fbpx
الأربعاء , 23 يونيو 2021

ما صحّة التسريب بموقع “ميدل آست آي” عن محاولة الرئيس سعيّد الاستحواذ على كلّ السلط

عبد اللّطيف درباله 

ما صحّة التسريب بموقع “ميدل آست آي” عن محاولة الرئيس سعيّد الاستحواذ على كلّ السلط وتأسيس “ديكتاتورية دستورية” بتفعيل الفصل 80 من الدستور..؟؟!!
وما هي إمكانيّة تنفيذ ذلك..؟؟!!

لولا أنّ “دافيد هيرست” صحفي بريطاني معروف وجادّ ومهني وله تاريخ طويل مع العمل الصحفي الاستقصائي ويعدّ أحد مصادر الأخبار الموثوقة في العالم.. لقلنا بأنّ الخبر الذي نشره في موقع “ميدل آست آي” الإنجليزي هو مجرّد فبركة رخيصة.. أو أنّه وقع في خطأ مهني فادح بنشر وثائق غير صحيحة دون التثبّت منها طبق المعايير الصحفيّة المعروفة..
فالصحفي البريطاني المرموق المختصّ في الشؤون العربيّة منذ عقود.. والمقيم غالبا بالشرق الأوسط.. وغطّى أكثر الحروب العربيّة وحاور أغلب قيادات المنطقة.. يتمتّع باطلاّع كبير على ما يحدث ببلادنا وبقيّة الدول العربيّة.. ولا شكّ أنّ الوثيقة التي نشرها بموقعه مساء اليوم الأحد 23 ماي 2021 وتتضمّن اقتراحا كتابيّا مفصّلا.. موجّها بحسب الوثيقة بتاريخ 13 ماي 2021 إلى الوزيرة مديرة الديوان الرئاسي.. يقوم على استيلاء رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد على كامل السلطات بالقوّة.. استنادا على تفعيل مزعوم للفصل 80 من الدستور.. ثمّ التوسّع في ذلك إلى درجة “احتجاز” رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب.. ثمّ اعتقال عدد من الشخصيّات السياسيّة ورجال الأعمال.. بما في ذلك نواب بالبرلمان.. لا شكّ أنّ تلك الوثيقة قد يكون لها وجود فعلا..
لكنّ حتّى ولو صحّت تلك الوثيقة فلا يعني ذلك إطلاقا أنّها تمثّل مخطّطا فعليّا لرئيس الجمهوريّة.. ولا خطّة عمل بدأ تنفيذها..
كما يصعب تصوّر إمكانيّة تطبيقها على أرض الواقع.. ولا نجاحها حتّى وإن حاول الرئيس سعيّد فرضا ذلك..

لا أحد يعرف مدى صحّة الوثيقة.. ولا كاتبها.. ولا مصدرها.. وإن كان شخصا أو عدّة أشخاص..؟؟!!
من داخل أم من خارج رئاسة الجمهورية..؟؟!!
وإذا ما صحّت تلك الوثيقة.. فهل أنّ توجيهها باسم الوزيرة مديرة الديوان الرئاسي كان بمبادرة تلقائيّة ممّن كتبها واقترحها.. أم أنّها جاءت أصلا بتكليف مثلا من مديرة الديوان الرئاسي كطلب استشارة في إمكانية وطرق تطبيق الفصل 80 من الدستور..؟؟!!
والأهمّ من ذلك.. هل أنّ لرئيس الجمهورية قيس سعيّد علاقة أو دخل في الموضوع.. وعلى اطّلاع عليه.. أم أنّه خالي الذهن تماما من مثل تلك الوثيقة إن صحّت..؟؟!!
يُذكر أنّ برنامجا بقناة “الزيتونة” التلفزيّة أورد قبل يومين تصريحا لعلي اللاّفي زعم فيه أنّ مستشارين لرئيس الجمهوريّة قدّموا له قبل عيد الفطر بيوم وحد ورقات تتضمّن كيفيّة تفعيل الفصل 80 من الدستور.. وهو ما يتقارب نظريّا مع تاريخ الوثيقة المنشورة اليوم من موقع “ميدل آست آي” (13 ماي).. في حين استند الموقع لمصادر لم يذكرها كمصدر للوثيقة وللتعليق عليها والحديث عن توجّهات الرئيس سعيّد والمحيطين به..
•• (رابط الفيديو)

الوثيقة المكتوبة باللّغة العربيّة مع ملاحظة “سرّي مطلق”.. تحاول تقديم تفاصيل وسيناريوهات وخطّة عمل تعطي للرئيس قيس سعيّد سلطة مطلقة على البلاد وتجمع بين يديه كلّ السلطات.. وتظهر كما لو أنّها إجراءات دستوريّة باعتبارها تنطلق من إعلان وجود خطر داهم يهدّد الدولة التونسيّة طبق الفصل 80 من الدستور لأسباب صحيّة واقتصاديّة وأمنيّة وسياسيّة.. ليعلن الرئيس بعدها إجراءات استثنائيّة رأت الوثيقة أنّها يمكن أن تشمل “احتجاز” كلّ من رئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنّوشي بالقصر الرئاسي.. بعد دعوتهما لحضور اجتماع مجلس الأمن القومي باعتبارهما عضوين فيه.. ثمّ فرض إجراء تحوير وزاري يشمل كلّ الوزارات.. وتعيين مدير الأمن الرئاسي الحالي كوزير جديد للداخليّة.. ونشر الجيش الوطني بمداخل المدن وفي المواقع الحسّاسة بالبلاد.. ووضع الكثير من الشخصيّات السياسيّة ورجال الأعمال تحت الإقامة الجبريّة.. وإيقاف نواب سابقين مطلوبين للعدالة.. وإعطاء مهلة نهائيّة قصيرة لرئيس مجلس نواب الشعب لرفع الحصانة عن النواب الحاليّين بالبرلمان المطلوبين في بعض القضايا أو اعتقالهم لاحقا.. وقد تضمّنت الوثيقة أسماء عدد منهم.. مع منع الجميع من السفر فورا.. وتكليف وزير العدل بتوجيه النيابة العموميّة للقيام بالقضايا اللاّزمة.. وتحريك المحكمة العسكريّة لمعاضدة جهود الرئيس في ذلك السياق..

الحقيقة أنّ الوثيقة مبنيّة على قراءة خاطئة تماما للدستور.. ولا تملك منطقا ولا تناغما في حدّ ذاتها.. إذ أنّها تنطلق بقراءة متعسّفة وخاطئة للفصل 80 من الدستور.. تماما كتلك التي انطلق منها أمين عام حزب التيّار الديمقراطي سابقا محمّد عبّو.. الوزير فوق العادة بحكومة إلياس الفخفاخ.. والذي كان أوّل من نادى بتفعيل خارج السياق للفصل 80 من الدستور من طرف الرئيس سعيّد وتحريك الجيش واعتقال قيادات سياسيّة وشخصيّات اقتصاديّة وماليّة.. وساندته زوجته النائبة سامية عبّو في ذلك..
وقد ساندت أيضا عديد الشخصيّات السياسيّة المعارضة للحكومة الحاليّة وللأحزاب الداعمة لها والمناصرة لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد تلك الدعوات..

سبق لنا وأن أوضحنا في تحليل قانوني ودستوريّ مفصّل خطأ تلك القراءة.. لكون الفصل 80 من الدستور هو أصلا يفترض وجود حالة خطر داهم حقيقيّة على كيان الدولة برمّتها.. وسنّ إجراءات تفترض تكتلّ كلّ السلط في البلاد لصدّها ومجابهتها.. وليس استعمال ذلك الفصل في صراع سياسي بين الرئاسات والسلطات نفسها.. أو من طرف رئيس الجمهوريّة في حربه ضدّ رئيس الحكومة أو مجلس النواب أو رئيسه..
بل أنّ الفصل 80 ينصّ صراحة على بقاء مجلس نواب الشعب في حالة إنعقاد دائم.. ويمنع حجب الثقة عن الحكومة من قبله.. وبالتالي فإنّ الفصل 80 من الدستور نفسه يحافظ على وجود وديمومة جميع السلط أي رئاسة الحكومة ومجلس نواب الشعب جنبا إلى جنب مع رئاسة الجمهوريّة.. ولا يعطي لرئيس الجمهوريّة أيّ علويّة أو سلطة أو نفوذ عليهما..
كما أنّ الفصل 80 من الدستور لا يبيح بتاتا لرئيس الجمهوريّة تعيين وزير للداخليّة كما جاء بالاقتراح في الوثيقة المذكورة.. ذلك أنّ الفصل 92 من الدستور يعطي لرئيس الحكومة بمفرده سلطة تعيين وإعفاء الوزراء.. وحتّى وزيرا الدفاع والخارجيّة فقد فرض الدستور مجرّد إستشارة رئيس الجمهوريّة في تعيينهما.. لكنّها استشارة غير ملزمة.. بما يعني أنّه لا سلطة لرئيس الجمهوريّة في ذلك.. فكيف الحال بوزير الداخليّة الذي لا يفرض الدستور أصلا استشارة رئيس الحكومة لرئيس الجمهوريّة في عزله أو تعيينه..؟؟
كما أنّه لا مجال لإيقاف النواب دون رفع الحصانة عنهم.. إلاّ في حالة استثنائيّة جدّا هي التلبّس بارتكاب جريمة حال القيام بها فعلا..
وإنّ رفع الحصانة عن النواب يستلزم القيام بذلك وفق إجراءات خاصّة فصّلها الدستور لتكون قانونيّة.. وهي تستلزم في الأخير تصويت البرلمان على ذلك فعلا بالأغلبيّة في جلسة عامّة.. وهو ما سيجعل حدوث ذلك في حالة فرض رئيس الجمهوريّة لنفسه حاكما أعلى على البلاد شبه مستحيل..
هذا دون السهو عن التأكيد بأنّ ما ورد بوثيقة الاقتراح من إعطاء رئيس الجمهوريّة لرئيس مجلس نواب الشعب “المحتجز بالقصر الرئاسي حينها” مهلة قصيرة للقيام بذلك لا يستقيم لا منطقا ولا واقعا ولا قانونا ولا دستورا..
أمّا الإيقاف التحفّظي والوضع في الإقامة الجبريّة طبق قانون الطوارئ.. فهو محدّد من نفس ذلك القانون بكونه اختصاص مطلق لوزير الداخليّة دون غيره.. وفي غياب وزير داخليّة حاليّا وتعيين رئيس الحكومة هشام المشيشي لنفسه مكلّفا بإدارة الوزارة وقتيّا.. واستحالة الاقتراح الوارد بالوثيقة بتعيين قيس سعيّد لوزير داخليّة جديد باعتبار ذلك ليس من صلاحيّات رئيس الجمهوريّة دستورا.. فإنّ الحديث عن “اعتقالات” قانونيّة ودستوريّة من طرف رئيس الجمهوريّة يصبح غير ذي موضوع ولا صحّة له..

لا شكّ أنّ قيس سعيّد والمحيطون به والمناصرون له يحلمون فعلا بتطبيق ما جاء بتلك الوثيقة المسرّبة إن صحّت..
لكنّ الواقع أنّها أصلا لا تعني شيئا.. لكونها تخرق الدستور طولا وعرضا.. ولكون إعلان حالة الخطر الداهم واتّخاذ إجراءات استثنائيّة من طرف رئيس الجمهوريّة طبق أحكام الفصل 80 من الدستور.. لا تخوّل له طبق أحكام نفس الفصل ونفس الدستور تطبيق ما جاء بتلك الوثيقة..
فإذا ما افترضنا وقام رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بكلّ ذلك.. وسانده الجيش فعلا (افتراضا) في تلك الإجراءات رغم أنّها تخرق الدستور وقوانين البلاد.. فسنكون والحالة تلك إزاء حالة “إنقلاب عسكري” صريح وليس أمام “إجراءات دستوريّة”.. لكونها تتمّ بالقوّة من طرف رئيس الجمهوريّة خارج الدستور وبمساندة قوّة عسكريّة تقوم بفعل خارج الشرعيّة..
وهنا فلم يعد من الممكن الحديث عن إجراءات دستوريّة لا طبق الفصل 80 ولا غيره.. وإنّما نكون في فرضيّة وحالة أخرى مخالفة تماما..!!
وهو سيناريو مستبعد جدّا بتونس اليوم لعدّة اعتبارات لعلّ أهمّما ما يلي:

  1. أنّ الجيش التونسي نأى بنفسه منذ 2011 عن أي إنقلاب أو استيلاء على السلطة أو عن مساعدة أيّ طرف سياسي في ذلك.. أو في ترجيح كفّته.. رغم أنّ السلطة والحكم كانت متاحة له على طبق من ذهب ليلة 14 جانفي 2011 وطيلة الأشهر الموالية وفي عدّة مناسبات في السنوات اللاحقة.. ورغم الاستعداد الشعبي حينها لتقبّل ذلك.. ورغم الدعوات العديدة التي وجّهتها أطراف سياسيّة وإعلاميّة ومن النخبة له..
  2. أنّ المعلومات المتواترة والمؤكّدة تفيد بأنّ مصادر وقيادات في الجيش التونسي أبدت بطريقة مباشرة وغير مباشرة انزعاجها من محاولة الرئيس سعيّد حشر القوّات المسلّحة في الصراع السياسي.. خاصّة إبّان الفترة التي تعمّد فيها تكرار إلقاء خطب سياسيّة والتحريض على خصومه السياسيين وسط ثكنات عسكريّة.. وقد وقع إفهام الرئيس أنّه يجدر إبقاء المؤسّسة العسكريّة بعيدا عن السياسة.. ووقع إفهام قيس سعيّد أنّ الجيش لن يكون منخرطا في أيّ عمل أو إجراء خارج الدستور والقانون..
  3. أنّ القوى الدوليّة والإقليميّة لن تكون راضية عن أيّ إنهيار في المنظومة الديمقراطيّة الجديدة بتونس.. لكونها تمثّل قيمة اعتباريّة في العالم العربي.. وتحقّق بها تلك الدول مصالح استراتيجيّة تتجاوز حدود تونس..

ولعلّ مبادرة نائبة الرئيس الأمريكي الجديد كاميلا هاريس مؤخّرا بالاتّصال برئيس الجمهوريّة قيس سعيّد والتأكيد على دعم الولايات المتحدة الأمريكيّة للديمقراطيّة في تونس.. وحثّها على استكمال المؤسّسات الدستوريّة وسيادة القانون.. كانت رسالة قويّة في الغرض لا تحتمل الشكّ أو التأويل..
ولذلك فإنّ الجيش التونسي الذي يحتفظ بعلاقات تعاون وتدريب وثيقة مع الجيش الأمريكي وجيوش عدّة بلدان قويّة وكبرى أخرى.. يعرف تماما بأنّ القيام بأيّ عمل عسكري خارج الشرعيّة والدستور قد يضع تونس في موقف المقاطعة الدوليّة.. ويسبّب عدم الاعتراف بشرعيّة السلطة وعزل البلاد التي لا يمكنها العيش أصلا دون مبادلات مع الخارج أو مساعدات أو قروض أجنبيّة.. وقد يعرّض قادة الجيش نفسه لعقوبات ومطاردات دوليّة..

قيس سعيّد آثر السلامة في عهد بن علي.. وكان يلقي المحاضرات في القانون الدستوري في احتفالات السابع من نوفمبر أمام قيادات الحزب الواحد التجمّع الدستوري الديمقراطي..
قيس سعيّد لا يملك القدرة ولا الخبرة في التخطيط والإدارة.. ولا في قيادة أيّ تنظيم ولا مجموعة أشخاص..
لذا فإنّ قيس سعيّد.. حتّى وإن كان يتمنّى تحقيق كلّ ذلك ويسعى إليه.. فإنّ الواقع وبحسب شخصيّته وتكوينه وتاريخه أنّه وبناء على ما سبق شرحه.. لا يملك لا الشجاعة.. ولا الكفاءة.. ولا القدرة.. على تنظيم عمل غير دستوريّ يرتقي إلى شبه الإنقلاب العسكري.. بلا عسكر..!!!

شاهد أيضاً

الرئيس قيس سعيّد يعترف بصحّة وجود الوثيقة المسربة

عبد اللّطيف درباله  الرئيس قيس سعيّد يعترف بصحّة وجود الوثيقة المسربة من موقع “ميدل إيست …

الذي أفهمه من وثيقة الانقلاب

نور الدين الغيلوفي  يبدو أنّ قيس سعيّد وطاقمه الرئاسي يبحثون عن أفضل سيناريو لتنفيذ انقلابهم …

اترك رد