fbpx
الخميس , 6 مايو 2021

لا تسل عن العبد بل اسأل عن سيده

ناجي خويلدي

رغم التحولات العميقة التي يعرفها العالم نتيجة ثورة الاتصالات والنقل خاصة، وتحوله إلى قرية في اطار العولمة، لا يزال العقل السياسي الاستعماري الفرنسي مرتبطا ارتباطا وثيقا في علاقاته الدولية ببلدان الجنوب بمرجعية رجعية عنصرية ترجع إلى القرن 19م،

جول فيري عراب الاستعمار الفرنسي
جول فيري عراب الاستعمار الفرنسي

وتستمد أسسها من مهندس السياسة الاستعمارية الفرنسية أنذاك “جول فيري” (سياسي ووزير فرنسي ولد في 5 أفريل 1832 ومات 17 مارس 1893)، والتي تتلخص في ضرورة استعمار الشعوب خارج الفضاء الأوروبي في إطار “واجب الرجل الأبيض الأوروبي المتحضر تجاه الشعوب الأخرى غير المتحضرة”. وقد حددت هذه الأسس طبيعة الاستعمار الفرنسي ليصنف ضمن ما يسمى بالاستعمار اللاتيني في مقابل الاستعمار الأنجلوسكسوني الذي تتزعمه بريطانيا. فإذا كان الاستعمار الأنجلوسكسوني يركز على كل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالاقتصاد، فإن الاستعمار اللاتيني يركز على التنميط أو المماثلة الحضارية بالتوازي مع الجانب الاقتصادي، أي التركيز على الإنسان في بنيته الذهنية في كل أبعادها قصد التحكم في كل ما له علاقة بالهوية لفرض النمط الحضاري الغربي بالقوة، وكل من يعترض على ذلك فهو بالضرورة عدو وجبت إبادته لأنه لا يستحق الحياة باعتباره عائقا أمام انتشار الحضارة.

وقد طبقت هذا النوع من الاستعمار كل من إسبانيا والبرتغال منذ القرن 16م في القارة الأمريكية ضد السكان الأصليين من الهنود الحمر والأفارقة بمعاملتهم كعبيد وطاقة عمل وإنتاج في مزارع قصب السكر ومناجم الذهب والفضة، وارتكبت في حقهم جميعا حروب إبادة ومجازر مازالت تأثيراتها تعتمل إلى الآن، وطبقته أيضا فرنسا في الجزائر منذ سنة 1830 وفي مستعمراتها بشرق آسيا وإفريقيا ومنها تونس منذ سنة 1881، ومازالت مصرة إلى الآن وهنا على تطبيقه عبر وظيفيها لنحاحها في المحافظة على نفوذها في مفاصل الدولة والاقتصاد والسياسة من خلال عملية الربط السياسي والاقتصادي التي أحسنت ضبطها عبر الاتفاقيات التي عوضت بها الاستعمار المباشر في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل اتفاقية الاستقلال الداخلي لسنة 1955، وبرتوكول 1956 واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995 في إطار الهيمنة المطلقة للنيوليبرالية على العالم.

وازداد هذا التطبيق شراسة مع اندلاع ثورة الحرية والكرامة، ومحاولات إجهاضها المتكررة بهندسة سياسية دقيقة ومركزة، مكنت المنظومة القديمة من الهيمنة على سلطة القرار وبالمنجز الثوري المتمثل في الانتخابات سنة 2014 لتمارس التعطيل الممنهج للمسار الثوري، ومن مصادرة أحد رأسي السلطة التنفيذية متمثل في مؤسسة الرئاسة في انتخابات سنة 2019 وبنفس المنجز الثوري لمواصلة ذلك التعطيل وبأكثر بشاعة.

كما تشتغل أيضا على تقسيم المجتمع والأحزاب والمنظمات الاجتماعية وحتى الجمعيات تقسيما عموديا مدمرا بالإعلاء من جدل الهوية والنفخ في مواضيع لا علاقة لها بالمشاغل الحارقة للتونسيين، فيصبح من هذا المنظور مصير الأحزاب السياسية التي تحتوي برامجها أبعادا هووية الإبادة مثلما وقع للهنود الحمر، وتستعمل الأحزاب الأخرى، من حيث أرادت أم لم ترد، كأدوات لتعكير المناخ السياسي وإعاقة المسار الثوري خدمة لمرحلة معينة ثم تترك لمصيرها تشق طريقها نحو مزبلة التاريخ بعد استنفاذ رصيدها النضالي بالنسبة للأحزاب التي كانت محسوبة على الثورة.

وقد استخدمت لتحقيق ذلك مجموعات من الوظيفيين موزعة في شكل أجنحة متنوعة لكنها متكاملة، منها السياسي والإعلامي، والأمني، وحتى الأكاديمي، هدفها تطويع العقول بقصفها يوميا وبشكل ممنهج، وممارسة الخنق الاقتصادي، مستغلة وزنها كثاني قوة مؤثرة بعد ألمانيا في الاتحاد الأوروبي الذي تربطنا به اتفاقية الشراكة غير المتكافئة، وذلك لخلق شعور جمعي باليأس والنفور من السياسة وترذيلها كشخوص، ووعي، وفعل، ومؤسسات في إطار مسار ثوري على رمال متحركة إقليميا ودوليا، وتوسيع الهوة بين الدولة والمجتمع لبلوغ حالة يحاول فيها كل واحد منهما نفي الآخر بالقوة، وبالتالي تهيئة الأرضية والمناخات المناسبة للرجوع إلى مربع الاستبداد، وحكم الزعيم الواحد الأوحد، والحاكم بأمره، أو الوظيف الواحد الماسك بكل السلطات وسهل الانقياد.

لكنها لن تفلح في ذلك، فعشر سنوات من الثورة قدم فيها شعبنا العظيم المئات من الشهداء من مختلف الفئات والجهات، والكثير من التضحيات والمعاناة في مواجهة الثورة المضادة المتكاتفة إقليميا ودوليا ومحليا من خلال الوظيفيين، وراكم خلالها الخبرة والإدراك العميق، جعلته قادرا على مواصلة مواجهتها وإحباط كل مخططاتها مهما عظمت، وهو المصر الآن أكثر من أي وقت مضى على الدفع بمسار ثورته وتحديد مسارها حسب ما يريده واقعا لا شعارا. واستكمالا فعليا -بعيدا عن المواربة- لاستحقاقاتها الدستورية منها، والاقتصادية، والاجتماعية الضامنة للحرية والكرامة والسيادة الوطنية. وكل وظيف مآله مزبلة التاريخ بمجرد انتهاء صلاحيته بالنسبة لـ “ماما فرانسا”، ولنا في الطريقة التي تخلصت بها من رئيس التشاد إدريس دبي آخر مثال ولن يكون المثال الأخير، فالوظيفيون لدينا وفي إفريقيا كثر ومسار الثورة وارتداداته مستمر.

وعلى العقل الاستعماري الماسك بسلطة القرار في فرنسا والمحدد لعلاقاتها الخارجية، التخلص من القراءة أحادية الزاوية للتاريخ في مختلف مراحله لفهم الحاضر، فالزمن غير الزمن، وإرساء دولة القانون والمؤسسات في تونس، وفي كل بلدان الجنوب، وفي عالم أصبح قرية هو الضامن الوحيد للحرية والكرامة والسيادة مثلما ورد في “إعلان حقوق الإنسان والمواطن” في 26 أوت 1789 أثناء الثورة الفرنسية، وهو الضامن أيضا لتبادل المنافع لمختلف الشعوب في إطار الاحترام المتبادل للسيادة بعيدا عن نظرية صراع الهويات المدمر للجميع والذي ينفخ في نيرانه اليمين الشعبوي المتطرف في الغرب.

اترك رد