fbpx
الثلاثاء , 13 أبريل 2021

حوادث 8 و 9 أفريل 1938: إسهام جهة باجة

زهير بن يوسف 

1. الحدث والسياق:

لئن ارتبطت أحداث 9 أفريل 1938 في الذاكرة الوطنية بفشل تجربة الحوار مع سلطات الحماية لانشغال أحزاب اليسار الفرنسيّ بمقاومة الفاشيّة وتأجيل النظر في قضايا المستعمرات ومطالبة الشقّ الراديكالي في الحركة الوطنية بتغيير برنامج الحزب وإدراج قضيّة الاستقلال فيه بصفة رسميّة فإنّ وقائع يومي 8 و9 أفريل قد اقترنت في الذاكرة الجمعيّة بـ :

  1. مطالبة الجماهير الشعبيّة التونسيّة بـ«برلمان تونسي» و«حكومة وطنيّة».
  2. مشاركة المرأة التونسيّة في المظاهرات المناهضة للاستعمار لأوّل مرّة بالعاصمة وبالمدن الداخلية ومنها مدينة باجة على حد سواء.
  3. حدوث اشتباكات أمام قصر العدالة بالعاصمة مع القوات الأمنيّة والعسكريّة الفرنسيّة أسفرت عن سقوط 22 قتيلا وحوالي 150 جريحا أغلبهم من أبناء الفئات الشعبيّة القاطنين بالأحياء القصديريّة كالملاّسين وراس الطّابية.

علما أنّ هذه المواجهات قد كانت مسبوقة بصدامات لم تكن أقل دمويّة بمختلف المدن والقرى بالبلاد من ذلك مثلا أحداث يوم 4 أفريل 1938 بوادي مليز (جندوبة) حيث اندلعت المصادمات بين الوطنيين والسلطات الاستعمارية على إثر إيقاف كلّ من سليمان بن سليمان ويوسف الرويسي بسوق الإربعاء قبل توجّههما إلى وادي مليز لإلقاء خطاب هناك، وعمد الفرنسيين إلى استفزاز الأهالي مما جعلهم يردون على استفزازهم بالحجارة بما انقلبت بموجبه المواجهات إلى اصطدامات عنيفة اعتقل على إثرها عدد من الوطنيين في مقدمتهم عيسى الصخري والذهبي الصخري، وأحيلا على المحاكمة، بحيث يمكن أن نقول إنّ هذه الأحداث انطلقت من هذه البلدة المغمورة التي كثيرا ما تُنسى في ذكرى عيد الشهداء.
وتبعا لعدد الضحايا الذين سقطوا في 9 أفريل وللمحاكمات التي تلت هذه الأحداث، وقد كان الكثير منها بالإعدام، بالإضافة إلى صدور قرار حلّ الحزب يومي 14 و 15 أفريل، اعتبر هذا التاريخ عيدا رسميّا للشّهداء.

2. بيئة حاضنة للنشاط الوطني:

لئن لم تقدّم جهة باجة للوطن في هذه الأحداث شهداء فقد طالت عددا من أبنائها الاعتقالاتُ والمحاكماتُ والمنافي، منهم محمّد النّوري ومحمّد الدخلي، من الطّلبة الزيتونيّين، تمّ نفيهم إلى الجزائر وقضّوا عقوبات سالبة للحريّة بسجن لاَمْبَاز.
على أنّ التتبعات العدلية للطلبة الزيتونيين كانت قد طالت عددا من أبناء الجهة منذ التحركات التي قام بها طلبة الجامع الأعظم بتاريخ 22 و 23 فيفري 1936 إذ تفيدنا التقارير الأمنية التي تعود إلى تلك الفترة بمحاكمة ما لا يقل عن 33 متظاهرا من بينهم 5 طلبة من أبناء مدينة باجة بتاريخ 24 فيفري 1936 بتهمة التظاهر في الطريق العام والدخول في مواجهات مع أعوان البوليس الفرنسي هم كلّ من:

  1. امحمد بن محمد بن مختار النوري: 3 أشهر سجنا وخطية بمائة فرنك.
  2. يوسف بن علي بن صالح الدخلي: نفس الحكم
  3. محمد بن يوسف بن نصر الدخلي: نفس الحكم
  4. إبراهيم شهر عبد العزيز بن حسين بن مبارك: نفس الحكم
  5. مختار بن بلقاسم بوحوال (15 عاما): مراقبة إدارية بمدينة باجة مسقط رأسه رغم أنّ عائلته كانت تقيم بالعاصمة.

علما أن الصحافة الوطنية قد اهتمت بهذه المحاكمات:

  • حيث أشارت جريدة “النهضة” في عددها الصادر بتاريخ 28 فيفري 1936 في مقال غير ممضى إلى “صدور الحكم على الطلبة في قضية الإضراب الأخير”،
  • كما نشرت مجلة “الزُّهرة” بصفحتها الثانية في عددها الصادر بتاريخ 2 مارس 1936 مقالا في الغرض صدر هو الآخر دون توقيع تحت عنوان: “حول قضايا الطلبة”.

وتشير التقارير أيضا والشهادات، ومنها الشهادة التي أدلى بها الشيخ عبد القادر زروق، إلى أنّ الطالب بلقاسم بوترعة، وهو أصيل باجة، قد كان أحد القياديين في اللجنة التي نظمت إضراب 21 فيفري 1936 احتجاجا على قرارات المقيم العام بيروطون والمواجهات التي تلته، كما تشير إلى أنّ الطالب بلقاسم بن محمد المؤدب كان واحدا من 19 طالبا زيتونيا شملهم حكم الإبعاد إلى مواطنهم الأصلية تحت المراقبة الخاصة. وقد تطورت هذه الحركة إلى مظاهرات في الشوارع رفعت فيها صور ولافتات كتبت عليها شعارات سياسية مثل “تونس للتونسيين” و”الإفراج عن المبعدين يتوقف على حركتنا”، ثم تطورت إلى مصادمات كان الطلبة الزيتونيون طليعتها بحيث وقع منهم معظم الجرحى والمعتقلين.

3. جهة باجــة: قاعدة خلفية للحركة الوطنية

عرفت جهة باجة حركية على مستوى الدعاية السياسية في أوساط الأهالي على إثر اجتماع المجلس الملّي للحزب الدستوري الجديد يوم 10 مارس 1938 الذي قرر تنظيم جولات دعائية بمختلف جهات البلاد، ولاسيما الجهات التي كان فيها للمعمّرين ثِقلٌ بالغ، لإعلام الجماهير بقرب ابتداء سياسة القمع والتهيّؤ لمواجهتها.
ويذكر سليمان بن سليمان في كتابه “ذكريات سياسية” (بالفرنسية) أنه وقع تعيينه ويوسف الرويسي للقيام بجولات بجهات باجة وسوق الأربعاء (جندوبة حاليا) وعين دراهم وذلك في إطار التصعيد ومواجهة الاستعمار في الأرياف. وبالفعل فقد اعتمدت قيادة الحركة الوطنية وهياكلها القاعدية بالجهة أساليب مختلفة لنشر الدعاية في الأوساط المحلّية وللتشهير بالسياسة الاستعمارية وقد حصل ذلك خاصة من خلال المقالات الصحفية وعقد الاجتماعات العامة:

• فقد جاء في تقرير للمراقب المدني بباجة مؤرخ في 15 جانفي 1939 أنّ الشيخ عبد العزيز العسكري، رئيس جمعية الشبان المسلمين بباجة، وهو من وجوه الحركة الوطنية، قد عقد بمقهى الهناء بشارع باب بنات بالعاصمة بمعية عدد من الدستوريين الآخرين من أبناء بلده هم:

  • محمد بن عباس الكافي
  • وإبراهيم بن محمد بن الحاج إبراهيم بن يوسف
  • ومحمد بن حمودة بحلوس
  • ومحمد النوري

عبّر فيه عن مواقف مناهضة لفرنسا ولسياستها القمعية إزاء الزعماء الدستوريين.

محمود الكافي؛ أبرز من شملتهم محاكمات حوادث 8 و 9 و 11 أفريل 1938
محمود الكافي؛ أبرز من شملتهم محاكمات حوادث 8 و 9 و 11 أفريل 1938

ويشير التقرير ذاته إلى أنّ هذا الخطاب المناهض لمصالح فرنسا هو نفس الخطاب الذي كان الشيخ عبد العزيز العسكري قد تلفظ به عام 1937 بمناسبة عقد قران “ولد الرباعي” (كذا؟) في باجة والمقصود هنا هو الشريف بن حسن الرباعي، أحد أبرز القيادات الوطنية المحلية، علاوة على نشره لعدة مقالات في الصحف شهّرت بالمضايقات التي يتعرّض لها الدستوريون جهويا ومركزيا ممّا دعا القايد محمد الزواري إلى استدعائه في أكثر من مناسبة لمؤاخذته على نشاطه السياسي، وسيكون تبعا لذلك محل سكناه على إثر حوادث يوم 9 أفريل 1938 واحدا من جملة 25 محل سكنى بمدينة باجة التي كانت تعدّ آنذاك حوالي 500 منزل تمّ تفتيشها تفتيشا دقيقا من قبل الجندرمة الفرنسية، علما أنه سيتم إيقاف الشيخ عبد العزيز العسكري يوم 13 أفريل.

• وتذكر تقارير البوليس الفرنسي أنُ الشيخ عبد العزيز العسكري قد سحبت منه الرخصة التي افتتح بها “مدرسة الرشاد القرآنية بباجة”، وهي أول مدرسة للتعلم العصري الأهلي، بسبب نشاطه الوطني وتحديدا بسبب مقالاته الوطنية وإحدى الخطب الحماسية التي كان قد ألقاها “بمقهى الوردة” بتونس يوم 8 أفريل 1938، وقد تمُ سحب الرخصة بتواطؤ من بعض “مواطنيه” من “أعيان”. السلطة المحلية ( ج. خليفة نفزة).
إنّ أغلب الاجتماعات العامة التي عقدتها هياكل الحزب الجديد حينها بالقواعد في أبرز المراكز الحضرية بالجهة، وقد كانت عادة ما تعقد يوم السوق الأسبوعية وتختم بانتداب المنخرطين وجمع التبرعات بعد أن تلقى فيها خُطبٌ ترقى إلى إثارة الحس الوطني، قد اقترنت بزيارات بعض قادة هذا الحزب إلى الجهة كما اقترنت ببعض التحركات الهامة التي تمّ تنظيمها بها مثل أحداث أفريل 1938.
ويعتبر هذا الشكل النضالي أي الاجتماعات العامة مع الإضراب شكلا جديدا بدأ بالظهور في الجهة مع بداية الثلاثينات، وقد يكون سبب تكثف الزيارات رغبة زعماء الحزب الجديد في الاقتراب أكثر من شواغل سكان المناطق الداخلية فضلا عن تطور وسائل النقل وخاصة منها وسائل النقل الخاص التي سهّلت للزعماء مهمة تنقلهم.

ومن هذه الزيارات التي برمجها الحزب الجديد نذكر:

  • زيارة الزعماء الطاهر صفر وامحمد بورقيبة والبحري قيقة والحبيب بورقيبة يوم 23 فيفري 1934 للمشاركة في اجتماع شعبي حضره 500 شخص ترأّسه الدكتور محمود العرابي.
  • قدوم الحبيب بورقيبة والطاهر صفر يوم 20 أفريل 1934 بطلب من الدكتور محمود العرابي لتدعيم احتجاج شعبي على اقتطاع جزء من المقبرة الإسلامية، مقبرة سيدي صالح الزلاوي، لإنشاء ملعب للكرة الحديدية.
    وبحسب الأخبار المتواترة فإنُ أوّل جولة كانت للزعيم الحبيب بورقيبة بمدينة باجة قد تمت على متن سيارة مكشوفة كانت على ملك حسونة بن عبد الرحمان بن يوسف، وهو من الوجوه المؤسسة لجامعة باجة الدستورية، وكان يقودها حفيده حمادي بن مصطفى بن يوسف.
  • الزيارة التي أداها الحبيب بورقيبة إلى باجة يوم 3 سبتمبر 1936 في طريق الإياب إلى العاصمة عقب اجتماع شعبي عقده في بلدة سوق الأربعاء (جندوبة حاليا).
  • الزيارة التي قام بها الحبيب بورقيبة يوم 29 سبتمبر 1937 إلى تستور، وهي زيارة تنزّلت في إطار التصعيد بين الديوان السياسي واللجنة التنفيذية واستفحال الخلاف بين بورقيبة والشيخ عبد العزيز الثعالبي، وهو التصعيد الذي ستكون من أبرز مضاعفاته:
  • الصدام الدموي الذي حدث بماطر يوم 25 سبتمبر 1937 وأسفر عن سقوط ضحية و 13 جريحا، وقد كانت عناصر من جامعات بنزرت وسوق الأربعاء (جندوبة) وسوق الخميس (بوسالم) وجامعة باجة الدستورية في مقدمتها محمود الكافي ومسعود المقراني بإشراف من الهادي نويرة طرفا فيه،
  • والصدام الدموي الذي حدث يوم 2 أكتوبر 1937 عند قنطرة وادي باجة على طريق تونس بين الشقّين في حادثة منع الشّيخ عبد العزيز الثّعالبي من دخول باجة لعقد اجتماع مناهض للدّيوان السّياسي، وأسفر عن استشهاد الشّاب صالح بن خذّاري الكوكي، أصيل هنشير الزّعفران، أصيب برصاصة على مستوى الصدر أطلقتها عليه قوّات الجندرمة.
  • أمّا أهم الزيارات فقد أدّاها الكاتب العام للحزب الجديد يوم الثلاثاء 21 سبتمبر 1937 ورافقته خلالها الصحافة الحزبية واستعدت لها الهياكل القاعدية استعدادا محكما بدعوة أكبر عدد ممكن من المتعاطفين والمناضلين إلى استقبال الزعيم وحضور الاجتماعات التي أشرفت عليها، وليس من باب الصدفة أن تتم الزيارة يوم الثلاثاء وهو يوم انتصاب السوق الأسبوعية المحلية مما يعني الالتقاء بأكثر عدد ممكن من سكان المناطق المجاورة والأرياف العميقة.
    ولذلك فلا غرابة أن تشهد الجهة، على غرار مختلف مناطق البلاد ومنها الشمال الغربي، حراكا مكثفا وقد كان ذلك بالأساس يوم الجمعة 8 أفريل 1938.

4. أحداث الجمعة 8 أفريل 1938

لم تكن هذه الأحداث عفوية، ولا هي ناتجة عن محض الصدفة، بدليل تزامنها وتوسعها لتشمل مختلف مدن المنطقة وقراها بما يشي بأنّ التنسيق في هذه التحركات لم يكن محليا وجهويا فحسب وإنما كان أيضا إقليميا وآية ذلك بحسب شهادة المناضل الشريف الرباعي الاجتماع الإقليمي الذي استضافه مساء الخميس 7 أفريل 1938 بطبرقة المناضل علي بن بلقاسم الشعواني الكاتب العام لشعبة المكان الذي سيتم إبعاده فيما بعد إلى سجن لامباز بالجزائر أي عشية اندلاع الحركة الاحتجاجية الواسعة التي ستنطلق صبيحة الغد الجمعة تقريبا في الوقت نفسه بعدّة نقاط.

  • ففي مدينة باجــة نظّم “رجال شعبة باجة الدستورية وأفراد فرعيها بزاوية مدين (عمدون حاليا) وسيدي إسماعيل (كوكة) بمشاركة أهالي البلد الذين أضربوا عن العمل وأغلقوا دكاكينهم ومحلاّت خدماتهم”، كما يقول نص التقرير، بداية من الساعة التاسعة صباحا، مظاهرة حاشدة شارك فيها ما لايقل عن ألفي (2000) شخص كانوا يطالبون بـ”حكومة تونسية مسؤولة لدى الشعب في دائرة المعاهدات”، تلتها وقفة احتجاجية أمام دار القايد ببطحاء البرادعية رفعوا فيها شعارات وطنية وأنشدوا فيها بشكل جماعي ما سماه التقرير بـ”الأناشيد القوميّة” فضلا عن إعلاء “الراية التونسية”.
    ويضيف التقرير ما نصه “وقد شاركت النسوة في الاحتجاج وأعربن عن مشاركتهن بالتولويل (كذا؟) أي بالزغاريد.
    وممّا يلفت الانتباه في هذا الإضراب العام أنّ التجار اليهود، وهم من أصول تونسية، قد “كانوا من جملة المضربين الذين أغلقوا حوانيتهم”.
    كما رفع المتظاهرون عريضة في الغرض أمضاها محمود الكافي ومسعود المقراني والطاهر بن مصطفى الخبثاني وأحمد بن محمد المديني ومحمد بن عمر المنصوري، رئيس شعبة زهرة مدين، وغيرهم عبّروا فيها عن احتجاجهم على الإجراءات الزجرية ضد قادة الحزب وزعمائه.
  • وشهدت مدينة مجاز الباب التحركات نفسها حيث تظاهر نحو 400 مواطن “من كل الطبقات”، كما يقول نص التقرير، بقيادة إسماعيل العزّابي رئيس الجامعة الدستورية المكان، “حاملين نحو 15 راية تونسية، مترنّمين بالنشيد الدستوري”، رفعوا على إثرها عريضة إلى أحمد باي الثاني بوصفه “رمز المملكة التونسية” كما يقول نص التقرير، وقعها 27 من قادة الحركة الوطنية المحليين منهم إسماعيل العزابي والحاج محمد زعفران وحسن بالحاج ومحمد صالح الماطوسي ومحمد صالح بن العماري الشواشي ومحمود البقالي وعلي المؤدب وعبد الرحمان بالحاج خليفة والطيب الأحمر … نددوا فيها بما “نال الشّعب من الإرهاق والاعتساف وما نال زعماءه من الاضطهاد بسبب دفاعهم عن هذا الشّعب ” مؤكدين دفاعهم عن ” المطالب الشرعية التي يطالب (= الشعب) بها منذ زمان ومنها حكومة تونسية مسؤولة لدى برلمان تونسي “ومطالبتهم بـ” إطلاق (سراح) الزعماء وكافة المسجونين السياسيين”.

  • وفعلت بلدة الجبل الأبيض (نفزة حاليا) وما حواليها بالمثل، حيث تظاهر أمام مكتب “خليفة” المكان نحو 300 شخص يقودهم صالح بن فرحات الفطناسي كانوا يحملون الأعلام التونسية وينشدون الأناشيد الدستورية معلنين “سخطهم واستياءهم من التدابير الزجرية التي اتخذتها الحكومة ضدّ الدستوريين”، مطالبين “بكل قواهم بإبدال نظام الحكومة الحالي لأنه مجحف بحقوق التونسيين وتعويضه بحكومة تونسية وبنظام دستوري يكفل للتونسيين الحياة والاستقرار”، وذلك بعد أن تمّ إعلان كامل يوم 8 أفريل يوم إضراب عام.

  • أمّا في تستور فقد نجح قادة الحركة الوطنية المحليون وفي طليعتهم محمد بوناب رئيس شعبة المكان وبلقاسم بالأحول وأحمد بن إسماعيل ومحمد الفرشيشي في تنظيم مظاهرة على الساعة 9.30 صباحا ضمّت، إلى جانب نشطاء الحركة الوطنية المحليين حوالي 2000 ألفي شخص من أبناء المنطقة نددت فيها بما سمّته “القسوة المتناهية نحو الشعب التونسي بأسره” شفعت، حسب التقرير المرفوع في الغرض من قبل كاهية تستور إلى الوزير الأكبر الهادي الإخوة باستيداعه نسخة من العريضة المشار إليها سابقا.

5. عريضة تستور والمطالب الوطنية

تجدر الإشارة إلى أنّ مظاهرة تستور كانت مسبوقة بانعقاد اجتماع عام استثنائي مساء الخميس 7 أفريل حضره ما لا يقل عن 500 مواطن خرج بنص عريضة ملفتة للانتباه بدرجة الوعي الذي عبّرت عنه وبمستوى النضج السياسي الذي كانت عليه النّخب الوطنية المحليّة وبطبيعة القراءة التي قدّمتها للوضع العام بالبلاد ولسياسة سلطات الحماية إزاء مطالب الحركة الوطنية حيث قرر الحاضرون في هذا الاجتماع العام “الاحتجاج بما لديهم من قوّة” على، ما وصفوه بــ:
أ – تلك الأفعال التي يترتب عليها انحطاط الشّعب التونسي إلى الدرك الأسفل”،
ب – وعلى انقلاب حكومة الحماية على مطالب الحركة الوطنية التي سبق لها أن اعترفت بها، وبالتحديد مطالبها في السيادة المزدوجة،
ت – وعلى شروعها بالمقابل “في تنفيذ سياسة جائرة لا تمتّ إلى العدالة بأدنى سبب” بدأت بمنع الاجتماعات العامة والمظاهرات ثم تطوّرت إلى “حلّ غالب النقابات” وبلغت منتهاها بالتضييق على الاجتماعات الداخلية ووضع منظّميها تحت طائلة التتبعات وتحجير رفع العلم التونسي بما هو رمز الهوية الوطنية وما ينجم عن ذلك من مقاصد هي دون شك مقدمة للإلحاق،
ث – زيادة على اضطهاد النخب الوطنية بالقمع العسكري والمحاكمات التعسفية “للشباب المثقف والزعماء” “لا لذنب اقترفوه أو وزر اجترموه سوى حب وطنهم وعدم رضائهم بعيشة السوائم في بلاد آبائهم وأجدادهم واعتبارهم كمشة مهملة لا تستحق الحياة”.
وقّع على هذه العريضة بتاريخ الجمعة 8 صفر 1357/ 8 أفريل 1938 أعضاء الشعبة الدستورية بتستور الستة يتصدّرهم محمد بوناب، ووجهوها إلى ملك البلاد: أحمد باي..

6. تداعيات الأحداث

تفيدنا شهادة الشريف الرباعي، أحد أبرز نشطاء الحركة الوطنية بجامعة باجة، أنّ حوادث يوم 9 أفريل، رغم الطابع الدموي في تعامل السلطات الاستعمارية فيها مع المحتجين ومع قادة الحركة الوطنية الذين انخرطوا في هذا التمشي النصعيدي معها، قد كان لها ما بعدها، حيث تواصلت التحركات الاحتجاجية داخل عدد من الجهات، فقد انتظم بمدينة باجة مثلا ومنذ صبيحة يوم الأحد 10 أفريل اجتماع شعبي حاشد أمام مقهى العالية برحبة القلال (ساحة البشير صفر حاليا) احتجاجا على “الأعمال التعسفيّة والروح البربارية التي عاملت بها السلطات الاستعمارية زعماء الحزب والوطنيين”، ويضيف الشريف الرباعي في شهادته أنّ هذا الاجتماع قد تحوّل إلى مسيرة شعبية انضم إليها آلاف المتظاهرين قادها محمود الكافي وعدد من أعضاء الجامعة الدستورية بالمكان من بينهم مسعود المقراني وعلي الزلاوي والصغيّر بن يوسف وحسونة الصمادحي وخميّس البلاقي وبوبكر الدجبّي وأحمد المديني.
ويضيف الشريف الرباعي في هذه الشهادة أنّ السلطات الاستعمارية ردت بقوة على هذه التحركات إذ تمّ منذ صبيحة يوم 11 أفريل إيقاف القيادات الوطنية المحلية التي شاركت في هذه التحركات ليبدأ ماراطون المحاكمات وذلك بعد مداهمة المحلات وإتلاف المكاسب والممتلكات.

7. آخر الكلام

هذه عينات موجزة عن بعض إسهامات من الجهات الداخلية في معركة التحرر الوطني وانخراط أحرارها ممّن تمكنّا من ضبط أسمائهم ونتف من أخبارهم في حوادث 8 و 9 أفريل تحديدا. ولعلّ أبسط واجبات تونس الثّورة إزاءهم أن تكرّمهم سواء بإطلاق أسمائهم على بعض شوارع المدن وساحاتها العامة وإضافة أسماء الشهداء منهم إلى السجلّ الوطني لشهداء الوطن، وحفظ رفات المعروفين منهم بأضرحة لائقة بأماكن معلومة من مقابر الشهداء ونقش أسمائهم على لوحات تذكاريّة مثلما هو معمول به في كل الدّول الحرة وإثباتها بساحات الشهداء والنّصب التّذكارية، حتّى لا ننسى وحتّى يظلّوا خالدين أبدا في ذاكرة الشّعب.

د. زهير بن يوسف

شاهد أيضاً

نساء متصوفات.. المرابطة مريم الحُرّة: إمرأة بألف

زهير بن يوسف  1. النساء المنسيات هي المرابطة أم يحيى مريم المنياوية الملقبة بالحُرّة، واحدة …

مجزرة 11 مارس 1943 بهنشير الصفصافة: جريمة حرب

زهير بن يوسف  نقطة معتمة في الذاكرة الوطنية تلك التي تخص ما أقدمت عليه القوات …

اترك رد