fbpx
الخميس , 6 مايو 2021

فرنسا وعملاؤها السقوط العاجل الحتمي

أبو يعرب المرزوقي 

يمكن أن ألخص هذا العنوان في عبارتين موجزتين: لن يخرج فرنسا من أعراض الانحطاط المتواترة إلا معجزتان صارتا مستحيلتين. وببيان هذه الاستحالة أبدأ كلامي لأني لا أريد أن أجزم بشيء ليس مبنيا على أسس صلبه:

  1. فلا بد لها من ديجول جديد. وهو أمر بات مستحيلا لعلتين: إنجلترا لم تعد مهتمة بحرب قارية وفرنسا لم تعد لها مستعمرات تجند أبناءها في حماية ذاتها.
  2. أو من نابليون جديد. وهو أمر اكثر استحالة لعلتين كذلك: فرنسا لم تعد رائدة في أوروبا حتى قبله وحرب فرنسا الحالية هي على أفكار الثورة التي ساعدته.

والاستحالة الأولى يمكن اعتبارها مادية بالأساس:
لم يعد لفرنسا لا السند المادي الخارجي -لجوء ديجول إلى إنجلترا التي واصلت الحرب بعد انهيار فرنسا السريع واستسلام جل نخبها- ولم يعد لفرنسا حرية التصرف في ثروات إفريقيا وجنوب شرق آسيا ومنها جاءت القوة التي ساهمت بها فرنسا في الحرب الثانية.

والاستحالة الثانية يمكن اعتبارها روحية بالأساس:
لم تعد فرنسا مركزا لثورة مبشرة بالقيم التي هي بالجوهر قيم القرآن الكريم أي الأخوة البشرية وحصر التفاضل في احترام القانون وحماية حقوق الإنسان في ما يرد إلى المقاصد الضرورية الخمس.
وهذه القيم هي التي تريد الآن محاربتها وهي التي ستجعل ما كان محركا لفعلها الخارجي محركا للتفاعل الداخلي فيها فيكون علة الحرب الأهلية التي هي ذاهبة إليها بسرعة جنونية.
والغريب أن هذا السقوط شبه الحرب الخاطفة على الذات يتوهمه أصحابه وكانه يمكن أن يأتيهم عن طريق “جان دارك” ثانية هي مارين لوبان التي ستكون سبب خراب فرنسا لأنها غافلة عن الاستحالتين اللتين ذكرت.

مباشرة بعد عودتي من ماليزيا في بداية 2006 دعاني مركز الجاحظ لتقديم محاضرة حول أزمة الهوية. وفيها بينت أن هذه الأزمة ليست خاصة بالأمة الإسلامية بل هي كونية وهي أشد في أوروبا منها عند المسلمين.
وبينت أن حرب فرنسا على الهويات في مستعمراتها -بخلاف إنجلترا التي كانت أكثر ذكاء في استعمارها رغم أن كل استعمار دليل حقارة وعقلية شرلوكية- هي التي ستقضي عليها في الغاية لعلتين كذلك:

  1. أولا الثقافة الشعبية ببعديها أي الفنون وما يتعلق بالمائدة والسرير والرياضات البدنية بكل أنواعها وخاصة العنيف منها وكرة القدم وهي التي ستغير رؤية العالم في غالبية الشعب أي في طبقاته الدنيا والوسطى.
    فهذه هي التي تمثلها انثروبولوجية مستعمراتها وهي التي ستنتصر في النهاية ليس في أوطانها فحسب بل في فرنسا نفسها بسبب الهجرة وحاجة فرنسا للعمالة وحتى لتجديد الأجيال وهو ما ترمز إليه الأحياء الشعبية في أحواز المدن الكبرى.
    وهي أشياء شاهدتها عيانا لما كنت طالبا في باريس بين 1970 و 1974 وأعمل في نهاية الأسبوع إما في حراسة الفنادق ليلا أو المحلات نهارا أو في توزيع بعض المواد للتعريف بها مقابل ما يساعد على إتمام الشهر.
    وأذكر أني ساهمت في توزيع معجون الأسنان كولجات أول خروجه في فرنسا بما يعدل 400 فرنكا كل يوم احد. وفي تلك المناسبات تعرفت على معازل الحركيين -الجيتوات- التي يعيش فيها ما يمثل مستقبل كل قوادة فرنسا الحاليين من مستعمراتها.
  2. انتقال مراكز الثقافة العالية إلى خارج فرنسا وخاصة ألمانيا وأمريكا وانحدار مستوى البحث العلمي الفرنسي وتحول الثقافة النخبوية إلى شعبوية من جنس ما ساد بعد ما يسمى بثورة 68 والتخريب الروحي الذي سببها ثم تلاها ومنه خاصة الفلسفات العدمية من جنس “الآخر جهنم” والحرب على الأسرة وعلى التقاليد التي تحمي الكيان وتماسك الجماعة. فالوجوديات والماركسيات وحتى العيش الفوضوي للحركات التي جعلت أمراض بعض “المفكرين” إبداعا فأنهت ثقافة البحث العلمي الجدي وصار التآدب والتهريج أبداعا وما نراه في مزابل “الإبداع” في السينما العربية عامة والتونسية خاصة وفي المسرح المزعوم رياديا كل ذلك علته الخلط بين فيض الخاطر والفكر وبين الارتجال والتدبير.
    حتى عم الأمر فصارت السياسة تكتيكا دون استراتيجية تتجاوز ذنفة أنف أدعياء الزعامة. وليس بالصدفة أن صار الأعيان جلهم “زوافرية” من المهربين وباعة الفريب والمخدرات والجنس والإجرام المحلي والدولي.
    لن تجد في فرنسا بعد جيل آخر موحد للنخبة السياسية ضد النكوص إلى الفاشية من يمكن أن يعتبر رجل دولة لأن الانحطاط بدأ يدب في فرنسا منذ أن أصبح أمثال ساركوزي وماكرون يمكن أن يرأساها. وعندنا في المغرب الكبير من يتبعونهما بل ويعبدونهما.
    وعندما أقرأ ما ينتجه أدباء آخر الزمان أكاد أجزم أن كل أحمق صار يعتقد أنه شكسبير وبودلار وكل دجال يتصور نفسه فولتار وروسو وأن الرواية هي السيرة الذاتية لأي غبي وليس بحثا في أعماق النفس البشرية التي هي أكثر الأشياء غموضا.
    كلهم لا يعلمون أن هومار قد قال إن الشعر يبدأ لما يتجاوز الشاعر ذاته ولا يقتصر على قص أحوال نفسه. وفي الحقيقة فهذه الظاهرة هي من جنس ظاهرة الشعبوية السياسية
    والثقافية العامة يتصور أصحابها أن العلم لا يفكر وأن الفلسفة المتشاعرة هي الفكر الذي لا ينسى الوجود مثل التصوف. كلهم يجهلون أو يتجاهلون أن الكشف عن أغوار الموجودات هو عين تذكر الوجود وأن نسيانه علته الخلط بين فيض الخاطر والبحث في أسرار آيات الآفاق والأنفس.

ماذا بقي لفرنسا وعبيدها من الصبايحية في مستعمراتها؟ فلأذكر بأن آخر حملة فرنسية للجارد موبيل كانت أسرتي ضحية لها -كنت قريبا من إتمام العقد الأول من عمري- كانت في المعركة بين بورقيبة وابن يوسف. حوصرت أسرتي لنزع سلاحنا الذي كنا نحرس به ما بقي من ثروتنا الحيوانية.
كان لصوص الحيوانات نهارا وليلا يسرقون الأنعام وكان “الخليفة” (ما يناظر المعتمد حاليا) و”القايد” (ما يناظر الوالي حاليا) يقاسمانهم ثمرة السرقة ويساومان أصحابها على استرداد المسروقات مقابل التنازل الطوعي على نسبة مقدرة من ثمنها لو بيعت.
هذه معطيات لا يعرفها شباب اليوم رغم أن شيئا منها عاد في عهد ابن علي بعد أن صارت أسرته وأسرة ليلاه تفرضان انتزاع أملاك الناس أو مقاسمتهما إياها طوعا أو كرها. وهم يحاولون إخفاءها بالزعم إن تونس كانت أفضل قبل الثورة.

لكني عشت الوضعيتين إلى أن انتهت الحرب الأهلية بين اليوسفية والبورقيبية وإلى أن انتهت الحرب الأهلية بين ابن علي والإسلاميين.
وفي الأولى كان ما يخيفنا ليس الجيش الفرنسي -الجارد موبيل التي حاصرت بيتنا- بل ما كان يرعب أي تونسي خوفا على الأعراض من الاغتصاب هو إما الليجيون انترنجار أو خاصة “السيلغان” أي الجنود السينغاليين.
وفي الثانية كان ما يخيفنا هو الإرهاب المخابراتي الذي كان ابن علي وزبانيته يختلقه حتى ييسر ضرب الإسلاميين والأمر تكرر في بلاد العرب الأخرى وخاصة بعد الثورة. لأن داعش تبين الآن أنها كانت من صنع المخابرات المحلية والدولية حتى وإن كانت تستغل الغضب الشعبي من العدوان على الأرض والعرض. فالزرقاوي مثلا هو الذي أفشل ثورة السنة في العراق لأن حاضنتها صارت تعاني منه أكثر مما تعاني من الشيعة مثلا.

لماذا ذكرت هذه القصة وهي شبه سيرة ذاتية؟ لأنها تشير إلى ما لم يعد بوسع فرنسا استعماله: فلا يوجد سينغالي واحد اليوم يمكن أن يعتدي على أخوته خدمة لفرنسا سواء في وطنه أو في أي مكان آخر.
وليس بالصدفة أن كان للإسلام دورا رئيسيا في استئناف حرب التحرير من العبودية في أمريكا والتغلب على التمييز العنصري فيها لأن حركة الأفارقة وأحفادهم فيها استعادت حنينها إلى ما حرمت منه بالتنصير العنيف الذي لم يحررها من العبودية بل شرعنها وشرعن تصفية الهنود الحمر قبلهم.
ولم يعد لفرنسا إذا أرادت استعادة مستعمراتها التي بدأت تثور القدرة على تجنيد أبناء أي منها لغزو أي منها. فعندي من أهلي من استعملته فرنسا في فيتنام ووالدي رحمه الله فرضوا عليه أن يخدم سنة كاملة في مرسيليا في الحرب الأولى، وأختي وخالي قتلا في الحرب الثانية خلال القتال بين الألمان والأمريكان في أرضنا. وكان الجيش الفرنسي معهما وهو مؤلف من أبناء المستعمرات لأن الجيش الفرنسي في المتروبول كان تابعا لفيشي.
وأبناء فرنسا الحاليون ممن ليسوا من المستعمرات ينقسمون إلى من هم مع لوبان وهم في الغالب من الأجيال المتقدمة في السن وقد يكونوا في قيادات الجيش وليس في “التروب”
والتروب كلها من الشباب وهم في الغالب تربية جديدة لم يعد لها الحقد الاستعماري رؤية مقبولة والحرب ستكون عليهم لا بهم. لذلك فإذا استلم الشعب الفرنسي “لجان الثانية” وهي مهزلة فإنه ذاهب إلى حرب أهلية حتما.
وعملاء فرنسا سيذهبون في “العفس” لأن الحماية التي ينتظرونها من فرنسا تكون قد تبخرت وحينها لن يستطيعوا اللجوء إليها ولن يستطيعوا البقاء في أوطانهم التي خانوها فيصبحوا أذل خلق الله فعليا لأنهم من الآن هم كذلك في قرارة أنفسهم.

ومن أنذر فقد اعذر. لذلك دعوتهم لتكوين حزب كبير بعد مراجعة أنفسهم والتنافس النزيه مع المقاومين الذين حرروا البلاد من حاميتهم ولا ينكر عليهم كونهم إخوتنا في الوطن زل بهم الحساب السياسي الخاطئ ونحن ميالون إلى اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ومزية التنافس الديموقراطي الذي يكون هدفه التعارف لا التناكر سيفيد الأصالة والحداثة في آن: فنحن سننافسهم في الحداثة بما فيها من فضائل مع مقاومتنا لما نتصوروه فيها من رذائل وهم سينافسوننا في الأصالة بما فيها من فضائل مع مقاومتهم لما يتصورونه رذائل. فتكون النتيجة إيجابية في الحالتين إذ تتخلص الحداثة من قشورها ومثلها الأصالة ويكون الجامع بيننا التواصي بالحق والتواصي بالصبر في خدمة الأمة والإنسانية.

وتلك هي حقيقة الرؤية الإسلامية التي أمرنا القرآن فيها بإرجاء الحسم في الغيبيات الدينية إلى يوم الدين. ولولا ذلك لما فهمنا علة أن يتضمن دستور الرسول حلفا بين المسلمين واليهود وحتى الوثنيين من العرب لحصر العلاقة في الرعاية والحماية وترك المعتقدات بين الإنسان وربه.
ولهذه العلة فالدولة ذات المرجعية الإسلامية بالمبدأ وبالممارسة هي الوحيدة في التاريخ الإنساني التي نصها المقدس يفرض عليها حماية كل الأديان (2 منزلان و2 طبيعيان كما هو بين من البقرة 62 والمائدة 69) بل ويقدم حماية المعابد غير الإسلامية على حماية الإسلامية كما هو معلوم.
ولهذه العلة فالبلقان مثلا بقي خمسة قرون في الخلافة ولم تهدم كنيسة ولا بيعة في حين أي بلد استعمره الغرب لم يبق فيه إلا المسيحية ناهيك عن شعب يعتبر التواصل مع الله حكرا عليه لأنه شعبه المختار.

ذلك هو مستقبل الإنسانية: إنه التطبيق الفعلي لشروط الاستثناء من الخسر التي تنطبق على أي جماعة تريد حياة سلمية اعني الوعي بأن الإخلاد إلى الأرض يؤدي إلى الخسر وأن الخروج منه هو التعالي بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وتلك هي شروط تطبيق معنى الأخوة البشرة (النساء 1) والمساواة بين البشر (الحجرات 13) حيث لا يعرف الإنسان بما يمكن أن يؤدي إلى الحرب بل بما يؤدي إلى السلم أي التعارف معرفة ومعروفا بدلا من التناكر تنكرا ونكرانا.

شاهد أيضاً

لئلا تكون صيحة في واد

أبو يعرب المرزوقي  لم يعد للجدال العقلي مع الإنقلابيين معنى: أولا هم مروا إلى الفعل …

مسلم إسلامي انزياح المعاني لنفس المباني

أبو يعرب المرزوقي  المحير حقا في نخب العرب التناسب العكسي بين هزال الأذهان وتضخم الأعيان …

اترك رد