fbpx
الأربعاء , 24 فبراير 2021

أثر غياب دفتر المناداة على مواظبة التّلاميذ: الشّجرة التي تغطّي الغابة

المبروك العلوي

من المعلوم أنّ نسبة مواظبة التلميذ التونسي على الدروس ضعيفة، فقد احتلّت تونس الصّدارة من بين 73 دولة في نسبة التغيّب وعدم الانضباط وسوء السّلوك (بيزا 2017). لقد وجدنا أنّ انفلات وتمرّد بعض التلاميذ، كان من الأسباب الرّئيسية لتعرّض عدد لا بأس به من المدرّسين التونسيين للاحتراق/الإجهاد المهني وللإحباط. بقطع النّظر عن إضراب القيمين لتحقيق مطالبهم المشروعة وعن ضرورة مسك دفتر المناداة كوثيقة قانونية وإدارية تحفظ حقوق وواجبات جميع المتدخلين في العملية التربوية، يطرح غياب دفتر المناداة في أقسام المدارس الإعدادية والمعاهد عدّة إشكاليات عميقة تتمحور حول علاقة التلميذ التونسي بالمدرسة ومـدى دافعيته للتّمدرس. دراســة العلاقة بين دافعية المتعلّمين ونسبــة مواظبتهم على الدّرس موضــوع معقّد يصعب المسك بجميع خيوطه، لذلك تتطّلب تشريحا معمّقا بعيدا عن الانطباعية والذاتية والأحكام المسبّقة النمطية، طلبا للمكاشفة والمصارحة، خاصّة وقد أصبح اليوم بالإمكان قيس نسبة الدافعية كمّيا ونوعيا. أظهرت الأبحاث التي أجريناها على عيّنة عشوائية تضمّ 500 تلميذا، النتائج التّالية:

نسبة الدافعية
نسبة الدافعية

نستنج أنّ التلميذ التّونسي يواظب على الدّرس نتيجة محفّزات داخلية وخارجية في نفس الوقت، تقريبا بنفس الكمّية (5/7)، مع أفضلية للتحفيز الدّاخلي المعرفي (5.83). كما نلاحظ أنّ نسبة لادافعيته ضعيفة (2.33).

أثر دفتر المناداة على المواظبة:

لا شكّ أنّ غياب دفتر المناداة ساهم في ارتفاع نسبة الغيابات وإن بدرجات متفاوتة، حسب الولايات والمؤسّسات التربوية والمستويات، فالأقسام النّهائية كانت أقلّ تأثّرا نظرا لمكانة الامتحانات الوطنية علميا وشعبيا. باعتماد عيّنة عشوائية من الفصول في احدى ولايات الشمال، أمكن تقدير نسبة الحضور التي كانت تتراوح بين %75 و 85 %، علما وأنّ بعض التلاميذ الراسبين يتغيّبون بقطع النظر عن حضور دفتر المناداة من عدمه. أمّا باقي الأقسام، فلاحظنا غيابا له علاقة ارتباطية دالّة إحصائيا بالمناداة، تتراوح نسبته بين %25 إلى %35، طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار ظاهرة الخوف من العدوى بالكوفيد. كما تتغيّر نسبة الحضور حسب متغيّر العلاقة بالأستاذ وبكفاءته البيداغوجية وخاصة التواصلية، كما لوحظ تسجيل نسبة غيابات أعلى في المواد الاجتماعية ذات الضارب المتدنّي، وفي حصص اللغات لذوي الشعب العلمية خاصّة.

هل التعويل على دفتر المناداة هو الحلّ المناسب للحدّ من غياب التلاميذ وزيادة دافعيتهم؟

بعيدا عن المثل العليا والنظريات، من سنن الخلق وقوانين الطبيعة، أنّ لكلّ كائن حي ولكلّ مجموعة قوّة أخرى تراقبها وتعدّلها تأثيرا وتأثرا، فالعضلة تحتاج دوما الى الشدّ حتى لا ترتخي، فيسقط جسم الإنسان، مثلما المطلوب من كلّ الموظّفين تسجيل حضورهم في الإدارات. لكن من الخطأِ الجسيم التعويل على المناداة “لجرّ” المتعلّمين على الحضور. إذا كنا نعوّل على دفتر المناداة لنجبره على المواظبة فيا خيبة المسعى.
رغم أنّ تواجد التلميذ ولو جسديا داخل الفصل، يقلّل من فرص احتمال مخالطته لعصابات الانحراف بأنواعها، لكن لا نعتقد أنّ هذه الغاية التي وجدت من أجلها المدرسة وليست هذه رسالتها ووظيفتها، فليست مركزا للاحتفاظ ولحراسة من أولياؤهم يعملون. فهل الغاية هي ملء قاعات المعهد أو بناء العقول؟

الحضور خشية تسجيل الغياب لا يؤشر الى انعدام دافعية المتعلمين:

خلافا لما هو سائد، من الناحية العلمية، لا يُعتبر حضور التلميذ خشية تسجيله غائبا في دفتر المناداة تعبيرا عن انعدام الدافعية لديه للتمدرس، بل هو -حسب سُلّم (ديسي وريان 2000)- مستوى معيّن من الدافعية الخارجية. تختلف أنواع الدافعية حسب مصدر استثارتها:

• الدافعية الداخلية: في هذه الحالة، ليس لدفتر المناداة أيّ علاقة بحضور التلميذ، مواظبته تحركها عوامل نابعة من ذاته وهي في الأساس عوامل عاطفية وجدانية، يكون الدّرس مصدر متعة وابتهاج وسعادة ورضاء عن الذات وإشباع وافتخار. مواكبة الدّرس سلوك مفيد ومهمّ في حد ذاته وذو معنى ودلالة. في هذه الحالة، يكون حضور التلميذ مدفوعاً بدوافع داخلية، يخرج من المنزل حرّا، بمحض إرادته، من تلقاء نفسه، دون أن ينتظر الحصـول على تعزيزات اجتماعية أو مادية. تنقسم الدافعية الداخلية إلى الدافعية من أجل المعرفة التي تتمثل في اكتشاف معارف جديدة وصياغة وحل المشكلات والدافعية من أجل الإنجاز: مثل النّجاح في إنجاز الأنشطة المدرسية الصّعبة والتميّز في الدّراسة والتفوّق والدافعية من أجل الانتماء: مثل الانتماء إلى فريق أو حيّ أو عائلة أو معهد أو فصل أو شعبة و الاقتراب والاستمتاع بالتعاون والتواصل مع الأتراب وتبادل الآراء والتجارب مع من يحبّهم أو يشبههم، والحصول على إعجاب وحبّ موضوع مشحون عاطفيا، والتمسّك بصديق والاحتفاظ بالولاء له ورغبة التلميذ في إقامة علاقات وجدانية وعاطفية مع الآخرين ومع المقربين منه بصفة خاصة. لذلك يستغرب الملاحظون كيف يتواجد التلاميذ بكثرة خارج المعهد، بل حتّى في الساحة، دون الدخول في القسم (بعضهم لإيهام أوليائهم بالتمدرس)، فالمدرسة ليست فضاء لتعلّم المعارف فحسب، بل هي فضاء سليم للتنشئة الاجتماعية ومجتمع مصغّر يتدرّب فيه الشابّ على مهارات الحياة.

• الدافعية الخارجية: وهي التي تحرّكها عوامل خارجية أساسا، مثل الثّواب والجائزة والمنفعة مقابل العقاب والخيبة، أو ما يعرف عامة بمقولة “العصا والجزرة” وتضمّ أربع مستويات حسب درجة التحكّم الداخلية:
دافعية السلوك المنظم خارجيًا régulation externe: هو الأقل استقلالية، يُؤدى كنتيجة لطلب خارجي أو مكافأة محتملة. يحضر التّلميذ الدّرس خشية أن يسجّله المدرّس غائبا وما سيترتّب عن ذلك من تدنّي صورته أمام المدرّس والإدارة والعائلة والمحيط. يواظب التّلميذ على الحضور حتى لا يخيب ظنّ النّاس فيه، وحتى يكون موضع احترامهم وتقديرهم له، بل مخافة أن يتعرّض للّوم وللانتقاد اللاّذع أو تحذير أو توبيخ أو عقوبة من هذه الأطراف. يحضر أيضا تلبية لرغبة أوليائه حتى لا يزعجهم أو يقلقهم بتنقّلهم للإمضاء على سبب غيابه كذلك للحصول على عدد جيّد ومعدل محترم وللنّجاح الدراسي تمهيدا للظفر بشهادة الباكالوريا التي بدورها تفتح له بابا للدّراسة في الجامعة ممّا يوفّر له فرصة الحصول على عمل لائق وراتب جيّد لتحقيق “فرحة الحياة”.

التنظيم الداخلي للسلوك introjection: في هذا السلوك يشعر التلميذ بدوافع لإظهار القدرة على الحفاظ على قيمة الذات. حيث يجنّبه النجاح في المعهد الخجل من نفسه، ويجعله يشعر أنّه هامّ أمام نفسه، وحتّى يبرهن لنفسه أنّه إنسان ذكيّ وأنّه الأفضل مما يجعله أكثر كفاءة واقتدارا مستقبلا.

التنظيم من خلال تحديد الهويّة identification: هو سلوك أكثر استقلالا ذاتيا من الدّافع الخارجي. يمكّن هذا السلوك المتعلّم من تقييم الهدف المُراد تحقيقه بوعي، بحيث يتمّ تبنّي وقبول ذلك الإجراء باعتباره مُهمّا بشكل شخصي. يقتنع التلميذ أنّ المواظبة وبذل الجهد لهما دلالة شخصية بالنّسبة له ويشعر بالارتياح أنّه -مثلا- أحسن اختيار الشّعبة في مساره الدّراسي والتي سيحقّق من خلالها أهدافه.

التنظيم المتكامل/المدمج intégration: هذا السّلوك يحدث عندما يتمّ استيعاب الأنظمة بالكامل مع الذّات، بحيث يتمّ تضمينها في التقييمات الذاتية للتلميذ و المعتقدات الخاصة بالاحتياجات الشخصية. في هذه الحالة، يكون الدّرس جزءا من حياته اليومية وهو في تناسق تامّ مع القيم الشخصية التي يحملها.

• اللادافعية: يغدو التلميذ ويروح إلى المدرسة بصفة ميكانيكية، لا يتملّك الغاية من ذهابه للمدرسة، دون قصدية تذكر، ليس له لا دافعية داخلية ولا خارجية، مسلوب الإرادة، لا ينتظر نتائج أو مخرجات تمدرسه، يشعر أحيانا أنّه يضيّع وقته، وهي ضرب من ضروب اللامبالاة والاستقالة من الواجبات، شكّاء، “بكّاء”، ويحمّل مسؤولية فشله بالكامل على الآخر.

رُبّ ضارة نافعة:

لقد كشفت ظاهرة غياب دفتر المناداة عن أزمة المدرسة، وهي ارتفاع منسوب المراقبة وغياب حرّية الإرادة. لا ننتظر إقلاعا وريادة لمدرسة تنتج خرّيجين يُقادون إلى الفصل مجبرين مثل سائق لا يرتدي حزام الأمان إلا خشية من الخطية. في بعض التجارب المقارنة الناجعة، يضمر دور المناداة، حيث يتدّرب المتعلّم على تحمّل مسؤولياته. إنّ غياب التلميذ ولامبالاته وفقر دافعيته أعراض تُخفي أسبابا ذاتية وموضوعية، والمطلوب من كلّ الفاعلين التربويين معالجة هذه الأمراض التي أثخنت جراحا في جسم المنظومة التربوية. نقص الدافعية ليس قدرا محتوما، بل يمكن تقويتها وتجويدها بتغيير البرامج وتخفيفها وتمتين العلاقة بالمعرفة ومزيد تأطير المدرسين وتحسين جمالية الفضاء المدرسي حتىّ تصبح المدرسة جذّابة، يطيب فيها العيش وذلك بمراجعة الزّمن المدرسي، بما يسمح بإنشاء النوادي الثقافية وتوفير الظّروف الملائمة لتمدرس محفّز وإرجاع مكانتها كمصعد اجتماعي و ربطها بسوق الشغل، والاعتراف بجهد المدرّس وبإطار الإشراف الإداري والبيداغوجي وتشريك الوليّ خاصة بعد أن أكدت الأحداث الليلية الأخيرة استقالته وأبانت عن تفكّك أسري مفزع وغياب للحوار وللألفة العائلية وصراع بين الأجيال وغربة داخل عائلته، وهو ما يدعو الى الإحاطة النفسية بالشّرائح التلمذية الهشّة والحوار مع ممثّلي المتعلّمين للتعبير عن آرائهم بكلّ حرية وطمأنينة و تجنّب الانفراد بالرأي و مراجعة نظامنا التعليمي الموغل في المركزية والتراتبية وإنعاشه بجرعات من الحرّية والليونة والتشاركية وإصلاح النظام التأديبي حتى يصبح ذا دور وقائي ثم علاجي وردعي.

د. المبروك العلوي
متفقد عام للتعليم الإعدادي والثانوي
رئيس الجمعية التونسية لبيداغوجيا التربية

اترك رد