fbpx
الثلاثاء , 13 أبريل 2021

الرسالة ووضع البطة العرجاء

صالح التيزاوي 

كما كان متوقّعا أعاد رئيس الجمهوريّة مشروع قانون المحكمة الدستورية المنقّح إلى مجلس نوّاب الشّعب، إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا وفي إطار الدّستور (مدار التّأويل) في غياب المحكمة الدستورية.

ولكن بالنّطر إلى محتوى الرّسالة، يبدو أن الرفض يتّجه إلى المحكمة الدستورية أصلا بحجّة انقضاء الآجال المسموح بها لتركيزها. فهل يعني ذلك أنّ المحكمة الدستورية أصبح تركيزها في حكم الإستحالة وأصبحت الدّيمقراطيّة النّاشئة في تونس “بطّة عرجاء”.. جدير بالذّكر أنّ مصطلح “البطّة العرجاء”، يطلق في الولايات المتّحدة الأمريكيّة على الرّئيس في آخر ولايته الإنتخابيّة وقبيل تنصيب الرّئيس الجديد، حيث يمارس مهامّه دون تأثير يذكر. وفي الحالة التّونسيّة، وفي غياب المحكمة الدستورية وتضاؤل الآمال في تركيزها، تبقى الدّيمقراطيّة النّاشئة غير مكتملة الأركان، لأنّه لا ديمقراطيّة حقيقة وراسخة في غياب المحكمة الدستورية.

من النّاحية الشّكليّة، فإنّ الرّسالة الموجّهة لرئيس مجلس نوّاب الشّعب، أعادت إلى الأذهان نشأة التّراسل في القرن الثاني للهجرة على يد “عبد الحميد الكاتب”، وقد كان في طليعة الكتّاب والمترسّلين باللّغة العربيّة وإن كان من أصل فارسي. وكان قد وضع قواعد لفنّ التّراسل في رسالة توجّه بها إلى كتّاب الدّواوين، حيث دعاهم إلى اجتناب “السّعاية (السّعي بالشّرّ)
والنّميمة وترك الكبر والسّخف لكون ذلك يجلب العداوة من غير سبب”.

أمّا من النّاحية المضمونيّة فإنّ الرّسالة وبصرف النّظر عن غرابة الإستهلال والإختتام، فإن أخطر ما فيها ليس ردّ مشروع القانون إلى مجلس نواب الشّعب وإنّما خلفيّة الرّدّ… جاء في أسباب الرّفض، أن الآجال التي أقرّها الدّستور لتركيز المحكمة الدستورية، قد انقضت!! وهذا تأويل ترفضه تأويلات مضادّة. فهل معنى ذلك أنّه لم يعد بالإمكان تركيزها؟ ولن يكون ذلك بالإمكان إلّا بتعديل الدّستور، وبما أنّ تعديل الدّستور لن يكون ممكنا في غياب المحكمة الدستورية، فهذا يعنى أنّ البلاد ودستورها وانتقالها الديمقراطي ومؤسّساتها حكمت الرّسالة (ولا رادّ لحكمها) بأن يكون حال الجميع حال “البطّة العرجاء”.

وأمّا من النّاحية العلميّة، فإنّ التّعليق على مقترحات التْعديل بأنْها غير بريئة، وقد تعبّر عن نوايا غير بريئة، فهذا لا دليل عليه، لأنّ النَّوايا، لا يعلمها إلّا علّام الغيوب، وتفسير الوقائع بالنّوايا، فيه مجانبة كبيرة للعلم. لا يبدو الخوف من ممارسة البرلمان حقّه في انتخاب ثلث أعضاء المحكمة الدّستوريّة مبرّرا ومنطقيّا، لأنّ هذا الثّلث حتى وإن سلّمنا بوجود نوايا غير بريئة، لا يؤثّر في تركيبة المحكمة ولن يكون طريقا لتركيز محكمة على القياس، مادام الثّلث الثّاني بيد رئيس الدّولة والثّلث الآخر بيد المجلس الأعلى للقضاء. وليس لأحد القول (من خلال ممارس حقّهما الدّستوري) بأنّهما يريدان محكمة على القياس.

شاهد أيضاً

ثقافة “التّركيح”

صالح التيزاوي  يبدو أنّ المبدعة “اللايدي سمارا”، قد دشّنت عصرا جديدا من الثقافة، إنّها “ثقافة …

أنا الدولة و الدولة أنا…

عبد القادر الونيسي  لو أرهفنا السمع عند مرورنا أمام قصر قرطاج لسمعنا صدى مقولة لويس …

اترك رد