fbpx
الخميس , 6 مايو 2021

عين البيّة

عبد اللطيف علوي 

أخذني الفضول إلى البئر الجديدة، البئر الّتي حفرت منذ مدّة في مكان العين الّتي أرضعتنا منذ عشرات السّنين، وأعطت اسمها لقريتنا، مثلما أعطتها سرّ الحياة منذ زمن بعيد.
ظلّت “عين البيّة” لسنوات وعقود طويلة، قلب الدّوّار النّابض وسرّة القرية، وثديها المشاع، ثديها الّذي ترضع منه كلّ البيوت والقرى المجاورة على امتداد البصر. ترضع منه كذلك المواشي وسواني الفلفل والطّماطم القريبة، وأحواض الثّوم والبصل والخضر الورقيّة، الّتي تبدأ في الانتشار مع أوائل كلّ صيف، تجاور المنازل أو تحاذي الثّنايا الضّيّقة المتعرّجة في أرض تنحدر كلّما ابتعدت عن العين تلقائيّا ورويدا رويدا، انحدارا رفيقا سلسا، كأنّ الخالق قد بدأ بتفجير العين في اليوم الأوّل، ثمّ تفرّغ في باقي الأيّام إلى ما حولها من تضاريس المكان، فسوّاها وبسطها بميزان، ثمّ أمالها قليلا لتبقى خفيضة ضارعة، ترفع إليها عين الرّجاء، فينسرب الماء عبر السّواقي والقنوات الصّغيرة إلى أطرافها وحواشيها، وينفذ إلى أحشائها المتيبّسة، فترتخي وتلين وتهتزّ وتربو ثمّ تنبت من كلّ زوجين.

ثلاثية سيرة الثورة
ثلاثية سيرة الثورة

عشرات المنازل تتناثر هنا وهناك، تتجمّع حينا وتتفرّق حينا، يعتاش أهلها ممّا تعوّدوا أن يزرعوه عاما بعد عام، ولا يكاد يتغيّر بين موسم وآخر، قمح وشعير وشيء من البقول، حمّص وفول وحِلْبة، كانت سوق الحلبة الطّريّة وجبتنا المفضّلة نحن الصّغار، وكنّا نقضي اليوم كلّه في اللّعب في المروج وداخل أجنّة الزّيتون، نقطع الوقت الطّويل ولا يقطعنا، نتحسّس كلّ ما يخرج من الأرض وما يدبّ فوقها، وحين يداهمنا الجوع، لم يكن أسهل علينا من أن نملأ بطوننا بكلّ ما يرضينا، مائدة الله منصوبة حولنا بلا حرّاس ولا حجّاب، رغم صغرنا حفظنا كلّ أسماء العساليج البرّيّة وخبرنا طعمها ومذاقها، “الحُرّيشة” و”التّالمة” و”التّيفاف” و”كرع دجاجة” و”بزّولة نعجة” و”خوخ جمل” و”البوحليبة” و”مُغزِل اليتيمة”، والتّوت البرّيّ، حتّى سنابل الشّعير الخضراء كنّا نشويها على النّار شيّا خفيفا، ثمّ نفركها بين أيدينا وننفخ عليها فيتطاير السّفا منها وتبقى الحبيبات ناعمة طريّة، نلتقطها من الأكفّ بألسنتنا ونتلذّذ طعمها المحبّب ونحن نمضغها كالعلكة تحت أسناننا.

أيّام العطل، كانت الحقول والمراعي جنّتنا الّتي نرتع فيها من الصّباح إلى المساء، نتحوّل إلى نباتيّين بالكامل، نرعى مع المواشي حيثما ترعى، فتصطبغ شفاهنا بالأخضر الرّصاصيّ، ولا نعود إلى البيت إلاّ وقد امتلأت بطوننا وعيوننا وقلوبنا وتشبّعت كلّ حواسّنا، ننام على رُكَبِ جدّاتنا وأمّهاتنا، أو أخواتنا الكبريات، وقد نستلقي على “السِّدّة” أجسادا بلا أرواح، فقد كنّا نترك أرواحنا معلّقة في أشجار الزّيتون والتّفّاح والمشمش، أو معقودة بزهرات النّرجس وشقاشق النّعمان.

لم يكن يبدو لي سكّان الدّوّار فلاّحين بما أحمله من صورة عن الفلاّحين، من خلال كتب القراءة للسّنوات الأولى… فقد كانت صورة الفلاّح في ذهني لا تستقيم بغير مظلّة من السّعف على رأسه ووجه نحاسيّ صهدته الشّمس، وابتسامة خفيفة موزونة تحت شاربين كثّين أسودين. وفوق ذلك كلّه كنت أتخيّل الفلاّح جزءا من الأرض، مخلوقا منها، حفنة من ترابها تتجمّع في الصّباح كما يولد أبطال الأساطير الإغريقيّة وتتشكّل جذعا فرأسا فأطرافا، يشتغل يوما كاملا من الشّروق إلى الغروب، وفي اللّيل يتحلّل جسده ويعود ترابا ينام على خدّها ويرتاح حتّى تشرق الشّمس من جديد.

لكنّ فلاّحي قريتنا كانوا لا يردون حقولهم إلاّ عابرين، أو في أوقات الزّرع أو الحصاد، أمّا الفترة الغالبة من النّهار، فقد كانوا يقضونها إمّا في النّوم، أو في لعب الورق لساعات وساعات في حانوت “ولد العبادلي”.

الحقيقة أنّ الجزء الأكبر من رجال قريتنا كانوا يشتغلون في منجم الرّصاص، ولذلك اكتسبوا نوعا من بورجوازيّة الموظّف الحكوميّ، المطمئنّ إلى راتبه آخر الشّهر، ولم يعد خراجهم من الأرض مسألة حياة أو موت… النّسوة وحدهنّ حافظن على عهد البقاء مع الأرض والمواشي والدّواجن، في حين صار للرّجال عالمهم الآخر، المليء بالثّرثرة والفراغ واللاّمبالاة.

بعض الفلاّحين كانوا يزرعون العدس أيضا في مواطن التّربة الفضفاضة الخصيبة، نفس المزروعات تتكرّر صاغرا عن كابر، وقلّما يتجدّد المشهد العامّ. وجهاء القرية يربّون الأبقار ويبنون لها إسطبلات ضيّقة، وقد يربّي بعضهم حصانا أو فرسا لغاية الوجاهة لا أكثر، فلا تعرف الخيول في القرية باستعمالها في خدمة الأرض، ولا في التّنقّل إلاّ نادرا، لكنّ أهل القرية يقدّرون الأحصنة تقديرا خاصّا، ويعتبرونها منزلة أرقى في سلّم الحيوانات، ولم أكن أجد حقيقة ما يبرّر ذلك، فقد مضى زمن الفرسان، ولم يكن في حياتنا أيّ شيء يوحي باستعادته ولو بشكل فولكلوريّ استعراضيّ. كانوا يحرصون على أن ينظّفوا مرابضها كلّ يوم، ويعلفوها بعناية ويغسلوها قرب العين أو البئر في نوع من التّباهي المبالغ فيه، وكانوا يربّتون على أكتافها وأكفالها بلطف لا يبدونه تجاه الحمير أو البغال، ولا يتأخّرون عن تبديل صفائحها عند “الصّكّوحي” كلّما اهترأت أو تآكلت.

ربّما كان ذلك يعود إلى بعض تقاليد القرية الضّاربة في القدم، ومنها زردة صالح البلطيّ، حيث يعيش سكّان القرية والقرى المجاورة في نهاية كلّ صيف، ثلاثة أيّام على وقع الاحتفال بالوليّ الصّالح، تعمر الطّرقات الصّاعدة إلى الجامع وتصبح سوقا مفتوحة لكلّ أنواع الحلوى والبخور والأواني والمواعين والأقمشة ولعب الأطفال، ويبقى الحدث الأبرز طيلة تلك الأيّام هو ألعاب الفروسيّة الّتي يتناوب عليها فرسان يأتون بأحصنتهم المدرّبة من كلّ أطراف الولاية، كان النّاس يحفظون أسماء الخيول ولا يحفظون أسماء الفرسان، تلهج ألسنتهم بوصف الحصان “نوّار” وذكر فضائله وما يتميّز به عن “سهم” و”شيراز”، ويتفرّع الحديث إلى أجناس الخيل وأنواعها وقصصها المأثورة مع الصّحابة والسّابقين.

وعلى خلاف الحظوة الّتي كان يتمتّع بها الحصان، وهو لا يفعل شيئا سوى الأكل والنّوم والتجمّل والانتظار، كان الحمار في قريتنا حيوانا كتوما، وحزينا جدّا…
لم أكن أستطيع أن أنظر في عينيه، كان يوجعني كثيرا صمته وانتكاسه واستسلامه الكامل إلى قانون الألم الّذي فرض عليه دون سواه.
لا يغنم الحمار من حياته كلّها، إلاّ أيّاما قليلة، حين يكون جحشا، يكون له شكل الغزال وحجمه، لا شيء كان يضاهيه جمالا ومرحا ودلالا في تلك الأيّام، بقوائمه الطّويلة الرّشيقة، وعينيه الواسعتين الصّافيتين اللّتين تطوّقهما هالة بيضاء كبيرة، وأذنيه الدّقيقتين المنتصبتين بغرور، وذيله القصير الرّفّاف ووبره النّاعم الشّديد السّواد على الظّهر ثمّ يتدرّج نحو البياض الشّاحب أسفل البطن، وبخفّته وبتحرّره الكامل، لا شيء كان يضاهيه في عيوننا نحن الصّغار، وحتّى في عيون الكبار.

كنّا نستمتع بالنّظر الطّويل إليه وهو يقفز وينطّ في حركة شبه فوضويّة كأنّه يرقص على إيقاع لا يسمعه سواه، تهتزّ قوائمه على الأرض اهتزازا كأنّها أصابع رشيقة تنقر على البيانو، وتنبعث يمينا أو يسارا أو إلى الأمام أو إلى الخلف بشكل مفاجئ، والسّعيد منّا من كان يظفر بلمسة من رأسه أو تربيتة على كتفه أو ظهره، كان يغرينا بالاقتراب منه قليلا وهو يرقبنا بطرف عينه في مكر وشقاوة، وما أن توشك أيدينا أن تلامسه حتّى يندفع قافزا متلفّتا إلينا بمرح ساخر، كالغانية اللّعوب.

بعد أشهر قليلة ينعقد اللّجام حول رأسه ويلتوي، ويوما بعد يوم، يترك أثره محفورا في الجلد، وتبدأ ملامح التّغيّر تظهر عليه، ومع مرور الشّتاء يكون ظهره قد اكتسى بشعر بنّيّ طويل ملبّد يميل إلى الحمرة كظهور الجواميس الوحشيّة، ويكون رأسه قد بدأ يثقل وينحني إلى الأسفل وأذناه قد استطالتا وتراختا على الجانبين، يظهر عليه شيء من الاكتئاب المبكّر، فيقلّ التفاته وتبرد عيناه وتصبح رقصاته نوسانا ذليلا وخطواته حرونة يائسة، وينزل إلى معترك الشّقاء في رحلة لا تنتهي إلاّ بالموت وحيدا في شيخوخة قاسية.

لم أنتبه إلى كلّ ذلك في البداية، فقد كان أبي يشتري الحمار كهلا وقد تطبّع بكلّ ما أريد له، وفقد كلّ رغبة في الحياة، حتّى اشترى يوما أتانا عشراء (حامل)، وشهدت مولده ورأيت حياته أمامي بالعرض البطيء وهي تتدحرج بشكل تراجيديّ إلى اللّحظة الّتي مات فيها كسيحا وحيدا في إحدى الشّعاب هزيلا التصق جلده بضلوعه، وتكدّس فوقه الذّباب لأيّام، ينقر عينيه وأذنيه ومواضع الدّبر الكثيرة المتقيّحة على ظهره، في أيّامه الأخيرة قال أبي بلا مبالاة: “لم يعد منه رجاء… جرّوه إلى الشّعبة واتركوه هناك حتّى تخلص روحه”!

لا أستطيع اليوم أن أكون محايدا تجاه هذا الطّوفان الجارف من الأحاسيس والذّكريات، اختلط كلّ شيء بكلّ شيء، وتغيّر النّاس والأرض والزّمن.
في مكان العين صارت هناك بئر عميقة مجهّزة بمضخّة عملاقة، وبالقرب منها ضيعة كبرى تكوّنت فجأة على الطّريقة الهوليوديّة، لم يعرف أحد ولم يفهم كيف حدث ذلك. أفاق الجميع ذات صباح، فوجدوا لعين البيّة وجها غير الّذي ألفوه.

يقول البعض إنّ أحد أرباب المافيا وتجّار المخدّرات الإيطاليين هو من يقف وراء ذلك التّدفّق المريب للمال، ويزعم آخرون أنّهم سمعوا حثيث خطى ورأوا أشباحا تحفر الجبل في اللّيل، كان ذلك مؤشّرا على أنّ تجّار الآثار والمهرّبين قد وجدوا الطّريق إلى “عين البيّة”، هناك حيث “الغريفات السّبعة” و”رقود العين” والقبور الرّومانيّة الّتي يزعم من يزعم أنّها تحتوي على كنوز مدفونة تكفي لحمل عشرة جمال، بعضهم قال إنّ السّرّ كلّه يكمن في النّفق الّذي يربط “عين البيّة” ببلاّريجيا، ذلك النّفق الّذي ما يزال إلى اليوم لغزا غامضا لا أحد دخل إليه وخرج بعدها.

غير أنّ الرّواية الّتي يتهامس بها الجميع في سرّهم ولا أحد يجرؤ على أن يذكرها في العلن، أنّ “نجلاء بنت الذّيب” هي مجرّد واجهة لأحد الطّرابلسيّة الكبار، أصهار بن علي الّذين استباحوا البلاد طولا وعرضا واغتصبوا أرزاق النّاس وسيطروا على كلّ عصب حيّ في البلاد.

لم تكن نجلاء شيئا يذكر، فقد عرفتها منذ الصّغر، أيّام درست معي في المدرسة الابتدائيّة لكنّها لم تنجح ولم تكمل دراستها. أبوها “سلومة الذّيب” رجل أمّيّ فقير يملك قطعة أرض صغيرة بنى عليها بيتا لا يلفت الانتباه. آخر عهدي بها كان منذ ثماني سنوات، في بداية الألفين، ويقول النّاس إنّها تركت القرية مع أحد إخوتها إلى العاصمة، ولم تظهر إلاّ منذ سنتين، لكنّ ظهورها قلب حال القرية رأسا على عقب.

عادت البنت الضّالّة في موكب لم ير النّاس له مثيلا إلاّ في المواكب الرّسميّة أو شبه الرّسميّة، سيّارة سوداء فخمة رباعيّة الدّفع من آخر طراز، وأخرى تتقدّمها وبها اثنان من الحرّاس الشّخصيّين. مشهد سنمائيّ غريب لم تتعوّد عليه القرية، وبعد أيّام قليلة بدأت الأشغال في القرية لبناء فيلاّ واسعة بحديقة كبرى مسيّجة ومسبح، ثمّ راحت تشتري الأرض من الفلاّحين القطعة تلو الأخرى، وسيّجت مساحة شاسعة مهملة كان النّاس يسمّونها “الفيرمة” ويقولون عنها إنّها أرض الدّولة، وقد ظلّت لعشرات السّنين مهملة يرعى فيها الفلاّحون في مواسم الرّعي، لكنّه لم يفكّر أحد يوما أن يستغلّها لفائدته أو يضع يده عليها.

بنت اسطبلا كبيرا يتّسع لعشرات الأبقار الهولنديّة، وأقامت مزرعة لتربية الخيول وبساتين من الأشجار المثمرة، خوخ وتفّاح وإجّاص وعنب وفراولو، وبنت مستودعا كبيرا لتبريد الغلال وحفظها قبل التّصدير، وبين عشيّة وضحاها صار أغلب السّكّان يشتغلون عندها بأجور زهيدة وبلا أيّة ضمانات، وكأنّهم عبيد في مزارع القطن. وتغيّر المجال القديم تماما، صار الكثيرون لا يستطيعون المرور إلى بيوتهم أو حقولهم إلاّ عبر مسالك التوائيّة متشعّبة، وفقدوا مورد الماء الوحيد الّذي كان الجميع يسقون منه ويستقون.

منذ اليوم الأوّل لاحظ الجميع أنّ لها سلطة كاملة على الجميع، العمدة والسّكّان وحرس المنطقة ولم يسلم منها حتّى قوّادو الشّعبة الّذين كانوا يظنّون أنّهم اكتسبوا حصانة كاملة. يذكر الأهالي أنّها اغتصبت جزءا من أرض “مبروك الأجنف” لتجعله ممرّا لسيّارتها، وأنّه حاول أن يتصدّى لها فأطلقت عليه حرّاسها فضربوه وأهانوه أمام الجميع، ولمّا ذهب إلى الحرس قالوا له:
ـ لا نستطيع أن نفعل لك شيئا، ننصحك أن تسوّي الأمر معها بشكل ودّيّ فقد تحصل منها على تعويض مناسب. أمّا إذا فكّرت في غير ذلك، فسوف تتعب كثيرا ولن تنال شيئا.

لم يكن أحد يعرف عنها شيئا سوى أنّها “واصلة”، وهذا يعني أنّ لها علاقات ومصالح مع أعلى المسؤولين في الدّولة، أو مع عائلة الرّئيس وأصهاره. الغريب أنّ شابّا من أهل القرية أخبرهم أنّه رآها ذات ليلة خارجة من “مقهى بار” في البحيرة تترنّح على كتف أحد أصهار الرّئيس، ثمّ امتطت معه السّيّارة، هذا الشّابّ لفّقت له تهمة سرقة بعض المواشي وزجّ به في السّجن.
صار الجميع يتحدّثون عن إمبراطورية نجلاء، حتّى أنّ أحد الظّرفاء اقترح أن نغيّر اسم القرية من “عين البيّة” إلى “عين نجلاء”.

كان أهل القرية يعتقدون بكثير من الاعتزاز أنّ تسمية العين بذلك الاسم، تعود إلى ما قبل مائة سنة، حيث كان موكب الباي مارّا ذات صيف بعيد بالمكان وكان الطّقس شديد الحرارة، عطشت ابنته عطشا شديدا وأصابها من الحرّ ما لا تطيق فاشتكت حالها لأبيها، نظر الباي حوله فرأى عشبا أخضر ناجما في ذلك المكان، فأمر جنوده بأن يحفروا حتّى انبجس الماء، وأحاطوه بتلك الحجارة الضّخمة، ثمّ فرشوه بالحصى ونزلت بنت الباي لتشرب وتتبرّد. وتروي الحكاية أنّ الجند أقاموا حول العين حلقة دائريّة محكمة الإغلاق وهم يقابلونها بظهورهم ويلتفتون جميعا إلى الجهة الأخرى، فتخفّفت ابنة الباي من ثيابها وتبرّدت وارتوت دون أن يراها أحد، ثمّ ارتدت ملابسها وعادت إلى الموكب، عندئذ نادى الباي كبار القرية، وأمرهم بأن يغيّروا اسمها فتصبح “عين البيّة”.

اليوم صار لهذه القرية “بيّة” جديدة، حفرت مكان العين بئرا عميقا وجهّزته بمضخّة عملاقة، لكنّ الفرق بين أسطورة الماضي وكابوس الحاضر، أنّ ابنة الباي تركت لأهل القرية نبعا من الماء يروي عطشها جيلا بعد جيل، أمّا “بيّة” الطّرابلسيّة فقد جاءت بالعطش للنّاس وللحيوان والنّبات، جاءت لتستأثر بالعين مثل أفعى شيطانيّة قاتلة، وحوّلت كلّ شيء إلى ملكيّة خاصّة بقوّة الدّولة وتحت رعايتها الكاملة.

في اليوم الموالي سلكنا إلى محطّة النّقل الرّيفيّ كي نعود إلى تونس. وبينما نحن نصعد في الطّريق، أدركتنا السّيّارة السّوداء، فتوقّفت إلى جانبنا، وبضغطة زرّ أخذ البلّور المضبّب ينزل رويدا رويدا كما يحدث في الأفلام تماما، ثمّ ظهرت نجلاء كما لم أعرفها يوما، لوحة زيتيّة متنقّلة كما لو أنّها خضعت لعمليّة تحوّل جينيّ كامل. رفعت نظّاراتها لتثّبتها على شعرها وألقت على فدوى نظرة خاطفة بطرف العين، ثمّ رسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة وقالت:
ـ مرحبا خالد. هل تريد أن نوصلكم في طريقنا؟
رددت عليها بابتسامة مصطنعة:
ـ شكرا… طريقنا ليس واحدا!

من رواية “أسوار الجنة” || عبد اللطيف علوي

شاهد أيضاً

رئيس جمهورية الكتلة الديمقراطية

عبد اللطيف علوي  إنجازه الوحيد هو التّسلّي بتحويل المفاهيم، عن طريق لعبة تركيب الكلمات وتفكيكها …

داداك عيشه راجل!

عبد اللطيف علوي  عندما كنت صغيرا، لم أكن أجد سهولة في أن أصنّفها مع النّساء… …

اترك رد