fbpx
السبت , 24 يوليو 2021

قراءة لقيس سعيّد من خلال محاضرته في بلاد الطليان

نور الدين الغيلوفي 

“وليس، حفظك الله، مضرّةُ سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقَطاتُ الخطل يوم إطالة الخطبة بأعظمَ ممّا يحدث عن العِيّ من اختلال الحجّة، وعن الحصر من فوت درك الحاجة” / الجاحظ: البيان والتبيين.
“وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرُها لكثيرِها، وقليلُها لقليلِها، وشريفُها لشريفِها، وسخيفُها لسخيفِها. والمعاني المفردة، البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقلّ مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة / الجاحظ: كتاب الحيوان.

تابعت محاضرة أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد بجامعة لاسابيانزا بروما بمناسبة منحه شهادة دكتوراه فخرية.. كنت أتوقّع أن يكون للرجل أفكارٌ مرتّبةٌ ولغةٌ قانونيةٌ دقيقة ومنهجيّة صارمة قد تشفع له أخلال أدائه السياسي وبؤس خطابه وعجزه التواصليّ، غير أنّني صُدمت فعلا لمّا قرأت ما سمعت بعد أن كتبتُ محاضرته بلسان القلم… لأنّ قراءتك للحرف المكتوب غير سماعك للصوت المنطوق.. ولو أنّك كتبت كثيرا من كلام الخطباء لبان لك عوار تفكيرهم وخلل منهجهم…

ولي على هذه المحاضرة ملاحظات:

على مستوى الشكل:

1. كان ينبغي، لو أنّ للرجل مستوى علميًّا يعتدّ به، أن يقدّم، بين يدي اللجنة الإيطالية التي تعتزم منحه شهادة الدكتوراه الفخرية، عملا محترَما يتضمّن فكرة أو تصوّرا استنادا إلى مراجع دقيقة ومنهجيّة صارمة، ولكنّه لم يفعل من ذلك شيئا بل جاءت محاضرته سطحية لا عمق فيها.. قد تُفهم من أستاذ مبتدئ يقدّم مسوَّدة درس للسنة الأولى بكلية الحقوق ولكنّها لا تُقْبَل من رجل ظلّ يدرّس القانون الدستوري عشرات السنين ثمّ تصدّى لرئاسة دولة في لحظة انتقال ديمقراطي متطاولا على جميع أهل “اختصاصه” بمعارفه في القانون الدستوري كما لو كان مخصوصا به، مدّعيا أنّه يحمل فكرا جديدا لم يسبقه إليه من السابقين ولا من اللاحقين أحد.

2. ما دام الرجل مولعا بالبحث في أصول المفاهيم اللغوية فقد وجب نقد لغته في مختلِف مستوياتها لنستدلّ من ذلك على أنّه لا يقدّم من الأفكار واضحا بل هو ميّال إلى التعويم والتمويه اعتمادا على جهوريّة صوته التي تخفي عجزا عن العبارة وأخلالا في الفكرة.

• جملته طويلة تتراكم فيها الأسماء والحروف، وهي جملة غير ذات فائدة.. ومثال ذلك قوله ((هناك منطلقات للرفض وأهمّ منطلق هو أنّ المفهوم الذي اعتُبر غربيا اعتُبر في نفس الوقت مخالفا للشريعة الإسلامية ومن منطلقات الرفض أيضا لمفهوم القانون هو أنه يتعارض مع الشريعة الإسلامية)) وقوله ((كانت فكرة السيادة مرفوضة وأستغلّ هذه الفرصة هنا لأفتح قوسين وهو أول مسلم كتب عن السيادة في الإسلام تونسيّ.. من مدينة المنستير كتب.. كتب عن الإسلام أو عن نظرية الإسلام في الفقه نظرية السيادة عفوا في الفقه السنيّ.. وكان ذلك سنة سبع عشرة وتسعمائة وألف..)).. إذا كانت الجملة في الكلام تقوم على شرطي الإفادة وحسن السكوت عندها فإنّه ليس في كلام قيس سعيد ما يفيد لذلك تستغرقه جملته ولا تكاد ترى لها حدّا أو تتبيّن منها فكرة.

• ميله إلى الإطناب عبر تمطيط الكلام خارج مدار الإفادة من قبيل (في كتابه أو في معجمه.. وقد بدأت هذه الكلمة كلمة قانون في الانتشار .. كانت متسعة وكانت منتشرة.. خالية من التحفّظ بعيدة عن التوجّس.. بنفس الترحاب وبنفس الطرب.. فكلّما تحرّكت أو كما تحرّكت بالنغمات المشاعر واهتزّت النفوس اهتزّت نفس هذه المشاعر.. غريبا دخيلا.. من ذلك على سبيل المثال فقط.. قصيدة شعرية تحت عنوان القانونية.. ولعلّ أهمّ سؤال جديرٌ (هكذا) بأن يطرح وأنا في هذا المدرَّج يتعلق بالمسار الذي عرفه القانون في الدول الإسلاميّة.. من جهة نشأته ومن جهة وضعه.. المفهوم الغربي الغريب.. كانت فكرة السيادة مرفوضة وأستغلّ هذه الفرصة هنا لأفتح قوسين.. من الفلاسفة ومن الحكماء الآخرين..)).. كثير من الكلام الوارد بالمحاضرة زائد لا معنى له ولا يعدو شقشقات لفظية لا مضامين لها ولا فائدة من لفظها..

• غياب الدقة في ذكر الكتب والكتّاب خلافا لما يجب أن يكون عليه البحث العلميّ الرصين الذي يحترم صاحبه نفسه ويقدّر سامعيه.. تهويمات تدلّ على أنّ الرجل يستند إلى ثقافة سماعية يمكن أن يستجلبها من جلسات المقاهي لا من مظانّ العلم.

• هل يعقل أن يفاخر جامعي بأنه بقي عشر سنوات يبحث في مفهوم وهو يعلم أنّه شبيه بمن يبحث عن طائر في السماء؟ هل هذه صورة تتوافق مع بحث علميّ يستهدف صاحبه الفهم والإفهام؟ أما كان أولى به أن ينزل الأرض ليبحث في أمور تمكث فيها وتنفع الناس؟ لماذا يصرّ على السبح في الحوشي والغريب؟ هل يعدّ هذا علما مفيدا لأهل الاختصاص؟ إنّ عشر سنوات كافية لأن يعدّ الباحث رسالة دكتوراه ويناقشها وينشرها ويقرأها الناس ولكنّ قيس سعيّد ظلّ منشغلا بتتّع طيور المفاهيم في السماء لا بين الكتب والمجلّات.

• كان يردّد عبارة “استبطن” .. وقد رأيتها مقلوبة من كلمة “استنبط”.. غير أنّ الأستاذ الذي لا يدقّق بحوثه كان يستعمل مفهوما لا علاقة له بموضوع المحاضرة.. قال: (( استبطن التونسيون فكرة الدستور واستبطنوا فكرة القانون واستبطنوا أيضا فكرة التعبير عن إرادة الشعب.. استبطان فكرة القانون.. استبطان فكرة البرلمان)).. فهل يعرف قيس سعيّد مفهوم الاستبطان؟ هل يعي أنّه ” تطوير منهجي لخاصية إنسانية هي قابلية الإنسان لأن يتأمل ما يجري في شعوره، ويدلي بتقارير لفظيّة تصف ما يجري داخله”؟ وهل يقصد بحديثه الاستبطان العفوي أم الاستبطان القديّ المنهجيّ حين يحلِّل المستبطِنُ شعوره ويعرف دوافع هذا الشعور ومجرى تتابعه، ويحاول البحث عن القوانين التي تنتظم الأحداث النفسية بموجبها؟ لا أظنّ أنّ الأستاذ قيس سعيّد قد راجع المفهوم في مظانّه قبل استعماله.. ولا أظنّه يعتمد الدقة العلميّة التي يعتمدها كل باحث يحترم نفسه ويقدّر الجمهور الذي يستهدف به درسه أو محاضرته.

• بدت أفكاره، في محاضرته، غائمة لا دقّة لعبارتها ولا وضوح لفاهيمها.. وممّا يعبّر عن افتقاره إلى الدقّة عبارات كثيرة التردّد على لسانه من قبيل: ((جملة من الدراسات.. عدد من القضايا.. عدد من المفاهيم.. لغات كثيرة .. بعض المفاهيم.. هذه المفاهيم.. العديد من الدول العربيّة.. عدد من الأدباء.. عديد الدول العربية.. جملة من المعاني.. كافة الدول العربية تقريبا وليس في كلها.. جملة التفاصيل.. عديد الكتب.. وكتَب كثيرون.. قوانين مختلفة.. سائر المعارف والعلوم.. عدد غير قليل من علماء اللغة.. فعديد المسائل.. شيئا فشيئا.. عديد الأقطار.. شيئا فشيئا.. قوانين اُخَرْ… شيئا فشيئا عددٌ كبيرٌ.. عديد التقلبات…)).. هذه العبارات حشويّة هروبية تعبّر عن كسيل بحثيّ كبير وتجعل من كثير من الكلام فضلة بلا معنى.. فكلمات من قبيل (جملة وعدد وكثيرة وتقريبا وعديد و”كثيرون” ومختلفة وسائر وعدد غير قليل…) لا تدلّ على غير تعميم من رجل لا يدقّق بحوثه ولا يحقّق ما يقول، إنّما هي تهويمات تستهدف سدّ فراغ لا يملك الباحث أن يملأه.

• لم يذكر المحاضر مرجعا واحدا اعتمده في محاضرته سوى كليلة ودمنة لابن المقفع والقانون في الطب لابن سينا.. وقد استدعى العناوين دون أن يحيل على شيء من الآثار.. يبدو أنّه سمع عن عناوين الكتب ولم يقرأ منها شيئا.. وعندما يستدعي العناوين فهو لا يقدّم معرفة ولكنّه يوهم بأنّ له معرفة.

• وردت بالمحاضرة كلمات تتردّد لوازمَ دون أن تعنيَ.. فهي من قبيل العكاكيز التي يتوكأ عليها قيس سعيّد دون أن تكون لها فائدة علميّة تُذكر، من قبيل ((شيئا فشيئا : تكررت 6 مرّات.. على وجه الخصوص: تكررت 3 مرّات.. ثمّ التي يصل بها ما لا يتّصل…))

مستوى المضامين:

• كل الذي فعله قيس سعيّد في محاضرته أنّه قدّم عرضا اتيمولوجيًّا لألفاظ قانون ودستور وسيادة في لغات كثيرة قال إنّه عاد إليها من دون أن يذكر مصدرا واحدا من تلك اللغات التي زعم البحث فيها.. اللغات التي اعتاد الباحثون التونسيّون العودة إليها في المجتمع العلميّ هي اللغات اللاتينية وربما اللغة الفارسية أو التركية اللتين كان لهما حضور في تاريخ الأفكار.. أما أن يذكر لغات من قبيل اللغة الفهلويّة واللغة الأورديّة ولغات كثيرة أخرى لم يسمّها فهذا قول لا دليل عليه ولا يرقى إلى البحث العلميّ الرصين.

• المحاضرة كلّها يمكن تلخصيها في أنّ ((اللغة العربيّة لم تعرف مفاهيم القانون والدستور والسيادة إلّا في مراحل متأخرة من تاريخها)) لا أكثر من ذلك ولا أقلّ.. وخلاصة الفكرة التي وردت بالمحاضرة أن العرب لم يعرفوا القانون ولا الدستور ولا السيادة إلّا متأخرا حين اصطدموا بالثقافة الغربية ممثلة في مجلوبات الدول الأوروبية الاستعمارية.. وحتّى يؤكّد غربة المفاهيم عن اللغة العربية استعمل لها عبارة “تسلّل” ((كلمة قانون تسللت شيئا فشيئا.. تسلّل فكرة الدستور.. تسلل القانون الدولي إلى الدساتير..))

• أوّل مرّة يصف رئيس الجمهورية التونسيّة سعادته التي يبدو أنّها لا تتحقّق إلّا خارج الوطن وبعيدا عن الشعب الذي يقرفه ويسيء إليه ولا يفهم عبقريته.

• المعرفة عنده ولعٌ بكلّ غريب.. لا يبحث في ما سبق إليه الدارسون من أفكار ليضيف إليهم جديدا ولكنّه يتسكّع خارج أسوار المعرفة المعتادة لا ليأتيَ بالجديد النادر ولكن ليذكّر بالقديم البائد.. يتوهّم أنّه صاحب فتوحات ولا فتوحات.. لم نسمع له من قبل بأيّ فتح.. ولكنّه يستخفّ بسامعيه كما كان يفعل القذّافي في “ديمومة الكراسي” و”الشيخ الزبير” وغيرهما من عبارات الاستخفاف…

خلاصات حول قيس سعيّد من خطابه:

• قيس سعيّد يسمع صوته فيطرب لسماعه ولا ينتبه إلى خواء المعنى الذي فيه.. وهو مولَع بالإبهار.. فعندما يتكلّم يستهدف الإبهار ولا يستهدف الإقناع.. كان يدرّس السنة الأولى من شعبة الحقوق.. فكيف يبهرهم؟ يستدعي لهم المعرّي ورسالة الغفران والمتنبي وكافور الإخشيدي وتلك أسماء يعرف أنّ للناجحين في البكالوريا معها ثأرا.. هو يرى في الوافدين على كلية الحقوق ناجين لا ناجحين، لذلك يقدّم إليهم درسه كأنّه يثأر لهم من تلك الأسماء فيستدعيها لأسماعهم ليبيّن سيطرته عليها وتمكّنه من ترويضها بعد أن كانت تمثّل عقبات في طريقهم إلى الجامعة مستعينا عليها بصوت جهوريّ يجلب إليه الأسماع فيدخل الطلبة بصوته في تيه يقفون أمامه مشدوهين يتّهمون أنفسهم أن لم يفهموا عبقريّة أستاذهم.. وتمضي السنة ولا يبقى في الأذهان غير صدى الصوت القادم من حنجرة الأستاذ.. قد يكون ذلك تفسيرا لما يبدو من حضور لبرنامج البكالوريا آدابا في خطاباته.. ويطعّمه بعناوين أخرى من قبيل كتاب ابن المقفّع كليلة ودمنة الذي لا يعرف التفريق فيه بين دبشليم الملك وبيدبا الفيلسوف.

• قيس سعيّد علاقته بالمسار الذي تعيشه البلاد علاقة متوترة لأنّ المسار حصاد جهود متراكمة لأجيال لم يساهم هو فيه بجملة واحدة تشهد له بموقف يُحسَب له.. لذلك يعمل على نسف الخلاصة لينسف معها مقدّماتها التي أدّت إليها.. وهنا تتنزّل دعوته إلى العودة إلى دستور سنة 1959 الذي يراه أرضا لا وارث لها لا ينازعه عليها أحد ويحسب نفسه قادرا على استصلاحها لنفسه.. وفي هذا السياق سرّب موقفه بخصوص رغبته في العودة إلى دستور 1959 التي تتضمّن إدانة واضحة لدستور 2014.

• قال في دستور 1959: سقط من أجله الشهداء.. أما دستور 2014 فوصفه بأنّه من الدساتير التي “توضع وفي بعض الأحيان تُنسى أو توضع وفي بعض الأحيان لا تُطبَّق.. أو توضع فقط لإضفاء المشروعية على الحاكم”.

• قيس سعيّد حالة نفسيّة تحتاج إلى الدرس وليس حالة فكريّة يمكن أن يُستفاد من علمها أو حالة سياسيّة يمكن أن يُستعان بها.. سوء أدائه رئيسا لا ينفصل عن خوائه أستاذًا.

شاهد أيضاً

قيس سعيّد المناضل خطابه من وزارة الداخليّة

نور الدين الغيلوفي  متن الخطاب: ((الوضع الصحي، بطبيعة الحال، تفشي الوباء بهذا الشكل نتيجة لجملة …

حمّى التقاعد العسكريّ

نور الدين الغيلوفي  العسكريون المتقاعدون من حقّهم أن يدلوا بآرائهم، مواطنين تونسيّين، ولا أحد يصادر …

اترك رد