fbpx
السبت , 24 يوليو 2021

حوار الإيهام بالحلول

نور الدين العلوي 

نحتاج إلى حبوب منع الوهم لنقف على أرض الواقعية.. في الواقعية الذي يخلق المشكلة لا يمكن له أن يشارك في وضع الحل، ولكننا من وهم نتوقع أنه سيفعل.

هذه هي مشاعر اللحظة التي نتجت عن قبول فجائي بلا مقدمات للحوار. فقد وافق الرئيس التونسي على دعوة غريمه اللدود رئيس البرلمان إلى جلسة حوار، هكذا بلا مقدمات. فحتى ليلة الحادي والعشرين من حزيران/ يونيو كنا نتابع القطيعة ونحوقل، وفجأة ها نحن نضع سيناريوهات لما سيدور في الحوار وما سيخرج منه، في نفس الوقت لم نتخل عن شك عميق في أن الجلسة ستلغى في اللحظة الأخيرة من قبل الداعي لا من قبل المدعو؛ الذي غيّر جدول أعماله ووافق. يلازمنا أيضا شعور خفي بوجود قوة خفية تملي على الرئيس فيفعل بالضبط ما يجب فعله، كأنها مغرمة بتدميره في عيون من انتخبه.

لماذا قامت الحاجة إلى الحوار أصلا؟

نتائج انتخابات 2019 التي أفرزها الصندوق وضعت خريطة طريق واضحة؛ حزب أول يقود الحكومة، ومن لم يشأ المشاركة فيها يمكنه البقاء في مقعد المعارضة. هكذا هي الخطة الديمقراطية المعمول بها في كل التجارب، لكن هناك في تونس من يشارك في الانتخابات ولا يحتمل النتائج فيضع في طريق الحكم كل العراقيل الممكنة ليحكم دون تفويض شعبي، وإن لم يحكم فإنه يعطل كل من سيحكم حتى نصل إلى الأزمة الحالية ونطلب الحوار.

هذا الحوار كما الذي سبقه؛ هو التعبير الأسلم عن المخارج غير الديمقراطية لقوم يرفضون نتيجة الصندوق بخلفية استئصالية، دمرت حتى الآن ثقة الناس في الصندوق وجعلت كثيرا منهم يحنون إلى الماضي الدكتاتوري، ولكن غالبية من هؤلاء يغفلون السبب الاستئصالي ويحكمون فقط على نتائج ظاهرة.

في 2013 أوصل الخاسرون بالصندوق البلدَ إلى حافة الحرب الأهلية وخرجوا بفكرة الحوار فكان لهم ذلك، وحكموا من خارج من الصندوق، وانتهت مؤامرة الحوار باستعادة المنظومة القديمة للسلطة بكل عناصرها. لكن رغم ذلك فإن انتخابات 2019 خيبت رجاءهم وعاد الحزب المقصي إلى السلطة، فإذا اللعبة تتكرر.. اختلاق مشاكل تنتهي بأزمة حكم تحت قصف إعلامي مركز ثم ظهور طلب الحوار، لينتهي بإخراج الحزب الأول من دائرة النفوذ والحكم بغير قوة الصندوق. وقد راقت اللعبة للرئيس القادم من مقهى شعبي تبرمج عقله تلفزة استئصالية، فإذا هو أيضا يبحث عن حوار ليفرض ما لا يمر بالقانون، وكانت آخر مطالبه إلغاء السنوات العشر من الثورة بدستورها والعودة إلى دستور 1959 الذي شرع للدكتاتورية والقهر.

لماذا يقبل الحزب الأول الخضوع إلى شروط حوار فاسد؟

إن متابعتنا لسرعة استجابة رئيس البرلمان لدعوة الرئيس للقائه وهو الذي طرده من حماه مرات كثيرة وتعمد إهانته على رؤوس الأشهاد؛ تكشف أن الحزب الأول (ونتحدث عن حزب النهضة) يتبع خطة اجتناب الصدام مع خصومه ومطاولتهم في الانتقال السياسي، وربما يكون لديه أمل في أن تنتهي معارك الاستئصال الموجه ضده منذ ظهوره، والتي تزداد شراسة كلما ترسخ وجوده في البلد وفي السلطة.

لقد اتبع نفس الخطة منذ انتخابات 2011 في مواجهة النقابة وهي الأداة الأقوى في يد الاستئصاليين، وكانت حجته الحفاظ على الدولة من التخريب. ونظن اليوم أن ترحيبه بالحوار الذي أعلنته النقابة ورفضه الرئيس مرات وقبِلَه مرات بعدد ما رفضه، ثم هذه الدعوة الثنائية للحوار من قبل الرئيس والسعادة الغامرة في تلبيتها، كل ذلك يكشف أن الخطة لم تتغير.

لكن السؤال يظل مشروعا لمن يتابع من خارج حزب النهضة ومن خارج خطتها: هل ربح البلد شيئا مذكورا من خضوع النهضة للشروط الاستئصالية المتخفية في الحوار الوطني؟

يرد أنصار الحزب على هذا السؤال عادة بقول واحد: من لم يجد حظه في الحوار فليذهب إلى إنجاز الثورة الشعبية دون حزب النهضة. وهذا موقف جدالي غير جدي، ودليلنا الأخير هو أن انكشاف فقر الرئيس السياسي وسوء تدبيره بدأ من نكران تاريخ الحركة الوطنية، ومجاملته العدو الاحتلالي على حساب شهداء الوطن، وصولا إلى تجنبه إسناد المقاومة حتى بلفظ عاطفي وتهربه من لقاء سفرائها، وأخيرا ردته عن الثورة ودعوته إلى دستور أسقطته الثورة ومحته من الذاكرة الوطنية. هذا الانكشاف جعل قوما كثيرا ينفضون عنه، وقد بدأت دعوات متناثرة إلى عزله أو على الأقل تجاهل وجوده واعتباره كأن لم يكن، فإذا بحزب النهضة يسارع إلى محاورته وإنقاذه من الموجة الشعبية المضادة لوجوده.

هذه النجدة التي تقدمها النهضة تحبط تيارات شعبية تريد الحسم مع نموذج الرئيس ومع سياسات النقابة ومع مكونات المنظومة؛ التي كلما بانت هشاشتها مدت لها النهضة يدها فانتشلتها، باسم حماية البلد من الفوضى وحماية الدولة من السقوط.

تتبع المنظومة ومكوناتها النقابية وقد ضمت إليها الرئيس؛ خطة واحدة هي تعفين الوضع وتقديم نفسها كأدوات حل، وتقبل النهضة ذلك فتمد لها في أنفاسها وتقطع الطريق على استعمال نفس الاستراتيجية في مواجهتها، أي تعفين مقابل تعفين.

تعرف المنظومة أن لديها ما تخسره إذا تواجه تعفينها بتعفين شعبي مضاد، لذلك رأيناها في حالات كثيرة تستنجد بالنهضة فتنجدها، فتعود إلى التعفين ثم تستنجد بالنهضة. ونخال أن هذه الأيام هي أيام حاجتها إلى النهضة، لذلك همست للرئيس (الذي في حوزتها) بطلب الحوار، فسارع رئيس الحزب إلى الجلسة فرحا مسرورا.

هذه اللعبة طالت أكثر مما ينبغي

اجتناب مواجهة المنظومة ومحاولة تفكيكها بالتدريج لم تأت بنتيجة كبيرة، رغم ما نشاهده من تفكك ظاهر. ونعتقد أن بقاءها بهذه القوة نتيجة مباشرة لعدم مواجهتها بتعفين مضاد لأنها حظيت بحماية من النهضة.

البلد يعيش أزمة سياسية واقتصادية لم يخلقها حزب النهضة بل خلقتها المنظومة بأدواتها المختلفة، وجزء منها كنا نحسبه من الثورة فإذا هو جرثومة تخترق جسمها السليم. نحن نرى المنظومة تدعو إلى حوار منقذ مرة أخرى، ونرى النهضة تسارع إلى الإنقاذ باسم الحفاظ على الدولة والحكومة.. الخ.. (لقد برعت النهضة في هذا الخطاب الخشبي وصار لسانها). وهذا الوضع سيسمح بحياة أخرى للمنظومة، ولن يعطي النهضة إلا دور الغطاء الغبي.

سينجو الرئيس من الحملة الشعبية بعد أن يوهمنا بتفضله بقبول مطالبنا في المحكمة الدستورية، وستعمل آلته الإعلامية على تصويره كمنقذ من الضلال، ولن تقول إنه من خلق الضلالة الحالية.

لقد وصلت هذه اللعبة إلى نهايتها، ونحتاج إلى حبوب منع الوهم من جني العسل من جبح الدبور، ويقيننا أن هذه الحبوب لا تباع في الصيدلية النهضوية.

عربي21

شاهد أيضاً

لم يعد للرئيس التونسي ما يقدمه لبلده

نور الدين العلوي  والأحرى أن نصحح العنوان: لم يكن للرئيس شيء يقدمه للبلاد قبل أن …

تونس: اضمحلال فكرة الدولة من النفوس

نور الدين العلوي  نجد ضرورة إعادة طرح سؤال في عمق مسألة فكرية ونفسية في آن …

اترك رد