fbpx
الثلاثاء , 13 أبريل 2021

القاضي الذي أمضى على الاتفاقية السرية: “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم” (وثائق)

اسطرلاب / خاص

«Quand c’est flou, c’est qu’il y a un loup»
Martine Aubry

تحصلت منظمة أنا يقظ على الاتفاقية الممضاة بين الحكومة ونقابة القضاة التونسيين واتحاد القضاة الإداريين واتحاد قضاة محكمة المحاسبات بتاريخ 24 ديسمبر 2020 وذلك عن طريق مطلب نفاذ للمعلومة توجهت به لوزارة العدل بتاريخ 10 فيفري 2021

وطالما دعت منظمة أنا يقظ الى الكشف عن محتوى هذه الاتفاقية التي وصفتها بـ »السرية» مستغربة عدم نشر مضمونها بصفة تلقائية سواء من قبل الحكومة أو الهياكل القضائية

وذكّرت المنظمة في بلاغ صادر عنها يوم الخميس 2 أفريل أن حق النفاذ الى معلومة حق دستوري بمقتضى الفصل 32 من دستور الجمهورية التونسية (انظر أدناه في الصورة رقم 1 نص الاتفاقية كاملا)

فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

على إثر الإضراب المفتوح الذي قام به القضاة بمختلف أصنافهم والذي تجاوز الشهر بداية من شهر نوفمبر 2020 تم تحديد جلسات تحاور بين الحكومة التونسيّة والهياكل القضائيّة الممثّلة في نقابة القضاة التونسيّين واتحاد القضاة الإداريين واتحاد قضاة محكمة المحاسبات التي أفضت إلى بلورة اتّفاق «سري» يقضي بصرف منح إضافية للقضاة التونسيين وبموجب هذا الاتفاق «غير المنشور» تم تعليق الإضراب والعودة إلى العمل بتاريخ 24 ديسمبر 2020.

وبعد ان تقرر يوم 15 فيفري 2021 تفعيل المنحة الخصوصية للقضاة والتي قدرت بـ 1325 دينار و200 مليم شهريا كما تم الإذن بصرف المنحة المذكورة لشهري جانفي وفيفري مع التنصيص على تصفيتها كاملة من الضريبة وتحميلها على عاتق المؤجر والصناديق الاجتماعية، وذلك وفق ما بينه المراسلة «السرية» بين وزيري المالية والعدل التي نشرت منظمة أنا يقظ نسخة منها
وفي هذا الإطار اعتبرت منظمة أنا يقظ أن هذا الاتفاق يتناقض الفصل 10 من الدستور الذي ينص على أن «أداء الضريبة وتحمل التكاليف العامة واجب وفق نظام عادل ومنصف» كما أن هذا الاتفاق ينسف المبدأ الدستوري المتعلق بالمساواة بين المواطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات وأنهم سواء أمام القانون من غير تمييز بالإضافة إلى خرق هذه الاتفاقية لجملة من فصول مجلة الضريبة ومجلة المحاسبة العمومية.

وبناء عليه اعتبرت منظمة أنا يقظ ان صرف هذه المنحة يدخل في خانة إهدار المال العام والتكريس للقطاعية التي استشرت في كافة المجالات مما يستدعي التدخل لوضع حد لمثل هذه الممارسات اللادستورية.
وفي الأخير قررت منظمة أنا يقظ اللجوء إلى القضاء من أجل إيقاف تنفيذ هذه الاتفاقية وبذلك يكون الملجأ هو القضاء الإداري الذي أمضى ممثله على الاتفاقية ليكون الخصام أمام الحكم الذي هو بذاته الخصم.

البند الأول من الاتفاقية ومجال الأداء : مخالفة صريحة للدستور والقانون

ومن الواضح بعد نشر مضمون الاتفاقية (انظر البند الأول في الصورة رقم 1 ادناه) كاملا أنه تناول مجال الأداء وبذلك فانه خالف ما ورد في توطئة الدستور التي تنص على ان الدولة: تضمن علوية القانون… والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات كما خالف ايضا الفصل 10 منه الذي يؤكّد على مبدأ العدل فيما يخصّ اداء الضّريبة وتحمّل التكاليف العامة ويحمّل الدولة واجب مقاومة التّهرّب الجبائي وخالف الفصل 65 من الدستور الذي ينص على أنه «تتخذ شكل قوانين عادية النصوص المتعلقة بضبط قاعدة الأداءات والمساهمات ونسبها وإجراءات استخلاصها.

كما خالف جملة من القوانين ومنها الفصل 25 من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات (قانون عدد 114 لسنة 1989 مؤرخ فى30 ديسمبر 1989) والذي ينص على »ان تكوّن المرتبات والأجور والمكافآت والمنح والامتيازات الأخرى المتعلقة بها وكذلك الجرايات والإيرادات العمرية عنصرا من الدخل الجملي الذي يتكون منه أساس الضريبة على الدخل وتصنـّف ضمن المرتبات والأجور المكافآت والمنح والامتيازات الأخرى التي يتحصل عليها الوكلاء في الشركات ذات المسؤولية المحدودة بصفتهم تلك».

كما خالفت الفصل 25 من مجلة المحاسبة العمومية (نقح بموجب القانون عدد 53 لسنة 2015 المؤرخ في 25 ديسمبر 2015 ) الذي ينص على انه «لا يجوز ترك حقوق أو ديون راجعة للدولة أو لمؤسسة عمومية أو لمجموعة عمومية محلية إلا بمقتضى قانون ولا يجوز إعفاء أي كان من تأدية ضرائب أو معاليم أو رسوم أو ديون أخرى راجعة للهيئات المذكورة أعلاه إلا في الصور المقررة بالقوانين والتراتيب الجاري بها العمل».

مع العلم ان هذه الزيادة لن ينتفع بها القضاة المتقاعدون باعتبارها جاءت كإعفاء ضريبي وليست زيادة في الأجر كما أن القضاة المباشرين اليوم لن تحتسب هذه الزيادة في جراية تقاعدهم.

فقد قال محمد الطرابلسي وزير الشؤون الاجتماعية، إن الوزارة رفضت تحميل الصناديق الاجتماعية العبء الجبائي الناتج عن إعفاء منحة القضاة من الأداء.

وبين وزير الشؤون الاجتماعية في تدخله في برنامج في شمس أف أم الاربعاء 17 فيفري 2021 أن الوزارة ردت بـ « لا » على المراسلة التي توجه بها وزير المالية والتي طلب فيها إعفاء منحة القضاة من الأداء وتحميل الصناديق الاجتماعية العبء الجبائي الناتج عنها.

وأوضح أن المنح التي يتم إقرارها دون صدورها في الرائد الرسمي لا يمكن بأي شكل من الإشكال ان يتم احتسابها في التقاعد.

وقال إن موارد الصناديق الاجتماعية هي في الحقيقة أموال المنخرطين فيه ولا يمكن التصرف فيها… وأي قرار سياسي للدولة يهم موارد الدولة.

الحكومة ترفض الإعفاء الضريبي مع جمعية القضاة وتقبل به مع هياكل قضائية أخرى

يتضح مما كتبته السيدة عائشة بلحسن نائبة رئيس الجمعية والقاضية بمحكمة المحاسبات وعضو الوفد المفاوض في تدوينة لها أن الجمعية قدمت مقترح إعفاء منحة القضاء باعتبارها الجزء الأكبر من مرتب القاضي من الضريبة على الدخل بشكل استثنائي ولمدة اثني عشر شهرا من 1 جانفي 2021 إلى غاية 31 ديسمبر وبشكل مفصل خلال جلسات التفاوض ووضعت بشأنها مشروع أمر حكومي وشرح الأسباب كما تداولت بشأنه بشكل مباشر وكتابي مع رئاسة الحكومة ومع المرصد الوطني للجباية ومع وزارة المالية وقد تمت صياغة هذا المقترح بعد التشاور مع قضاة محكمة المحاسبات خاصة ممن باشروا العمل على قانون غلق الميزانية وكان التحاور والتشاور مع القضاة الإداريين خاصة حول تقديم المقترح في شكل قانون أو في شكل تنقيح للأمر المحدث لمنحة القضاء كما كان المقترح من بين المقترحات العديدة التي تم تقديمها والعمل المضني عليها وقد اتضح من هذه المشاورات أن منحة القضاء عندما أحدثت سنة 1985 كانت غير خاضعة للضريبة في الأمر الحكومي الذي أحدثها لكن بالرجوع إلى مجلة الضريبة وخاصة القسم الثاني منها وبقراءة متجانسة ومتلازمة للنصوص القانونية نجد أن كل المداخيل والمنح تخضع للضريبة على الأشخاص الطبيعيين بنسبة 25 % أي أن المجلة قد نسخت كل النصوص التي سبقتها بما فيها الأمر الحكومي للمنحة ولا يستقيم بعد ذلك القول بأن المنحة معفاة من الضريبة بحكم الأمر الذي أحدثها إذ هي خاضعة للضريبة بحكم المجلة المذكورة كما أن الفصل 38 من مجلة الضريبة نص على المداخيل المستثناة من الضريبة حصريا دون التنصيص على منحة القضاء وعلى هذا الأساس لم يقع الاحتفاظ بحل الإعفاء الضريبي من قبل الوفد الحكومي نفسه الذي رفض المقترح نظرا لأنه مخالف للقانون وقد قبلت به الهياكل القضائية المذكورة مع الالتزام للحكومة بعدم نشره او إعطاء القضاة أي تفسيرات أو توضيحات حوله.

الأسئلة الحارقة

غير أن كثيرا من الاسئلة تبقى واردة ولا تجد بسهولة إجابة عليها ، ومن بعضها:

– ما الذي يجعل الحكومة تضحي بمصداقيتها وشفافية معاملاته من خلال هذا الاتفاق الذي اختارت أن تجعله سريا (انظر الطابع السري للاتفاق في الصورة رقم2 أدناه) قبل أن تجبر على تسليمه الى منظمة «انا يقظ« التي نشرته ؟ هل أن ذلك يقع ضمن إستراتيجية التمكين للحكومة وحزامها السياسي في نوع من الاختراق للسلطة القضائية فالمفاوضات مع القضاة بأصنافهم ليست كغيرها من المفاوضات مع جهات أو قطاعات أخرى إذ ان هذه المفاوضات هي مع سلطة الحكم العدلي (قطب الفساد) والإداري (شرعية الأوامر الحكومية) والمالي (تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية) مجتمعة وهي التي تبت في القضايا المتعلقة مباشرة بالحياة السياسية وبالسياسيين ورجال الأعمال المتحالفين مع الحكم هنا بالذات تتضح كل استتباعات خيار التضحية وجميع المخاطر القصوى مقابل التمكين للحكومة من خلال التوجيه للملفات القضائية في الوجهة التي تخدم مصالحها أو في الأدنى الاسترضاء والتحييد لهذه السلطة من خلال قبولها باتفاق لا احد يتصور انه بإمكانها ان تمضيه مع قطاع آخر فالأقربون أولى بالمعروف وأي معروف هذا !

– من هذا المنطلق نتساءل أيضا لماذا رفضت الحكومة حل الإعفاء الضريبي مع الجمعية وقبلت به مع نقابة القضاة خاصة ؟ هل كان القبول به مشروطا بإبقاء الاتفاق سريا وهو ما رفضته الجمعية اذ أنها امتنعت عن إمضائه بمعية الهياكل الأخرى حين دعيت الى ذلك ليلة الخميس 24 ديسمير 2020 رفضا منها لطابعه السري ؟

لقد اختفت هذه الهياكل الممضية تماما من الساحة منذ تاريخ الإمضاء على الاتفاق وانكشاف طابعه السري فلم نسمع لها صوتا لشرح أسباب سرية الاتفاق ؟.

– ماذا يعني قبول الحكومة باتفاقية مع هياكل قضائية مجتمعة ورفضه هو نفسه مع هيكل آخر؟ ما هي الغاية من ذلك ؟

– نص البند الأول على تفعيل أوامر الإعفاء الجبائي الصادرة في 1985 فكيف وقع تجميد هذه الأوامر المتضمنة للإعفاء مدة 36 سنة ؟ وكيف سكت القضاة على ذلك ؟ ألا يتعلق الأمر في الواقع بإلغاء هذا الإعفاء بموجب قانون الضريبة الصادر سنة 1989 والذي ألغى هذا الإعفاء في قطاعات أخرى مثل قطاع التعليم العالي اذ كان الأساتذة الجامعيون يتمتعون به أيضا في منحتهم الخصوصية المتعلقة بالبحث العلمي؟ وإذا كانت هذه الأوامر لا تزال سارية المفعول أفلا يحق للقضاة المطالبة بالمقدار المالي لـ 36 سنة من التجميد فذلك من حقهم بالمنطق الذي تضمه الاتفاق ؟ وكم ستتكبد الدولة المرهقة جرّاء من تكاليف هذا التفعيل اذا وقع ؟

كل ذلك يحتاج إلى توضيحات سيأتي أوانها بلا شك حين تهدأ الخواطر وتتضح الغايات والمقاصد.. ومن الأكيد أن بعض الصحافيين يقللون من فداحة هذه الأسئلة لأسباب لا يعلمها غيرهم مثل هيثم المكي الذي قال بكامل السذاجة أو الوقاحة في برنامج في موزاييك يوم الخميس 1 افريل 2021 تعليقا منه على رد فعل الجمعية الرافضة للاتفاقية الذي عبر عنه رئيس جمعية القضاة انس الحمادي في نفس الإذاعة »عمري ما سمعت قطاع يرفض الزيادة في الشهاري، الحكاية وما فيها أن الجمعية عملت اتفاقية ياخي النقابة جابت اتفاقية أشب (هكذا !) وماركت بونتو على الجمعية.. هذاكا علاش الجمعية ماخذا موقف ضد عدم الشفافية» وهو نفس الموقف الذي عبر عنه برهان بسيس (يا للصدفة !) عند إمضاء الاتفاقية يوم 24 دسمبر 2020 في إحدى القنوات التلفزية الخاصة… ماذا عسانا أن نقول في كلام يصير فيه الإعلام نصيرا للسرية وخرق القانون والدستور فيجمل القبيح ويقبح الجميل (اتفاق شباب) فيصبح إهدار المال العام في عين البصر الضعيف جميلا منتصرا جمال قبح الرأي والتعليل (ماركا بنتو) من دون أن يرى الصحافي الذي يدعي النزاهة والذي يبدو انه يقتبس قاموسه الركيك من حفلات اختيار ملكات جمال العالم فداحة ما يقوله ؟ بقطع النظر عما عبر عنه بعد ذلك في محاولة للتخفيف من فداحة ما تفوه به جدا او هزلا ؟ هل نقول انه إعلام العار الذي أصبح جزءا من «بلاوي» هذه البلاد المحكومة بالانتهازيين والفاسدين متحالفين متناصرين يستوي منهم عندنا في أخر الأمر برهان بسيس وهيثم المكي سواء بسواء وان ادعوا عكس ذلك ؟

انتهى عصر الاتفاقيات السرية !

إذا كانت الحكومة تسترت على الاتفاق خشية انّ يطّلع علية الرأي العام لتضمنه لمسالة الاعفاء الضريبي المثيرة للجدل فان ذلك لم يمنع في البداية من اندلاع جدل حوله فقد عبّر مجلس الهيئة الوطنية للمحامين عن »رفضه للسياسة المتبعة من الحكومة و عقدها لاتّفاقات مع جمعيات بصفة سرّية لا تنشر للعلن» بينما »يجب ان ينشر طبقا لمقتضيات الدستور والقانون حتّى يتبيّن الجميع مدى احترامها لمبادئ المساواة بين المواطنين والمواطنات والشفافية والعدالة والمبادئ الدستورية العليا».

فهل خشيت الحكومة بسلوكها حين ذاك أن تتحرّك الأسلاك الأخرى في القطاع العمومي وتطالب هي أيضا عملا بمبدأ المساواة بإعفاء منحهم الخاصة بهم من الضريبة؟

وذلك لأنه بالإضافة الى عدم دستورية هذا المقترح ولمخالفته الصريحة للقانون كما ذكرنا فان الاتفاق وقد تضمن هذه الإعفاء يفتح الباب امام كل القطاعات لتطالب بالتمتع بهذا الاستثناء عملا بمبدأ المساواة غير انه لا احد يمكنه أن يتصور أن وزارة المالية ستقبل به لأنه يعني خسارة ميزانية الدولة لعشرات الآلاف من المليارات بعنوان ضرائب مباشرة على الدخل وهو ما سيؤدي الى تقلص ما يسمى بالوعاء الجبائي الذي يعتبر المصدر الأول لمداخيل الدولة في ظل العجز الذي تعرفه المالية العمومية.

ألا تدفع جميع هذا المعطيات الى التجريح في القضاة الممضيين على الاتفاق المبرم يوم 24 ديسمبر 2020 و ألا تدفع أيضا الى الشكّ في مصداقية القضاء واستقلاله ؟ وهل بعد إبرام هذا الاتفاق يلام المواطن على التهرّب الجبائي ؟

أخيرا نحن نتساءل مع الجميع في انتظار حكم المحكمة الإدارية هل يكون القضاء الإداري اذا كان امضي ممثله هو أيضا على هذا الاتفاق خصما وحكما بعد تعهّد المحكمة بالقضية التي رفعتها أنا يقظ ؟ مرة أخرى ايها القاضي : » فيك الخصام وأنت الخصم والحكم »

وثائق

الصورة عدد 1

الصورة رقم 2 

شاهد أيضاً

تحليل قانوني: هل أمضت نقابة القضاة مع الحكومة اتفاقا سرّيا مخالفا للدستور والقانون ؟

علي الجوابي  طلب القضاة عدّة امتيازات ولغاية تحقيق طلباتهم ضغطوا على الحكومة بإضراب مفتوح منذ …

الوضع المتردي الذي يعيشه المعهد العالي للعلوم الإنسانية (ابن شرف)

اسطرلاب حوار مكاشفة مطول مع مدير المعهد محسن الخوني أحداث خطيرة ومتكررة يعيشها المعهد العالي …

اترك رد