشاذلي، يلفت الانتباه توفره على كلمات مفاتيح هي نفس الكلمات المفاتيح الواردة في الجملة الدعائية التي حفت بشعار الإيالة التونسية في العهد الحسيني المتأخر: اللطف والخفاء.
أما عن انتشار حزب اللطف في غير البلاد التونسية فهذا معلوم بحكم انتشار الطريقة الشاذلية في بلاد المغرب ومصر على الأقل وبالتالي فإنّ “حزب اللطف” يدخل في المشترك الطقوسي بحكم التراث الصوفي المشترك بين هذه الأقطار.

تنبيه:
تأمل في الأسطر 8، 9، 10 حيث نقرأ:
-الألطاف،
-أمنّا،
– لطفك الخفي،
– حفّنا بلطفك،
– يا لطيف،،
انظر أيضا إلى الصيغة المغنّاة: البيت 5، “اللطف الخفي”،

1 ألا يا لطيفُ يا لطيفُ لكَ اللطفُ
* فأنت اللطيف ومنك يشملُنا اللطف
2 لطيف لطيف إنني متوسلٌ
* بلطفك فالطف بي وقد نزل اللطف
3 بلطفك عُذنا يا لطيفُ وها نحنُ
* دخلنا في وسط اللطف وانسدل اللطف
4 نجونا بلطف الله ذي اللطف إنّهُ
* لطيف لطيف لطفُهُ دائمُ اللطف
5 تدارَكنا باللطف الخفيّ يا ذا العطا
* فأنت الذي تشفي وأنت الذي تعفوُ
6 أغثنا أغثنا يا لطيفاً بخلقهِ
* إذا نزل القضاءُ يتبَعُهُ اللطف

4. آخر الكلام

س: هل يمكن لقوة الدعاء وحدها أن توقف الوباء؟
ج: حتى النبي محمد يبدو انه كان له رأي آخر!

د. زهير بن يوسف

شاهد أيضاً

الخصائص المعمارية والهندسية للمآذن التونسية

زهير بن يوسف  وأنت تستمع فجرا إلى تكبيرات العيد تنبعث من شرفات مآذن جوامع بلادك، …

بيان من أجل وقف العدوان

زهير بن يوسف  1. العدوان على المدنيين جريمة حرب: في ظل تباطؤ دولي وعجز رسمي …

اترك رد