fbpx
السبت , 23 يناير 2021

في انتظار تحويل الثورة إلى ثروة..!! 14 جانفي 2011 – 14 جانفي 2021

عبد اللّطيف درباله 

بن علي “فهم الجميع” في تونس.. وأذياله لم يفهموا شيئا بعد عشر سنوات كاملة من الثورة..!!
فشل الطبقة السياسيّة في تحويل الثورة إلى ثروة.. لا يعني فشل أو سوء الثورة..!!
“خبز وماء وبن علي لا”.. و”شغل.. حريّة.. كرامة وطنيّة”.. تحقّق النصف الأوّل من أهداف وشعارات الثورة.. وبقي النصف الثاني..!!

في مثل هذه الليلة المنقضية من عشر سنوات.. في 13 جانفي 2011.. خرج علينا الديكتاتور زين العابدين بن علي في خطبته الأخيرة.. وقد بدا مهتزّا ومتلعثما ومضطربا كما لم يظهر أبدا من قبل.. وكان ذلك آخر ظهور علني للرئيس الذي حكم تونس بالحديد والنار لمدّة 23 سنة.. ليختفي من حياة التونسيّين تماما بعد أقلّ من 24 ساعة.. منهيا كابوسا طويلا.. ولم يظهر أبدا بعدها إلى أن توفيّ قبل فترة..
بن علي قال للتونسيّين ليلتها كلمته الشهيرة: “أنا فهمتكم.. أنا فهمتكم.. وفهمت الجميع”..!!
فقد بدا له فجأة أنّه فهم التونسيّين..!!
لكنّ فهم بن علي جاء متأخّرا جدّا.. فالحقيقة أنّ التونسيّين رفعوا أساسا في احتجاجاتهم شعارات الحريّة والكرامة والتنديد بالفساد.. ونادوا بالشغل والحياة الكريمة وإنهاء دولة البوليس والاستبداد.. وهتفوا برحيل الديكتاتور بن علي نفسه.. وكانت أبرز شعارات الثورة:
“خبز وماء وبن علي لا”..
و”شغل.. حريّة..كرامة وطنيّة”..

بعد عشر سنوات من الثورة تحقّق النصف الأوّل من شعاراتها وأهدافها.. وبقي النصف الثاني..

المضحك أنّ بن عليّ وقد أدرك طوق الناس والشباب خاصّة للحريّة.. أطلق في مثل هذه الليلة المنقضية 13 جانفي 2011 الحريّة على شبكة الإنترنت.. ورفع فورا القيود والحظر عن عديد المواقع.. في محاولة أخيرة لإقناع الشعب التونسي بأنّه تغيّر فعلا.. وبأنّ عهدا جديدا للحرية بدأ في تونس..
لكن وعوض أن يثمّن التونسيّون ذلك للديكتاتور بن علي ويتوقّفوا عن الاحتجاج ضدّه والمطالبة برحيله كما توهّم وتمنّى.. فقد سهروا على العكس من ذلك حتّى الفجر وهم يكتشفون على الإنترنت ما فاتهم من أخبار فضائح وخور استبداد وجرائم وفساد نظام بن علي وعائلته.. والتي كانت الكثير منها ومن تفاصيلها وحجمها خافية عنهم نتيجة التعتيم الممنهج والواسع وسياسة الحجب والاخفاء.. بما زاد في حنقهم على الديكتاتور ونظامه وجعلهم أكثر إصرارا على إسقاطه..!!!

ربّما نسي البعض.. أو جهل الكثير من الشباب الذي كان صغيرا حينها.. أو قد يصعب عليه أن يصدّق.. أنّ “اليوتيوب” و”الديلي موشن” مثلا كانت محظورة في تونس ولا وجود لها إلى ليلة 13 جانفي 2011.. وأنّ الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الويب المختلفة والمدوّنات وصفحات الأخبار وغيرها كانت محظورة بدورها.. وأنّ هناك عبارة كانت شهيرة وهي “كود 404” الذي يطالع الكثير من المبحرين على الأنترنت كلّما حاولوا فتح صفحة ممنوعة ومحجوبة.. وكأنّ الأمر يتعلّق بخلل تقني.. وقد أسماها الناشطون السياسيّون المعارضون سخرية “عمّار 404” ونادوا بإنهاء تلك الممارسات..
ونسي البعض أو تناسوا عمدا.. وجَهِلَ الجيل الجديد.. بأنّه كانت هناك رقابة طاغية ومفزعة للبوليس السياسي على نشاط التونسيّين على شبكة الأنترنت وعلى الفايسبوك.. وأنّ كلمة واحدة أو مجرّد تعليق أو تفاعل مناهض للنظام.. كان يمكن أن يكلّف صاحبه الاعتقال والإهانة والتعذيب والمحاكمة والسجن..!!!

إنّ الحريّة التي أضحت اليوم بديهيّة وعاديّة بحيث يمكنك أن تنقد وتهاجم بل و(تسبّ) رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة والوزراء والقيادات الأمنيّة وكبار مسؤولي الحكم.. ثمّ تنام آمنا مطمئنّا برغم ذلك.. كان يعدّ نوعا من الخيال العلمي إلى حدّ مثل هذه الليلة قبل عشر سنوات..!!!

الكثير من الشباب الذي دمغجته في السنوات الأخيرة بروباغندا الإعلام النوفمبري والكثير من السياسيّين من أذيال النظام السابق.. فاعتقدوا بأنّ “قبل الثورة كان خير”.. وأنّ “الثورة لم تأت إلاّ بالفوضى والمتاعب والفساد والإفلاس والغلاء..”.. وأنّ “عهد بن علي كان عهد الأمن والأمان والرخاء والنظام”.. ربّما يجهلون حجم القيود التي كانوا سيواجهونها في عهده.. وسيصعب عليهم فعلا تصوّر حياتهم بدون إنترنت وبدون وسائل التواصل الاجتماعي وبدون حريّة وبدون حقّ الرأي والتعليق والنقد.. تماما كما كانت في عهد “الأمن والأمان” البنفجسي المزعوم..
وهم ربّما يجهلون حجم التعتيم الذي كان سائدا قبل الثورة.. وحجم الفساد والإجرام والتعسّف والاستبداد.. وحجم المصاعب والمشاكل والمعاناة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والشخصيّة.. التي كان يرزح تحتها أغلب التونسيّين..
لكنّ هذا الجيل التونسي الجديد الذي تربّى طيلة عشر سنوات من عهد الثورة وسقوط الديكتاتوريّة.. هذا الجيل الجديد الذي ترعرع وعاش وتنفّس في أجواء الحريّة الكاملة من 14 جانفي 2011 إلى 14 جانفي 2021.. سيصعب عليه بالتأكيد أن يعيش الحياة التي عاشها التونسيّون واقعا قبل سقوط الديكتاتور ورحيل بن علي..
هذا الجيل الجديد الصغير الذي تربّى طيلة سنوات ما بعد الثورة في أحضان الحريّة والديمقراطيّة وبلا رقابة ولا حدود وبكرامة غالبة.. لن يستطيع أبدا أن يعيش مستقبلا بدون تلك الحريّة التي أصبحت جزء من كيانه وعقله ومن الأوكسيجين الذي يتنفّسه.. وهو ضمانة استمرار الثورة.. وسيكون أكبر مدافع عن استمرار الحريّة والديمقراطيّة في تونس.. مهما كانت آثارها الجانبيّة..

برغم كلّ المشاكل والأزمات والمصاعب والأوضاع المترديّة.. فقد حقّقت الثورة للتونسيّين الكثير.. وبقي مع ذلك تحقيق الكثير..
لكنّ النقائص والأزمات والمصاعب لا يجب أن تحجب عنّا تماما إيجابيّة ما تحقّق..
ولا يجب أن يجعلنا البعض أو تجعلنا الأوضاع “نكفر” بالثورة وبالحريّة وبالديمقراطيّة..!!
ذلك أنّ ضعف وعجز وانتهازية الأحزاب والشخصيات السياسية لا يعني ضعف أو عجز الديمقراطية والحرية عن تحقيق تطلعات وأحلام التونسيّين..!!
وأنّ فشل النخبة السياسيّة لا يعني بالضرورة أنّ الثورة فشلت..
وأنّ تخبّط حكّام تونس وأحزابها الحاكمة وسياسيّيها ومن ألقت بهم الصدف لإدارتها وحكمها.. لا يعني بالضرورة أنّ ما قبل الثورة أفضل..
وأنّ فشل هذه الطبقة السياسيّة في “تحويل الثورة إلى ثروة” لا يعني بالضرورة أنّ الثورة أمر سيّء أو أنّها فوضى أو أنّها كارثة.. كما يسوّق ويروّج أعداء الثورة والحريّة جهلا وعبثا وزورا..

باختصار.. ودون الحاجة إلى نظريّات وكثير شرح وتحليل واقناع.. يعلّمنا التاريخ الحديث أنّ ما من بلد في العالم تقدّم اقتصاديّا وعلميّا وتطوّر ماليّا وتكنولوجيّا.. وحقّق لشعبه ولأغلب مواطنيه الازدهار والرخاء والوفرة والحياة الكريمة.. دون أن يتحوّل إلى بلد حرّ وديمقراطي أوّلا..
لذا فإنّ كلّ من ينظّر ويزعم بأنّ تونس كان يمكنها أن تكون أفضل بدون الثورة.. وبدون الحرية والديمقراطيّة.. وأنّ الديكتاتوريّة وحكم الاستبداد لبن علي كان يمكنها وحدها تحقيق الرفاة والحياة الكريمة للشعب التونسي.. هو كاذب ويبيعهم الوهم والسراب لا غير..
لا حياة كريمة تحت الاستبداد..

ومع ذلك فصحيح أنّه في تونس لا تزال الديمقراطيّة والبنية السياسيّة في حاجة إلى الكثير من الإنجازات و”الترميمات” لتكتمل هيكلة النظام السياسي بطريقة صلبة ومستمرّة ومثمرة..
ولا تزال الثورة في حاجة إلى إنجازات اقتصاديّة وماليّة واجتماعيّة لتكتمل وتنمو.. وتحقّق كامل أهدافها..
ولا تزال تونس في حاجة إلى ثورة تعليميّة وثقافيّة وفكريّة لتبدع وتزدهر..
ولا يزال أمامنا الكثير من العمل لتحويل ثورة 17 ديسمبر 2010 / 14 جانفي 2011 إلى ثورة ثروة وتقدّم وازدهار..
ولا تزال تونس في حاجة إلى روّاد فكر وسياسة يقودونها نحو النجاح والعظمة..
ولا تزال تونس تنتظر طبقة سياسيّة تليق بها.. وعلى مستوى تطلّعات وأحلام وطموحات شعبها.. لتصنع لهم الربيع الحقيقي..

“بعد الثورة خير” بكلّ تأكيد..
وننتظر المزيد من الخير..

بن عليّ فهم تونس والتونسيّين يوم 13 جانفي 2011..
لكنّ بعض أهل النخبة السياسيّة والإعلاميّة لم يفهموا التونسيّين حتّى اليوم بعد 10 سنوات كاملة على الثورة..
وكما قال بن عليّ “غلّطوني”.. فإنّ هؤلاء يتعمدّون مغالطة التونسيّين..

رحم اللّه الشهداء جميعهم..
شهداء النضال ضدّ الاستعمار..
وشهداء النضال ضدّ الاستبداد..
وشهداء الثورة..
وشهداء الإرهاب..

حفظ اللّه تونس والتونسيّين..
تحيا الثورة..
تحيا الحريّة..
وتحيا تونس أوّلا وأخيرا..

شاهد أيضاً

14 جانفي: عيد المُمكن !

زهير بن يوسف  كان الشباب دوما في بلادنا قاطرة النضال الوطني مدافعا لا يني عن …

أمريكا تتعرّب..!!!

عبد اللّطيف درباله  أعمال عنف وشغب.. وعدم اعتراف متبادل من الجهتين بنتائج الانتخابات.. وطريقة حكم …

اترك رد