fbpx
الأربعاء , 23 يونيو 2021

اللعبة انتهت.. الصهيونية والصفوية وعملاؤهما

أبو يعرب المرزوقي 

لما تكلمت أمريكا على الشرق الأوسط الكبير وكعادتي قرأت الأمر بصورة ظنت عدم فهم قصد الأعداء:
فقد اعتبرت ذلك بداية النهاية لسايكس بيكو الأولى واستحالة تحقيق سايكس بيكو ثانية كانت مقصود مبتدعي هذا المفهوم.
ها نحن نرى فشل سايكس بيكو الثانية -ورمزها انتقال التطبيع إلى العلنية- بسبب ما حل بسايكس بيكو الأولى:
فشلت أمريكا والغرب في تمكين الشرطي (إسرائيل) ومساعده (إيران) في منع عودة الإسلام إلى دوره الكوني.
ذلك أن الشرق الأوسط الكبير كان جوابا أمريكيا على إشكالية بدت لهم بسيطة: من العدو البديل وكيف نتصدى له بعد هزيمة الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفياتي وسيطرة النموذج الأمريكي؟

المشكل ما كان ليطرح لو بقيت الإمبراطوريات الأوروبية التي كانت مسيطرة على الشرق الأوسط قلب دار الإسلام بحيث إن الغرب لم تكن فيه ثغرة بحجم الشرق الأوسط وغالب أهله من العرب بقوا يتامى لا حامي لهم.
فكرة الشرق الأوسط الكبير تعني في الحقيقة الوعي بأن الحدود التي فرضتها سايكس بيكو الأولى لن تصمد بعد نهاية الحماية البريطانية والفرنسية وبعد سقوط القطب الثاني في نظام العالم.

ماذا بقي لأمريكا والغرب؟

إسرائيل وحتمية التخلي عمن عجز دون الدور وبداية إفلات ايران من سلطان الغرب (ضعف الشاه أمام اليسار الإيراني).
فكان لا بد من مساعد الشرطي الإسرائيلي له القدرة على نفس الدور الذي يؤيده كل تاريخه مع الإسلام؟
لا بد من دولة الملالي لمساندة دولة الحاخامات:
الاتيان بالخميني من باريس (جيسكار دمية أمريكية).
ويفهم ذلك من يدرس أدبيات الاستشراق المخابراتي المؤسس على المعرفة العلمية بنقاط ضعف “العدو الممكن” ورمزاه الأشهران:
برنار لويس (الحشاشين).
وماسينيون (النصيرية).
أن دور هذين العاملين في تاريخ الإسلام منذ الفتوحات إلى اليوم من ثوابت تاريخ العالم على الأقل سلبا بفضل تعطيل فاعلية المسلمين التاريخية التي كان رمزها فتح أوروبا الأول بقيادة عربية وأفريقية ثم فتحها الثاني بقيادة تركية وكردية.
من يدرس تاريخ الاستشراق الاستعلامي -ولا أتحدث عن الاستشراق عامة لأن بعضه علمي خالص وكل من ينكر دوره مثلا في تنظيم التراث الإسلامي وتوثيقه بعد انفراط عقد الأمة بسبب الحروب الأهلية والغزو الأجنبي ناكر جميل وجاهل بأن الخير لا تخلو منه حضارة.

الشرق الأوسط الكبير كان إذن جوابا عن مشكل سد الفراغ بعد سقوط السوفيات الذي أتم الفراغ الناتج عن سقوط الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية: وهذا وجهه الأول.
لكن له وجها ثانيا أهم من الأول هو أن انفراط عقد التقسيم التحكمي لجغرافية الإقليم السياسية بعد إسقاط الخلافة العثمانية بات مهددا أولا ولم يعد كافيا ثانيا لمنع الاستئناف.
فالتاريخ كما بينت كذب بخصوصه توقعات هيجل:
الإسلام لم يخرج من التاريخ بل عاد إليه وقد يصبح أقوى مما كان في كرته الأولى: وإسرائيل وحدها لا تكفي لتعطيله ولا بد إذن من استعادة الحلف التاريخي بين عدوي قوة الإسلام الجوهرية أي السنة أيا كانت الإثنية المؤمنة به:

  1. شعب الله المختار الذي يشعر بخطر النساء 1 (وحدة الإنسانية) والحجرات 13 (المساواة بين البشر دون تمييز عرقي أو ديني أو جنسي أو طبقي).
  2. وبأسرة الله المختارة التي تشعر بخطر نفي الوساطة الروحية (المرجعيات الكنسية) والوصاية السياسة (الأئمة المعصومون).

ففي هذين الرؤيتين اللتين يمثلهما الإسلام السني شيء من الاشتراكية وشيء من الرأسمالية يعسر تصنيفه بالمقابلة التي ربحت الرهان فيها معركة الغرب ضد الشرق ومن ثم فمن العسير التصدي له لأنه يتأسس على:

  1. ضرورة الاستعمار في الأرض للإنسان من حيث هو إنسان (إذن مبدأ حرية الملكية والمبادرة).
  2. وضرورة الإستخلاف فيها للإنسان من حيث هو إنسان (ضرورة العدل الاجتماعي والتضامن).

وهي إذن رؤية لا يمكن محاربتها بالطريقة التي حوربت بها الشيوعية فضلا عن كونها ليست رؤية نخبوية بل هي عقيدة شعبية لا يمكن الاكتفاء فيها بشراء ضمائر النخبة إلا إذا وجد من يحميهم من الشعوب.
وهذا هو دور إسرائيل (شرطي الشرق الأوسط الكبير) وإيران (مساعد الشريف الأمريكي) مع التظاهر بالصراع معه للتلاعب بالوعي الشعبي وإضفاء المصداقية على النخب العميلة في الحالتين:

  1. فعملاء إيران يزعمون الحلف معها للحرب على إسرائيل ولكن دون أن تمس منها شعرة بل الحرب هي على السنة بيد علماء إيران بدعوى الاستعداد للقضاء على إسرائيل وتحرير القدس وفلسطين والإقليم من إسرائيل.
  2. وعملاء إسرائيل يزعمون الحلف معها للحرب على إيران ولكن دون أن تمس شعرة منها بل الحرب هي على السنة بيد عملاء إسرائيل بدعوى الاستعداد للقضاء على إيران وتحرير الهلال واليمن والإقليم من ايران.

لكن مكر الله الخير غير المعادلة كلها بفضل عاملين صغير وكبير :

وأبدأ بالصغير: فأولا بداية انفراط عقد الوحدة الأوروبية أنهى أحلام فرنسا في مواصلة دور عالمي لم يبق لها منه إلى الفيتو في مجلس الأمن الذي لا يعبر عن قوة فعلية بعد خروج بريطانيا.
واثني بالكبير: وثانيا بداية الوعي الأمريكي بأنها قد تخسر المعركة مع المنافس الحقيقي لمنزلتها العالمية إذا واصلت الحرب التي يستحيل ربحها ضد الإسلام والمسلمين.
فالصين التي لم تعد شديدة البعد عنها في شرطي القوة أي العلوم وتطبيقاتها التقنية والاقتصادية والانتشار العالمي في مستعمرات الغرب السابقة فهي تكاد تتجاوزها وقد تفعل إذا بقيت أمريكا عالقة في حروب لا نهاية لها كما حصل في العراق وأفغانستان والقرن الأفريقي.

الشرق الأوسط الكبير صارت له الدلالة التي توقعتها لما قرأت الأمر فاعتبرت قلبه المفهوم لصالحنا أمرا ممكنا بل هو ما سيقع وقد كتبت ذلك منذ مقامي في كوالالمبور
وخاصة في المقالات التي كتبتها لمساندة المقاومة السنية في العراق قبل أن يفسدها الزرقاوي والتوظيف الإيراني والإسرائيلي لحمق قيادات القاعدة.
ذلك أن ما أفسد المقاومة السنية ليس الحرب الطائفية التي نشطتها إيران فحسب بل خاصة ما حل بالسنة من المقاومة التي تزعم الانتساب إليها فما يسمى داعش بدأ منذ ذلك الحين وكان الرد عليه بحلف الصحوات العراقية التي وظفتها أمريكا بذكاء لتنهي المقاومة السنية ذات العقل الإستراتيجي الواعي بالرهانات.

الحصيلة الآن هي أن أمريكا لم يعد لها خيار إلا الاستسلام إلى الصين أو المقاومة.
ولا يمكن أن ترجح أحد الخيارين من دون حسبان دور الإسلام لأنه هو القوة الوحيدة التي من دونها لا يمكن حسم التنافس بينها وبين الصين.
وهنا يأتي دور اللقاء الذي حصل بين ناتين ياهو والسبعين سفيرا غربيا وشرقيا الذين شكا لهم وضعية إيران: فهو اعتراف بهذا التحول الكيفي العالمي.
ولا اعتقد أن إيران في وضع أفضل فهي كذلك توجد أمام نفس المعضلة لأن دورها التخريبي لم يعد مطلوبا على الأقل مؤقتا حتى تتفرغ أمريكا للصين:
فما الحل إذا قررت أمريكا التخلي عن لعبتهما لاستحمار العرب والذهاب إلى الحسم في الموقف من قوة الإسلام التي لم يعد بالوسع منها من أداء دورها؟
طبعا لو كان بوسع إسرائيل أن تذهب إلى الغاية في استعمال القوة لأمكن لها أن تمحو غزة من على وجه الأرض.
ولو كان بوسع إيران أن تطمع في احتلال الخليج لتصورت خروج أمريكا فرصتها.

لكن التحول الذي يحصل حاليا هو أن أمريكا لم تعد تثق في قدرة إسرائيل وإيران لتمكينها من السيطرة على الإقليم بعد أن جربت نفسها عقدين مآلهما الفشل: لا بد من قوى سنية بديلة هي نمور الإسلام الجدد.
ما كان يحول دون نجاح إسرائيل وإيران الحاجة إلى تخريب قلب الإقليم أي فلسطين والخليج. كانت الحاجة إلى تقسيم العرب بين محميات إيرانية ومحميات إسرائيلية.
والشرط تقسيم الفلسطينيين إلى مطبعين ومقاومين.
ومنع تكوين الدولة بحيث إن الإبقاء على الحرب الأهلية الفلسطينية بين حماس وفتح من ضرورات تمرير خطة الابتلاع المتدرج لما بقي من أرض فلسطين.

لكن اليوم اللعبة تغيرت:
لا يمكنها الذهاب إلى الغاية في استعمال قوتها لأنها لا تحارب دولة ولم يعد بوسعها تمرير سردية الإرهاب لأن الجمع بين الانتفاضة والمقاومة التي تعدل بين القوتين الروحية والمادية يحول دون ذلك.
لكن كون إيران توجد أمام امتحان التكذيب النسقي لكل دعايتها بأن لها مآت ألاف الصواريخ في لبنان وسوريا ولا تتدخل للتخفيف على غزة يثبت أن هذه الصواريخ ليست للحرب على إسرائيل من أجل فلسطين.
إنها تستعملها غطاء عن الاستراتيجية الهادفة لاسترجاع إمبراطورية فارس ولا بأس من استعماله في المفاوضات معها بل للحرب على السنة في الإقليم وهو ما حصل في سوريا والعراق واليمن.
افتضاح إيران وعجز إسرائيل دون الذهاب إلى الغاية في استعمال القوة لا تكفي فيه عدالة القضية لأنها لم تصبح عادلة بعد أن لم تكن بل هي عادلة دائما وإنما لأن أمريكا تنسحب من الإقليم وتنشغل بما هو أهم وهي بحاجة لمهادنة قوة الإسلام في العالم أي سنته.
ولما كانت الأنظمة العربية وعملاؤها من النخب مضمونة لأنها انقسمت إلى توابع إيران وتوابع إسرائيل فإن المعول لم يعد عليها بل على الامر المخيف الذي بدأ الغرب يقرأ له ألف حساب: الشعوب الإسلامية عامة وبعض الأنظمة الإسلامية التي بدأت تسيطر على أسباب القوة.

هؤلاء هم من تتنافس على مهادنتهم واستمالتهم أمريكا والصين في صراعهما الذي لن يحسم لصالح أي منهما من دون أمرين كلاهما إسلامي بالجوهر:

  1. الأول جغرافية العالم الحالي تجعل دار الإسلام الجسر الذي لا يمكن الاستغناء عنه في كل تبادل وتواصل بين القطبين سلميا كان أو حربيا سواء كان ذلك في البر أو في البحر أو في الجو.
  2. جل ثروات العالم وخاصة الطاقة بكل أنواعها يكاد يكون في دار الإسلام ومن ثم فلا يمكن لمن لا يسالم المسلمين أن يصل إليها كرها من دون كلفة وكل عاقل يفضل الوصول إليها طوعا.

لذلك فمكر الله الخير مع اعتبار دور الأحياز الخمسة هو الذي يجعل ما توقعته يكون عين ما يقتضيه مجرى التاريخ الفعلي:

  1. حيز المكان أو جغرافية العالم وموقع المسلمين فيها.
  2. حيز الزمان أو تاريخ العالم وموقع حضارة الإسلام فيه.
  3. تراث العالم الروحي والمادي التراث الإسلامي يجمع بين ما يوحد البشرية فيكون مسهلا لجعل التنافس بين أمريكا والصين سلميا إذ أدى الإسلام دور المعدل بين استراتيجية سن تسو واستراتيجية كلاوسفيتس.
  4. ثروة العالم الاقتصادية والثقافية لم تعد تقبل الحرب بين الهدفين أي الاستعمار في الأرض والإستخلاف فيها: وذلك هو جوهر رؤية الإسلام.
  5. وأخيرا فإن البشرية يمكن أن تتعايش إذا هي فهمت معنى مبدأي الرسالة الخاتمة وطابعهما الكوني:
    معنى النساء 1 التي تقدم الرحم الكوني على الرحم الجزئي أي تقدم الأخوة الإنسانية إلى أخوة الدم المباشرة تقديم الربوبية على الألوهية لكونية ووحدتها وخصوصية الثانية وتعددها (الاخوة البشرية كلنا من نفس واحدة) ومعنى الحجرات 13 (التعارف معرفة ومعروفا دون تمييز عنصر ولا طبقي ولا جنسي والتفاضل الوحيد هو التقوى أي احترام التعاقد بين البشر وبينهم وبين المعبود الواحد).

شاهد أيضاً

حماس تجنبي لعبة إيران وإسرائيل

أبو يعرب المرزوقي  حماس لا تنقذي الحاخامات والملالي مرة أخرى أدعو حماس لترك القضية تعود …

فرنسا وبريطانيا معركة الصيد والاستئناف الإسلامي

أبو يعرب المرزوقي  ما يجري الآن بين إنجلترا وفرنسا حول الصيد فيه إشارة بينة لما …

اترك رد