fbpx
الخميس , 6 مايو 2021

في الذكرى الرابعة لرحيله: محمد الطالبي رائدا للمفكرين الجُدد في الإسلام

زهير بن يوسف 

إذا كان لمشروع التأويلية الحديثة حضور بارز مع محمد الطالبي والنصوص الموارد التي أنتجها فإن لهذا الحضور جذورا في مستوى المنهج ظهرت مع عبد العزيز الثعالبي في ما سماه “القراءة الاجتماعية للنص الديني”.

1. تصدير:

النص مقدس و”التأويل” حر:
“ليس لأي مسلم، مهما بلغ علمه أن يدُعي أنّ قوله الحق المبين، ولا حق لغيره، وأن يتكلم باسم الإسلام، ولا متكلم سواه، إن الله، جل وعلا، لم يفوض ذلك إلا لرسوله المُبلُغ الأمين ويبقى القول الفصل قول الله وما صح من رسول الله”.
محمد الطالبي، أمّة الوسط ص 7.

••

2. محمد الطالبي والنصوص الموارد:

إذا كان لمشروع التأويلية الحديثة حضور بارز مع محمد الطالبي والنصوص الموارد التي أنتجها فإن لهذا الحضور جذورا في مستوى المنهج ظهرت مع عبد العزيز الثعالبي في ما سماه “القراءة الاجتماعية للنص الديني”، وتبلورت مع الطاهر الحداد المؤسس الحقيقي للمقاربة المقاصدية للنص المقدس في تمييزه بين ما جاء الإسلام به وما جاء من أجله.
ومهما يكن من أمر فإنّ هذه التأويلية تختلف عن نظيرتها القديمة في تحويلها قراءة النص القرآني من احتكار المفسر التقليدي إلى أهلية القارئ الحديث العلمية فضلا عن تحويل القراءة من الحرفية إلى المقاصدية.

3. الطالبي وثقافة الحوار:

يقول محمد الطالبي: “الحوار ثم الحوار ولا شيء غير الحوار”. ولكن “حُرّاس المعبد” لا يحاورون وإنما يُقصون، بدليل النقاش البيزنطي الذي انجر له كثير ممن يعتبرون أنفسهم زيتونيين: لا يتقنون إلا أفانين الإلغاء والإقصاء ولا حوار.
حاكموا الثعالبي قديما، ورد عليهم بكتاب “روح التحرر في القرآن”،
وقاضَوا الطاهر الحداد وردّ عليهم بالقسم التشريعي من كتابه “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع”،
ودعوا إلى إقالة الشيخ الطاهر بن عاشور من النظارة العلمية للجامع الأعظم، وتفاعل معهم بكتابه “أليس الصبح بقريب” في نقد التعليم الديني مناهج وبرامج، وهاهم إلى اليوم لا منطق لهم إلا منطق “هذه دفعة على الحساب دون أن نقرأ لك أي كتاب”؟!
أن تفكر داخل التأويلية السنية الكلاسيكية، فهذا من حقك، ولكن ليس من حق هذه التأويلية أن تصادر حق غيرها من التأويليات، سواء القديمة أو المعاصرة، رغم أنه ليس بوسعها ذلك ما استمرت تفكر بمنطق الفرقة الناجية وما يستتبع ذلك من وهم احتكار الحقيقة.

4. دين لا كهانة:

يقول محمد الطالبي:
“الحوار هو شكل من أشكال الإصغاء المتبادل دون تكتيك ولا إستراتيجيا، ودون قيود فكرية، هدفه الأساسي التعرف المباشر إلى الآخر في جو من التعاطف القائم على الثقة، ومن الانفتاح، بغاية استجلاء إمكانيات العمل المشترك عند الاقتضاء، فالحوار ليس وسيلة وإنما غاية في حد ذاته”.

• فإلى أيّ حد ارتفع الذين لم يقرؤوا محمد الطالبي إلى الحدود القيمية الإنسانية التي نزّل فيها الراحل الكبير رؤيته للمقدس الديني في وصلها بين الحقوق الأساسية للإنسان والمطلب القرآني، بين طمأنينة الضمير وحرية التفكير؟

• إلى أي مدى ارتفعوا إلى التسلّح بالحسّ النقدي التاريخي الذي يسمح لهم بمعالجة للنص الديني التأسيسي بآليات جديدة للمعرفة والاستنباط تعيد فهم الثقافة الإسلامية بآليات إنتاجها التاريخية؟

الذين لم يقرؤوا محمد الطالبي:

  • متى يقلعون عن الاسترجاع الماضي لمقولات الإسلام النمطي وتحويل الدين إلى لاهوت والفقهاء إلى كهنوت؟
  • متى يكفون عن رفض أي تفهم خارج دائرة التقليد ومشروعية الفتوى؟
  • متى يتخففون من ضيق مأسسة الدين وتقييده إلى رحاب المقاصد الكبرى للرسالة؟
  • حتى متى يستمر قصورهم عن البلوغ إلى آفاق تأويلية جديدة تتأسس على النظرة المقاصدية لتعاليم القرآن وأحكامه وعلى القراءة التاريخية للتجربة النبوية وعلى التحرر من تأويلية القدامى فقهاء ومتكلمين ولكن في إطار احترام قداسة النص التأسيسي مثلما أصرّ على ذلك الراحل محمد الطالبي؟

الذين لم يقرؤوا محمد الطالبي:

متى يتحولون من التفسير إلى التحليل.
ومن القراءة التجزيئية للنصوص الدينية إلى القراءة الموضوعية لها،
ومن الاجتهاد التراكمي لعموم الفقهاء إلى الاجتهاد النوعي للمفكرين و”العلماء”؟

5. الصراط المستقيم صراطات:

يتحدث عبد الكريم سروش عن “الصراطات المستقيمة” في إشارة منه إلى المقاربات التعددية للنص المقدس في نقد للتأويلية الأرثوذكسية التي توطد احتكار التفسير من قبل ممثليها فقهاء ومتكلمين، وهذه التعددية في واقع التاريخ ليس بدعا وإلا لما وجدنا في تفسير القرآن الكريم مثلا تفسيرا بالمنقول وآخر بالمعقول، وتفاسير سنية وأخرى شيعية وثالثة معتزلية وأخرى صوفية.
وبالرجوع إلى تفسير الرازي مثلا نلاحظ أن الرجل قد قام بما نسميه اليوم بالقراءة التاريخية للنص القرآني واستعمل في سبيل ذلك كل أدوات القرنين 6 و7 للهجرة من علم بيان وتاريخ وطب وفلك وعلوم طبيعية، فما الذي يمنعنا اليوم في دراسة الإسلام اليوم من العلوم المتاحة كلها وفي مقدمتها الأنثروبولوجيا واللسانيات.

6. من لوائح الكلام:

1.6. أزمة الاجتهاد:
“نحن في حاجة إلى خطاب ديني حضاري مقنع يقبض على طرفي الحبل: الوفاء للإرث ومواكبة التجديد والتغيير،،، يجب أن نستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وفي الوقت نفسه نعلم أبناءنا غير ما تعلمنا لأنهم خلقوا لزمان غير زماننا،،، الكون كله حركة، ومن قال حركة قال تطورا، كذلك أراده بارئه، يجب أن نعيش عصرنا أي الحركة، عيشا تاما، بل يجب أن نحركه تحريكا موجبا في نور الله ونور شمسه حتى لا يكون الظل ساكنا وألا نركن أبدا إلى سكونه، يجب أن نعيش المعاصرة بإيمان وإخلاص،،، إني لا أعتقد أن النموذج الماضوي الذي يدعو إليه بعضهم في وسعه أن يغري شباب اليوم”. محمد الطالبي، أمة الوسط، ص 25.

2.6. لست فقيها
تلك كلها كانت محاولات فكرية مني، دون أن أفرض فيها رأيي على أحد، خاصة أني لست فقيها، ولا أريد أن يتحدث عني كفقيه، لأنني مؤرخ، وهذا لا يمنع من أنني أعتقد أن للمؤرخ دوره في حل القضايا الدينية الشائكة، وإسهامه هام وأساسي لأنه يضع القضايا في أبعادها التاريخية والإناسية.
محمد الطالبي، عيال الله، ص 1.

7. رحم الله محمد الطالبي:

السلام لروح محمد الطالبي بما بثّه في صدور الأجيال من منهج في التأويل ومن اقتراب من أفق المثال في التنزيل. رحم الله محمد الطالبي:

  • بما أسس له من إسلام النقد العاري من التبرير،
  • وما دافع عنه من إسلام القيم العليا التي جاء من أجلها الوحي، إسلام “القراءة الحركية للنص التي لا تقف به عند حرفه وما يقاس عليه وإنما تسير به في اتجاهه” وهو عين ما تكون به الكرامة الإنسانية وشروط الانتظام الاجتماعي العادل.

د. زهير بن يوسف

محمد الطالبي
محمد الطالبي

شاهد أيضاً

رمضانيات: القبوريون وانتهاك الذاكرة

زهير بن يوسف  دفع بابا مخلوعا، شبه باب خال من الألوان إلا من بقايا طلاء …

رمضانيات: الختمة المهاجرة !!!

زهير بن يوسف  بالأمس القريب كان بإحدى القرى يتصفح مخطوطا، هو عبارة عن ختمة للقرآن …

اترك رد