fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

14 جانفي 2021 إنّ في البلاد ثورة ولكنّهم لا يبصرون…

نور الدين الغيلوفي 

الحرية شرط الكرامة ولا يضيق بها إلّا بليد…

صورة عن ماضيهم الفاسد:

في سنة 2005 كنت مع صديق لي في سيارته.. جاوزتنا، ونحن في طريق المرسى، سيّارة شبابيّة فاخرة ليس عليها لوحة منجميّة.. فسألتُ صديقي:
– من يكون هذا ؟
فقال:
– ألا تعرفه؟ إنّه عماد الطرابلسي.. لا يحتاج، عندما يقود سيّارته، إلى لوحة منجميّة لأنه هو ذاته هويّة لسيارته.. ثمّ إنّه لا يريد أن يشبه الناس في شيء.. لأنهّ من النوع الأرقى ولأنّ القوانين جُعلت لغيره ولم تُجعل له.. وقد يطالك العقاب إن أنت سئلت عنه يوما فلم تعرفه بلا لوحته المنجميّة…
منذ 2011 وعماد الطرابلسي في السجن.. يدفع ثمن ما اقترفت يداه لمّا كان يعربد في البلاد ولا خصلة له سوى كونه من أصهار رئيس الجمهورية.. يفعل بالناس وأرزاقهم وأعراضهم ما يريد ولا قانون يردعه ولا خُلُق يمنعه ولا عقل يعصمُه…
وقتها كانت مركزيّة اتّحاد الشغل لا ترى ولا تسمع ولا تتكلّم.. وإذا تكلّمت تغنّت برفع تحديات بن علي التي تثقل كاهلها… عين النقابيين الكبار لم تكن ترى، وقتها، عماد الطرابلسي ولا تنتبه إلى ما يفعله، بسبب ثقل أوزار ما كانت تحمله من تحدّيات بن علي.. وبسبب ما كان يشغلها من إحصاء منجزاته ووصف معجزاته.. وتفرّغها لذلك تفرّغَ التجمعيّين.. لا فرق بين الفصيلين…

صورة عن حاضرنا الواعد:

اليوم، بفضل الثورة، ليس لحاكم أن يفعل ما يريد.. وليس لقريبِ حاكم أن يقود سيّارة في الطريق العام بدون لوحة منجميّة…
الحريّة التي كسبناها من ثورتنا تُقْدِرُنا على أن نراقب الحكّام.. وتسمح لنا بأن نرصد رئيس الحكومة وهو ينتظر دوره في المطار ليركب الطائرة.. لننشغل بتأويل وقفته بعد عودته ونسائله على منابر الإعلام.. بل أن نلاحق بنت الوزير إذا ركبت سيّارة الوزارة ونعبث بها وبأبيها إذا أحدثت بها عطبا أو لم تحدثه.. ويتلهّى الرئيس بترجمة العطب إلى ملاليم يذكر بها طريق بغلة عمر التي ورث لوحده السؤال عنها كما لم يُسأل عمر…

الحرّية تمكّننا من أن نمتنّ على رئيس الجمهوريّة بأصواتنا التي صعد بها إلى الكرسيّ وأن نسخر منه كما نريد حتّى نربكه ونربك ما حوله من غوغائيّين وهم يدبّرون ما يدبّرون في غرفهم المضيئة غير المظلمة لقلب النظام السياسي الذي لا يعجبهم وحدهم.. نفعل كلّ ذلك ونبيت في ديارنا آمنين…

الحرية التي غنمناها واسعة شاسعة تحمل على متنها الجميع.. تسمح حتّى للأعراض الوبائية من فاشيّة وشعبويّة وانقلابيّة ونقابويّة بأن تتطاوس على الثورة وتلعن اللحظة وتتضافر لتهشيم وعاء الدولة التي وافقت الثورة…

الحرية هي المفتاح.. وقد كسبنا المفتاح الذي يفتح جميع الأبواب لأنّنا بها تخلّصنا من قهر عشناه دهورا طويلة حتّى فسد منّا كلّ شيء.. وحتّى صار العربيّ يلعن نفسه لأنّه عربيّ لأنّ الحاكم أنساه فعل الفخر بنفسه.. وكيف للمقهور أن يفخر؟ وبأيّ شيء يفخر المقهور؟
المقهور يفقد بشريته ويتحوّل إلى مخلوق معطَّب معطَّل عن كل فعل مفيد.. إلّا أن يسخر من نفسه متى سُمح له أن يفعل.. وقلّما يُسمح للمقهور بالسخرية حتى من نفسه لأنّ آلة تأويل سخريته في يد قاهره…

الشعوب ليست أنعاما تنتظر الأعلاف من ناظر الحظيرة.. الشعوب بشر وليس أدلّ من الحريّة على البشريّة…
بفقدان الحرية يفقد الإنسان ما به يكون إنسانا ويتحوّل إلى بهيمة فاقدة للحسّ والعقل معا.. وكذلك كان الناس في زمن الدكتاتوريّة.. يأكلون الطعام ويُحْصون الأيّام ويفرّون، من أمام السلطة، كما تفرّ الأنعام…
الثورة لا يصنعها الجياع إنّما يصنعها المقهورون…
القهر أن ترى صهر الرئيس يعيث في البلاد فسادا ولا قانون يجمعك إليه ولا قضاء ينصفك منه إذا اعتدى عليك وأخذ ما في يديك..
القهر أن ترى زوج الرئيس المتخرّجة من حظائر الأميّة تُسند إليها شهادة الدكتوراه وتحظى بتمجيد الرجال والنساء.. وتخطب عند قدميها مثقَّفات الجامعات اللائي يمتنعن عن منح المقهورين ما يرفع منزلتهم.. حتّى يظلّوا مقهورين.. لأنهنّ من قهرهم يتمعّشنَ.. ويعشن…
القهر أن ترى قيادات العمل النقابي تنحاز إلى الجلّاد ضدّ الضحيّة لقاء إقطاعات أرضيّة تُجعل لهم مساكن فيسكنون ويسكتون مثل الأرانب في جحورها…
القهر أن تخرج في كسب رزقك من عرق جبينك فتأتيك أداة من أدوات السلطة تشاركك قهرك، وهي لا تدري، فتمارس عليك عربدة يمارسها عليها قادتها فتصفعك فلا تملك إلّا أن تضرم النار في جسدك.. وتترك لهم الدنيا وأحمالها ليواصل صهر الرئيس قيادة سيارته الفاخرة بلا لوحة منجمية…

الحرية مفتاح.. ومن أضاع مفتاحه بقي في العراء وابتلعته الثقوب السوداء ولم يتحقّق له من الكرامة شيء…
عشر سنين مضت على ثورة الحرية والكرامة.. تعطّلت الكرامة نعم.. وفسد المزاج وتعلّق العلاج.. وانتشرت الرداءة واستفحل الفساد كما لم يكن.. ولكن لا ينبغي أن ننسى أنّ سيّارة صهر الرئيس نسيَتْها الطريق وتنفّس القانون بسبب تعطّل محرّكها عن الدوران…
لم تكن للمخلوع تحديات ثِقال ولكن كانت له مواعين تسلّلت من شقوقنا وسكنت بالجدار تتنفّس نسائم الحرية وتعود إليها الحياة فتسدّ على الكرامة الأبواب.. تتنفّس لتستأنف خنقنا.. فيعجز الحاكمون عن الحكم وتصاب أيدي الفاعلين بالشلل.. وتغرق الجموع في الانتظار.. ويتغوّل الفساد.. والفساد فسادُهم…

ستنتصر الثورة وسيُغلَبون:

انصار الحرية ينتظرون زحزحة الصخور لتنطلق قاطرة التنمية لأجل بلوغ الكرامة المؤجَّلة بينما أعداء الحرية ينتظرون استفحال اليأس عسى أن يلعن المحرومون الحرية ويُسمعوهم ما ينتظرون “آش علمنا بيها الحرية؟” لينجزوا هم ثورتهم المقلوبة.. على المسار.. ويستأنفوا ما كانوا فيه من خراب الديار…
ولكن هؤلاء الذين يحتالون لتجويع الناس حتّى يثوروا لا يفهمون أنّ الثورات يفجّرها القهر ولا يُستعمَل لها الجياع… وهم لا يعرفون ما يصنعه الجوع بالجائعين…
ستبقى الحريّة مضادّا حيويّا يمنع فيروسات الانقلاب من التسلّل إلى البدن حتّى إذا تعطّل الإنجاز.. وسيحتالون لمزيد التعطيل والتعطيب.. قد يضيّعون من وقتنا الكثير…
ولكنّهم سيخسرون..
سينغّصون علينا حلمنا..
ولكنّهم سيُهزمون.. لأنّ أحلام الأحرار لا تموت…
وستلد الحرية كرامتها…
وسيزول من بلادنا الجوع.. كما زال الخضوع…

شاهد أيضاً

الديمقراطية التونسية الواثقة

نور الدين الغيلوفي  الديمقراطية التونسية قد لا تكون لها عراقة الديمقراطيات الأخرى ولكنّها تسير بثبات …

انطباعات من خطبة الرئيس

نور الدين الغيلوفي  تابعتُ خطبة السيّد رئيس الجمهورية عند انعقاد مجلس الأمن القومي.. وخرجت من …

اترك رد