fbpx
السبت , 24 يوليو 2021

مسلسل “حرقة” : الحارقون في عمل حارق

القاضية روضة القرافي 

من المؤسف حقا أن لا يولي الإعلام التونسي اهتمامه بالعمل الدرامي المتميز لهذه السنة «الحرقة» فعلا إلا بعد أن أصبح حديث العالم والصحافة العالمية والمنصات الدولية.

فمن خلال متابعتي شخصيا لهذا العمل والتعليقات الإذاعية والتلفزية حوله في بداية بثه لاحظت أن جلها كانت تضعه خلف الأعمال الأخرى التي بثت خلال هذا الشهر مع أحكام مسبقة لصالح هذه الأخيرة رغم المواضيع الممجوجة التي تطرحها أحيانا والأدوار الدرامية المنمطة. إلى حين برزت موجة التثمين العالمي للحرقة فاضطر إعلاميون من متابعي النشاط الدرامي للتدارك والانخراط في الحديث عن هذا العمل وفي التأكيد على أهميته والنجاح الذي حققه.

مسلسل "حرقة"
مسلسل “حرقة”

من الأكيد أن هذا العمل قد نجح في استعمال التقنيات الحديثة لنجاح المسلسلات التلفزية وقدرتها بل وسلطتها في جذب المتفرج وانغماسه في عالمها السردي المتخيل إذ يؤكد الدارسون على سلطة المسلسلات التلفزية في جذب وشد المتفرج بل قدرتها على التأثير فيه من خلال انغماسه التام Immersion في عالمها السردي المتخيل إلى درجة نسيانه أنه إزاء خيال لا واقع (يبكي لبكاء الشخصيات ويفرح لفرحها).

ينغمس المتفرج في العالم الذي أبدعه وتخيله شخص آخر هو كاتب النص الروائي أو مخرج العمل الدرامي كلما تمكن من فهم وإدراك ذلك العالم انطلاقا من معارفه العادية والبسيطة. هذا الاندماج أو الانغماس في العمل الإبداعي المتخيل أيا كان جنسه يحصلان من خلال بعد جوهري وهو دخول العالم الإبداعي المتخيل العالم الواقعي لا ليحاكيه بل لينقل صورة متخيلة عنه فيتحول إلى رجع صدى لهذا الواقع.

في هذا العالم المتخيل الواقعي إذا صح التعبير تغدو الأحداث والمواقف والشخصيات منتزعة من قلب الواقع قريبة منه. إنها التعبير المجازي عن واقع معيش لا ينقله المبدع كما هو ليكون سردا تاريخيا أو عملا وثائقيا بل لينطلق منه فيصوغه صياغة شخصية فكرية ووجدانية تحمل موقفا من الوجود والحياة.

إن تحقق هذا الاندماج بين المتلقي والعمل الإبداعي يتطلب اختيار موضوع ملائم وحقيقي مستمد من الواقع ينصهر تماما وبكثافة في عالم الخيال فيتحول إلى «حقيقة» متجسدة الحصول رغم أنها متخيلة. كما يتطلب الأمر أن يكون عالم السرد عالما ثريا متنوعا ولكن منسجما في تنوعه وثرائه. فمن المفيد للنص السردي المتخيل أن يكثف العالم والسياق الذي يرتبط به فيغذيه بشخصيات مختلفة وبعلاقات منطقية بين تلك الشخصيات وبمغامرات وأحداث منسجمة لا تتنكر للمنطق ومبدأ الاحتمال Vraisemblance ولكن لا تقع أسيرة النقل الحرفي للواقع إذ تشحنه بعاطفة قوية دون أن تسقط في مبالغات الميلودراما الفجة التي غايتها استدرار عطف المتلقي لا أكثر.

يحكي العمل الناجح قصة إنسانية عميقة من خلال حكاية وشخصيات تحرك عاطفة المتفرج بلا شك ولكن دون أن تلغي عقله وحسه النقدي.. وبذلك تكتسب نواة السرد السمك المطلوب فيبدو لنا العالم المتخيل نفسه شيئا فشيئا اقل نقصا باعتباره محض خيال ولكن أكثر اكتمالا من الواقع نفسه لأنه ينقل صورة ذهنية عنه شديدة التكثيف.

لقد حقق مسلسل «حرقة» كثيرا من شروط النجاح النظرية هذه، ومنها اختيار موضوع واقعي هو موضوع الحرقة فحقق تأثيرا قويا لدى من تابعوه لأنه وضع أمام أعينهم قطعة حية من معيش الكثير من التونسيين في مستويات اجتماعية ومواقع مختلفة ومن مآسي هذه الظاهرة العالمية.

تكثفت نواة السرد واكتسبت السمك المطلوب من خلال تعدد الشخصيات التي كشفت عن جوانب مختلفة وأحيانا متناقضة من الظاهرة: الحارق والحرّاق وأهل الحارق والأمن والمحاماة والقضاء.. والسلطة السياسية في تونس والسلط الإيطالية والمنظمات غير الحكومية ذات الصلة. جمع مسلسل الحرقة كل هؤلاء ووضعهم وجها لوجه متصادمين في أغلب الأحيان لكن متحالفين أحيانا أخرى حتى في تناقضهم.

فالحرّاق يتحول هو نفسه إلى حارق ويتبنى موقف الضحايا في حين انه في الأصل مسؤول هو أيضا عن وضعهم.. كما تطورت الأحداث وتصاعدت لا لتحكي مصائر الشخصيات فحسب وهي تفر من الجحيم إلى الجحيم أو تعيش عذاب الفقد لأبناء لفظهم البحر جثثا اقتات منها الحوت أو فقدوا دون أن يعرف احد مصيرهم وتلك مأساة مضاعفة (الفقد وعذاب فقدان اليقين) بل لتشير إلى مأزق سياسي في المستوى الأعلى من التحليل وهو مأزق تونس تعيش انتقالا صعبا ومؤلما تسوده البطالة والفقر وفساد الإدارة وعجز أجهزة الدولة وهي حقيقة قلما نراها في أعمالنا الدرامية. خدم الحوار الجيد كل ذلك فكان سلسا ومكثفا وكان تقمص الشخصيات للأدوار مناسبا صادقا ومقنعا وبلغ التصوير من الناحية التقنية خاصة في المشاهد المصورة في البحر مستوى كبيرا من الجودة والجمالية لم نشهده قبل في الأعمال التونسية.

لكن رغم إعجابي بالعمل الذي بعث في نفسي كمتفرجة تونسية شعورا بالاعتزاز لما بلغه عمل درامي تونسي من عمق الطرح وتحد ّللتابوهات الاجتماعية والسياسية بلغة بسيطة ومن خلال قصص غير متكلفة (كثيرا ما نفتقدها في الإنتاج الدرامي التونسي) ومن جمالية الشكل والمحامل فإنه أثار في ذهني تساؤلا يبدو لي مشروعا: لماذا اقتصر طرح مشكل الحرقة على فترة ما بعد الثورة دون إشارة ولو سريعة إلى أن الظاهرة لم تأت بها الثورة بل هي ظاهرة قديمة ومستفحلة منذ عهد الاستبداد ؟

لماذا اقتصر التحليل الروائي على فترة ما بعد الثورة في نوع من المحاكمة لها في حين أن المسلسل كعمل ناجح ومتميز ما كان ليكون لولا المنجز الديمقراطي الذي تحولت فيه التلفزة التونسية إلى قناة عمومية لا قناة حكومية يتحكم فيها النظام كما قال أحد الممثلين المشاركين في المسلسل في تعليق له على نجاح العمل (رغم صعوبات هذا الانتقال وارتداداته).

إن حرية التعبير التي يستفيد منها المبدعون اليوم هي أفضل تجسيد للجوانب المضيئة لهذا الانتقال. فمن كان بمقدوره أن يتخيل أن تنتج القناة الوطنية التونسية وتبث هذا العمل الزاخر بمواقف صادقة بل مؤلمة في صدقها أحيانا وقوية في نقد السلطة وأجهزة الدولة.

إن صدى نجاح هذا العمل في الخارج الذي لا يجامل في تقييم الأعمال يبقى اكبر دليل على أن الاستثمار في الديمقراطية هو الذي سيدعم التحول الذي حصل في بلادنا من خلال انتفاضة المحرومين المفقرين والمضطهدين. هذا الانتقال يحتاج إلى ثورة فكرية وثقافية إذ لا إمكانية لتغيير حقيقي طالما لم يكن الفكر والثقافة في قلبه ومن غاياته. لكن بشرط أن لا نخطئ التشخيص وان نتجنب الالتباسات في فهمنا للماضي كالإيحاء عن قصد أو عن غير قصد بأفضليته على الحاضر حنينا للماضي أو محاكمة للحاضر…
أخيرا تحية تقدير لكل من ساهم في إنجاز هذا العمل.

شاهد أيضاً

إنه زمن اللادولة

القاضية روضة القرافي في الالتزامات «الأخلاقية ؟؟؟» للحكومة وحلفائها من بعض هياكل القضاة بعدم النشر …

رجاء لا تفسدوا نضال القضاة

القاضية روضة القرافي  على خلفية قرار رئيس الحكومة بالتدخل لبسط القانون (بالتنسيق مع النيابة العمومية …

اترك رد