fbpx
الأربعاء , 23 يونيو 2021

12 ماي 1881: النّخب الزيتونية وحدث الاحتلال (1)

زهير بن يوسف 

1. الزيتونة: واحدة أم متعددة؟

تعددت ردود فعل العلماء التونسيين على النظام الاستعماري منذ انتصاب الحماية واختلفت بين نُخب الحاضرة المرتبطين تاريخيا بالسلطة والمحتكرين تقليديا لقيادة المجتمع وبين نُخب الداخل التي كانت تعيش مرحلة صعود لاسيما بعد تأكد دورها كطرف نشيط في حركة الإصلاح، وهي النخب التي كانت تنحدر من الفئات الاجتماعية غير الأرستقراطية والمخزنية، وقد كان وفاؤها غالبا للفئات الاجتماعية التي أفرزتها، وهي الفئات الوسطى والدنيا.
وقد توزّعت ردود الفعل هذه في عمومها 3 مواقف تراوحت بين تبرير سياسة الاحتلال ومشاريعه والعمل في مؤسساته وبين الرضا بالتعاون مع سلطات الحماية ومواصلة العمل الإصلاحي ولكن دون تسويغ الاحتلال وتبريره ودون النشاط في المؤسسات التي أنشأها وصلا إلى رفض الاحتلال وطرح قضية استقلال تونس والتحول بمحور نشاط النُّخب من العمل الإصلاحي إلى الكفاح الوطني.

2. تبرير سياسة الاحتلال ومشاريعه والعمل في مؤسساته:

تبلور هذا الموقف بالأساس في العاصمة وتجسم بالخصوص من خلال مؤسستي “المجلس الشرعي” وشيخ الإسلام الحنفي، ولم يبرز ذلك فقط من خلال التخاذل وعدم الوقوف إلى جانب المقاومة المسلحة وإنما أيضا في الامتثال لأوامر الباي والإحجام عن جميع أشكال الممانعة ودعوة السكان إلى “التجلد والصبر”، زيادة على الامتناع عن الخروج إلى الناس والالتقاء بهم خشية أن يُحمل ذلك على غير محمله ويُؤول على أنه تحريض على المقاومة، بحيث لم تعرّض هذه النخب مصالحها للخطر من أجل التعبير عن معاداتها للحضور الأجنبي. مثال ذلك موقف شيخ الإسلام حميدة بن الخوجة وتعليماته إلى منظوريه في سائر أنحاء الإيالة، ومساعيه إلى امتصاص غضب سكّان الحاضرة، فضلا عن تصريحاته، وتجند مفتي المنستير لدعوة الناس إلى “كف اليد واللسان من الفعل والقول”…

معاهدة باردو في 12 ماي 1881
معاهدة باردو في 12 ماي 1881

3. الرضا بالتعاون مع سلطات الحماية ولكن دون تسويغ الاحتلال وتبريره:

تجسم هذا الموقف بشكل خاص من خلال:

1.3 المشاركة في المفاوضات التي أفضت إلى توقيع اتفاقية الحماية يوم 12 ماي 1881، وهي حالة مصطفى رضوان أحد رموز النخبة المثقفة الآفاقية أصيلة الساحل.

2.3 الدعوة إلى التهدئة والدفاع عن أطروحة لا جدوى المقاومة أمام انخرام موازين القوى بالتزامن مع البقاء على التحفظ التقليدي من التعامل مع أطراف غير مرغوب فيها، وهي حالة كل من الشيخ سالم بوحاجب، الأب الروحي للحركة الإصلاحية الزيتونية، والشيخ أحمد كريّم. وهذا ما حدا ببعضهم إلى الاستقالة من الوظائف التي كانوا يشغلونها مثل محمد النيفر الباش مفتي المالكي، وحسين شبيل قاضي المنستير، و 8 من إطار التدريس الزيتونيين بالمدرسة الصادقية فور إلحاقها بالإدارة الفرنسية، وعرّض بعضهم الآخر إلى النقل التعسفي بذريعة رفض التعاون مع السلطات و”الدسّ ضدّ الفرنسيين”: مثال محمود بوعلاّق قاضي توزر، أو العزل والتغريم والنفي، مثال السنوسي بن عبد الرحمان قاضي قفصة والباش مفتي صالح بن علي، وأحمد ماضور قاضي سليمان، والجيلاني السلاّمي قاضي نفطة، وعثمان المنشاري قاضي مجاز الباب، ومحمد الصدّيق السعيّد قاضي باجة.

3.3 الاقتناع بمواصلة المسعى الإصلاحي في ظل الحماية ومؤسساتها، وأبرز من عبّر عنه إلى علاوة على المشايخ عمر بن الشيخ ومحمد القرطبي وأحمد بيرم، الشيخ محمد السنوسي الذي قام بدور بارز خلال الحركة الاحتجاجية لنُخب الحاضرة سنة 1885 وتعرض على إثرها إلى التتبع ليصبح واحدا من ضمن علماء عديدين التحقوا بالمحكمة العقارية المختلطة، وهي مؤسسة أنشأها الاستعمار، مدفوعا إما بمصالح شخصية وإما “بقناعات تحديثية” حيث ألّف كتابا يدافع فيع عن شرعيتها ويدحض الادعاءات القائلة بتعارضها مع الشريعة الإسلامية واستهدافها اغتصاب أراضي التونسيين.

3. رفض الاحتلال وطرح قضية استقلال تونس:

يقتضي منّا التدقيق التمييز في هذا المقام بين الممانعة السياسية السّلمية وبين الكفاح المسلّح، والتمييز أيضا في مختلف أشكال الممانعة بين تلك الأشكال التي تبنتها نُخب الحاضرة وتلك التي انخرطت فيها النخب المدينية بالوسط والجنوب وخاصة منها نخب المدن التي كان لها عمق قبلي أو انتماء طُرُقي وتحديدا إلى بعض الطرق الصوفية التي أظهرت مقاومة للاحتلال أكبر من معارضة المؤسسات الدينية التقليدية في المدن: الرحمانية والسنوسية تحديدا. وقد تمظهر ذلك من خلال:

1.3 المعارضة الصريحة لمعاهدة باردو، وأبرز ممثلي هذه المعارضة العربي زروق رئيس بلدية الحاضرة والشيخ علي الشواشي الباجي الإمام الخاص لمحمد الصادق باي: بائيته الشهيرة: يا مدّعي الصدق.

2.3 الاستياء والسخط على فرض الحماية على البلاد ومحاولة تعبئة الرأي العام الإسلامي ضد الاحتلال بالتزامن مع التفكير في الاستنجاد بالباب العالي: رسالة الشيخ محمد بن الطيب النيفر ومن معه إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

3.3 عقد اجتماعات عامة تضامنية وإصدار لوائح الاحتجاج على الاحتلال إلى الباي وأبرز هذه الأشكال في الممانعة السلمية “مظاهرة البلدية” أو “جماعة البوقال” أي الحركة الاحتجاجية لسكان الحاضرة سنة 1885 المعروفة بالنازلة التونسية، وقد كان على رأسها 28 عالما في مقدمتهم الشيخ محمد السنوسي والشيخ أحمد الورتتاني والشيخ الصادق الشاهد، ممّا عرض بعضهم إلى العزل وبعضم الآخر إلى التجريد من الوظيفة والنفي. هذا بالنسبة إلى نخب الحاضرة.

4.3 تبني الكفاح المسلح عن طريق المشاركة في المقاومة أو دعمها وصولا إلى تزعمها على غرار القاضي محمد العذار والباش مفتي محمد الشافعي في صفاقس، والقاضي عبد العزيز بن يحيى والباش مفتي علي الحبيب في قابس، والقاضي محمد الكتاري في جربة، و القاضي محمد الجليطي في جرجيس، وقد كانوا يحرّضون الأهالي على مقاومة المحتل، والقاضي الجيلاني الحبيب الذي استشهد وهو يقاتل المحتلّين في معركة قابس،،، هذا بالنسبة إلى مدن الوسط والجنوب.

5.3 إخضاع العمل الإصلاحي لمقتضيات العمل الوطني وأولوياته، وسيتبلور ذلك من خلال طرح قضية استقلال البلاد في إطار الدعوة إلى “الجامعة الإسلامية”: أطروحات الشيخ صالح الشريف والشيخ إسماعيل الصفايحي ثم أطروحات الشيخ عبد العزيز الثعالبي ونشاطاته وخاصة دوره البارز في تكريس المؤسسة العالمة في شقها الإصلاحي الذي دشّنه هو في تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي وتشكيل قيادته.

4. علي الشوّاشي ذاكرة ليست للنسيان:

“يا مُدَّعي الصّدق”، قصيدة للشاعر علي الشوّاشي الباجي (ت1934) قالها على إثر إمضاء الصادق باي على معاهدة باردو في 12 ماي 1881، وهي قصيدة تسلط الأضواء على جوانب منسية من طبيعة مواقف النخب العالمة الآفاقية من حدث الاحتلال، جاء فيها قوله:
يا مُدَّعي الصدق بين العُرب و العَجَم *** لقـد تحوّلتَ من صدق إلى كـــــــذب
هل مَسّـك الضُّر ُّأو لاحت بــــــوارقُه *** على سـَمَا قصرك الموعــــود للعب
أم غرّك النـّـذلُ و استولى عليك بما *** تراه مُقتضيــا لعقلك الخــــــــــــرب
أو ضافك النّحـسُ و الأجفانُ ساهدةٌ *** فجُدت للضيــف بالخضـــرا بلا سبب
بعت الــورى للعـــــــدى بتًّا بلا ثمن *** تبّت يدا البــائع الملعـون في الكُتب
ماذا تقولُ و قــد شـُوهدت في ملإ *** كأنّ نشأتَه مـــن طيـــــــنة الغضب
مُصفّدا زائغ َالـعينين مُعتقــــــلا *** تمشي على النار مشي الخاسر الهرب
آه على سنجـــق الإسلام مزّقه *** علج من الأغبيــــــــــــاء قد باء بالغضب
لهفــي على تونـــس الغراء باكية *** يهيـــمُ أبطالـــــــــها في الأّب ّو الحطَب
هذا الشاعر المتميّز لم يكن إلا الإمام الخاص لمحمد الصادق باي في مسجده بباردو. لم تمنعه مكانته الخاصة في البلاط ومصالحه لدى أولي الأمر من الانحياز إلى الموقف الوطني الرافض للاستسلام، وقد تزعمه آنذاك العربي زروق (ت 1902) رئيس بلدية الحاضرة.
ذاع صيت الشيخ علي الشواشي ببائيته الشهيرة “يا مدّعي الصدق” في التنديد باتفاقية الحماية التي اتهم فيها الباي صراحة بالخيانة العظمى والعمالة للغزاة وبيع البلاد للأجنبي. وقد كلّف هذا البيان السياسي الصريح الشيخ الإمام ما كلفه إذ أمر محمد الصادق باي بإيقافه على الفور ووضعه في الأغلال ثم رمى به في الزندالة، وبها بقي سجينا حتى عام 1882 تاريخ وفاة الباي المذكور.

فما هي أبعاد هذه المواقف ودلالاتها؟

د. زهير بن يوسف

شاهد أيضاً

بيان من أجل وقف العدوان

زهير بن يوسف  1. العدوان على المدنيين جريمة حرب: في ظل تباطؤ دولي وعجز رسمي …

هل “تُراثنا… رأسُ مالنا”: سبيل باب العين أو كيف نبدّد مصادر ثروتنا؟

زهير بن يوسف  1. السبيل مُنشأة مائية عموميّة: تنتشر داخل النسيج العمراني العتيق في كل …

اترك رد