fbpx
الثلاثاء , 13 أبريل 2021

داداك عيشه راجل!

عبد اللطيف علوي 

عندما كنت صغيرا، لم أكن أجد سهولة في أن أصنّفها مع النّساء…
بالتّأكيد لم أكن أراها رجلا، لكنّني، أحيانا، لم أكن أستطيع أن أجزم بيني وبين نفسي أنّها بالضرورة من الجنس الآخر، حتّى أنّني سألت أمّي ذات مرّة وأنا صغير:
ـ دادهْ راجِلْ ولاّ مرَا؟
ضحكت طويلا ثمّ قالت مازحة:
ـ داداك عيشه راجل!

 رواية أسوار الجنة
رواية أسوار الجنة

كان الأمر يشغلني حقّا من حين لآخر، فقد كنت أراها، على عكس أمّي وجاراتنا الأخريات، تجلس إلى كلّ رجال القرية وتجادلهم بصوت عال وتشير عليهم بأشياء كثيرة فيسمعون كلامها ويتلطّفون في محادثتها حتّى يصبحوا كالأطفال. كان في الأمر ما يدعو إلى الحيرة فعلا، ما الّذي كان يمنحها تلك السّطوة والمهابة بين كلّ أولئك الرّجال، كبيرهم وصغيرهم، في قرية ما زال الذّكور فيها يعتبرون المرأة ضلعا أعوج مكسورا، أو مصدرا للّذّة والعار لا أكثر ولا أقلّ.
كان وجهها بدويّا أسمر بملامح قاسية، يميل إلى الطّول قليلا، تعلوه تجاعيد متكسّرة، وتبرز أعلى خدّيها وجنتان صلبتان ناتئتان، وفوقهما عينان غائرتان حادّتان كعيني حدأة. على ذقنها وشم باهت قديم لم يعد يظهر منه غير لونه الأزرق، حين تزمّ شفتيها وتعقد حاجبيها تصبح رجلا بصورة زعيم من زعماء الهنود الحمر أو مجسّما أسطوريّا لإله من آلهة شعوب المايا، وحين تبتسم أو تضحك، ونادرا جدّا ما كانت تفعل، كانت تتحوّل بقدرة قادر إلى ملاك ساحر، يتدفّق منها نهر من الرّقّة واللّطف والعذوبة، فتشعر بأنّ نساء الأرض كلّهنّ قد تجمّعن فيها في تلك اللّحظة.
منذ خرجت من السّجن، صرت أزورها كلّ مساء، فأجدها تنتظرني تحت الكرمة الكبيرة خلف بيتها، متكوّرة حول نفسها فوق جلد أغبر قديم، أكبّ عليها وأقبّل رأسها، فتفتح عينيها بصعوبة لتنظر في وجهي كأنّها تتفحّصه من يوم إلى آخر، تخشى أن يضيع فيه شيء تألفه وتعيش عليه منذ زمان، ثمّ تتحامل على نفسها وتستوي جالسة بصعوبة، تبتسم بشحوب وتهيّئ لي بيدها المرتعشة طرفا من الجلد كي أجلس حذوها.
قضيت عمري كلّه وأنا أراها كما رأيتها أوّل مرّة، لا تكبر أبدا ولا تتغيّر، كأنّها تعيش خارج الزّمن، لم يتغيّر شكلها ولا صوتها ولا لمعة الفجر في عينيها لأكثر من عشرين سنة، حتّى خرجت من السّجن فوجدتها شيئا آخر، خرقة بالية كئيبة لا تترك مكانها على ذلك الجلد خلف “المعمّرة”.
تلك الخرقة الحزينة، قبل سنوات قليلة، كنّا نسمّيها “لاند روفر”!
حين سمعت “دادهْ” ذلك لأوّل مرّة، ضحكت مثل طفلة خجولة، وقالت:
“ايه نعم… نايَ هِي لندروفا”.
الجميع في قريتي، وفي القرى المجاورة يعرفون سيّارة “لاند روفر” تلك التي يستعملها حرس المنطقة، سيّارة تبدو من مخلّفات الإنجليز في الحرب العالميّة الثّانية، أو لعلّها كذلك، لا يكاد يبقى منها سوى الهيكل والمقود والعجلات، لكنّها كانت تحرث الطّريق الجبليّ كلّ يوم صباحا مساء، صعودا ونزولا، لا توقفها الهضاب ولا السّهول ولا الوهاد، ومنذ أعلن النّظام الحرب على “الاخوانجيّة” في أواخر الثّمانينات، صارت تلك السّيّارة وحشا مرعبا يطارد النّاس ويبتلع الرّجال والنّساء، فلم تكن تسمع من حين لآخر إلاّ أخبار المداهمات والاعتقالات، ويتردّد الخبر على كلّ لسان: “فلان هزّاته لاند روفر… ”
كان بيتنا يطلّ على مرتفع من الطّريق، وكانت أمّي حين تراها مقبلة، تقف لتراقبها واجفة القلب محبوسة الأنفاس، حتّى تبتعد، فتتنفّس الصّعداء وتسري فيها الرّوح من جديد.
لم نكن نرى “داده” إلاّ مقبلة من طريق، أو ذاهبة في طريق، لذلك سمّيناها “لاند روفر”. في الصّيف أو في الشّتاء، حين يصبح القيام بإنزال جوّي أو برمائيّ على المرّيخ، أسهل بكثير من التّنقّل في ثنايا “عين البيّة” وبين شعابها، كانت داده لا تجلس لتلتقط الأنفاس قادمة من مكان، إلاّ لتنطلق إلى وجهة أخرى لها فيها شأن ومرام.
ولسوء حظّها، أو لحسنه ربّما… تزوّجت بناتها جميعهنّ في أقاصي الدّنيا، واحدة في الشّرق والأخرى في الغرب والثالثة في الجنوب والرّابعة في الشّمال، في دائرة لا يقلّ شعاعها عن سبعة أو ثمانية كيلومترات ، لكنّ ذلك لم يكن يثنيها أبدا عن زيارتهنّ والاطمئنان على حالهنّ، أحيانا جميعا في يوم واحد، ربّما كان جسدها القصير الضّامر هو الّذي يساعدها على قطع تلك المسافات المهولة، ولطالما شبّهتها بيني وبين نفسي بعدّائي الماراطون الأثيوبيّين، هم أيضا تجدهم عادة بقامات قصيرة ضامرة وصدور منتفخة، مثلها تماما.
لم تكن “داده” تحتاج من الوقت أكثر من دقيقة أو دقيقتين لتكون جاهزة تماما للخروج، فقد كانت تكتفي بوضع شالها الأبيض على كتفيها، و”شلاكتها” الحمراء وينتهي كلّ شيء، حين نراها وضعت الشّال، نقول ضاحكين: “داده حِفْلِتْ، زعمه وين ماشية؟”.
عندما تعود إلى البيت تنبري مباشرة إلى مواشيها السّارحة، فتطيل الحبل لهذه وتقصّره لتلك، وتغيّر مكان الأخرى وتسرّح الرّابعة وتذبّ الخامسة عن إحدى الزّيتونات. ولا تنتهي من الأخيرة حتّى تعود إلى الأولى لتستأنف دورة العناية المركّزة من جديد.
ظلّت داده على تلك الحال، مثل غيمة مطيرة تتنقّل من مكان إلى آخر لتسقي كلّ شيء، ولم تشعر بمرور العمر حتّى ثقلت خطاها وعشيت عيناها وقلّت حيلتها. لم يكن يبدو عليها أنّها تفهم شيئا كثيرا ممّا حدث لها. كانت تشعر دائما أنّ سرّ قوّتها في قلبها المشتعل، وليس في جسدها، فلماذا لم تعد رجلاها تطاوعانها، ولم تعد دفقة الحياة في صدرها تكفي؟
كان من الصّعب أن تقتنع أنّ المرض هو الّذي هدّها وصار يقعدها عن كلّ تلك المشاوير الطّويلة، تلك المشاوير التي قضت فيها العمر تريد قضاءها، وذهب العمر ولم ينقض منها إلاّ القليل.
لم يبق لها غير فراش الجلد خلف “المعمّرة”، أو تحت شجرة الزّيتون، تجلس عليه لساعات طويلة حتّى تقول “جنابي وجعتني”… تقضي اليوم موجّهة منبّهة مؤنّبة، آمرة ناهية: “يا فلانة! طوّلي الحبل للعِجْلة ! يا فلانة ! شوفي الكلب علاش ينبح؟ يا فلان ! امشي طلّ على خالتك قالوا مريضة ! يا فلانة شوفي الدّجاجات آش بيهم يتصايحوا ؟”
وتضيق الصّدور، وتنفلت الأصوات أحيانا قاسية متذمّرة، فتصمت قليلا، وتسرّح عينيها في تلك الرّبوع الّتي تمتدّ أمامها، تكاد تتحسّس التّراب والحصى تحت رجليها في كلّ طريق، وحبيبات العرق المتساقط من جبينها تترادف خلفها مثل حبيبات العقيق اللاّمعة.
كلّ مساء، أزورها فأجدها ملقاة كالخرقة على جلد خلف بيتها في الظّلّ. تغطّي وجهها وعينيها بمحرمتها. أكبّ عليها وأبوس جبينها فترفع رأسها الثقيل قليلا وتنظر إليّ بعينين موجوعتين:
ـ جِيتْ يا بابا؟ اقعد بحذايَ! تو نفيق ونهزّ راسي! ما تخافشْ
وأجلس عند رأسها لساعات، أنتظر أن تفيق وترفع رأسها، حتّى تكاد تغلبني الظّنون، ولمّا يهتزّ النّفس في صدرها، ينفرج صدري وأحمد الله الّذي لم يأخذها منّي…. إلى حين!!

عبد اللطيف علوي
من رواية أسوار الجنة
(الجزء الثاني من ثلاثية سيرة الثورة)

شاهد أيضاً

الدكتور في علم الاتّحاد سالم الغراب

عبد اللطيف علوي  قرأت للتّوّ ما كتبه المخبر الصّغير سالم الغراب، وأَرفقه بهذه الصّورة الوَرِعة، …

سأكون واضحا وصريحا.. أنا أيضا لم أكن راضيا على ما حدث إجمالا

عبد اللطيف علوي  انتقادات كثيرة وجّهت لسيف الدين مخلوف على تصرّفه يوم أمس بذلك الشّكل، …

اترك رد