fbpx
الأحد , 24 يناير 2021

تونس… عشرة أعوام على ثورة الحرية والكرامة

بشير العبيدي 

#أقولها_وأمضي
هبت رياح الثورة على البلاد العربية حين أيقنت الشعوب -في مجملها- بأن كلفة الاستبداد والفساد المرتبط به موضوعيا، أعلى بكثير من كلفة الإقدام على التغيير.

لقد كانت إرهاصات التململ العميق ترسل بإشارات كثيرة، لم يستطع أن يتلقطها المستبدون في وقتها. ومن بين تلكم الإشارات، ظهور حركات المطالبة بالإصلاح، والمناداة بحق الشعوب في المشاركة في تقرير مصيرها. فكانت انتخابات الجزائر سنة 1991 وما تلاها من عنف دموي ودمار شامل مؤشرا على عمق الأزمات في البلاد العربية. ثم أجهضت التجربة الجزائرية، وصبرت الشعوب بعدها عشرين سنة، قبل أن تستيقظ مجددا مع ثورة الحرية والكرامة التونسية، التي تمكنت من التخلص من رأس أعتى أنواع الدكتاتوريات المعاصرة، ثم انتشرت الموجة لتشمل عددا كبيرا من البلاد العربية والإسلامية.

كانت الثورات العربية مباغتة ومتتالية، وكذّبت حدّتها وسعة انتشارها ما كانت تدعيه كثير من النخب من خمول واستكانة الشعوب وقبولها بالأمر الواقع. ولقد أجبرت ثورات الربيع العربي جل الحكام والمنظومة الدولية على التحرك بسرعة لاحتواء الموقف، بشتى الطرق والوسائل. واجتمعت أسباب متشابكة أدت إلى نكسات متتالية للثورات العربية، أهمها ضعف القيادات الحاملة للواء التغيير وقلة تعاونها وجهلها بأسباب امتلاك القوة والمناعة، ونزاعاتها الأنانية، مع تكالب قوى الدولة العميقة وانخراطها في ثورات مضادة بمساعدة عسكرية وسياسية مباشرة من القوى المهيمنة في العالم، فتم توظيف الإرهاب بشكل غير مسبوق، وتفجير الخلافات المذهبية والسياسية والفكرية والثقافية والدينية، حتى أدى تزوير الوعي إلى تكريه الناس في الثورة وفي الحرية، وإجبار العامة على تفضيل زمن الاستبداد على زمن الثورة، وهو شكل من أشكال معاقبة الشعوب على ثوراتها، وإركاسها لكي تستكين مجددا وتتقبل الأمر الواقع مرغمة.

وبعد عشر سنوات من اندلاعها، لم تفقد التجربة التونسية فرادتها العربية، فهي لم تنخرط في الاقتتال الداخلي المسلح ولله الحمد، إلا أن تحجيم أثر ومدلول الثورة كان واضحا جليا لكل ذي بصيرة، وبان ذلك في نقاط عديدة، أعدد بعضها في ما يلي من نقاط:

01 | محاولات الإجهاض وإفراغ الثورة الثورة التونسية من محتواها: وهو مسلك قديم في تونس، إذ تم إجهاض المشروع المعروف بدستور عهد الأمان، منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، أي منذ قرن ونصف، وإجهاض ثورة مسلحة قادها علي بن غذاهم الذي تمت تصفيته بخيانات، وإجهاض مشروع خير الدين باشا الإصلاحي، ثم إجهاض الحزب الحرّ الدستوري التونسي الذي أسسه العلامة عبد العزيز الثعالبي، ثم الحصول على الاستقلال وإجهاض معناه بتحويل الاستقلال إلى مشروع استلحاق، ثم إجهاض مشروع الدولة الوطنية عبر تحويلها إلى دولة الحاكم المتألّه الأوحد، ثم محاولة إجهاض الثورة عن طريق ترذيلها وتحقيرها في عيون شعبها، وتفضيل زمن الاستبداد عليها، وهو ما نعيشه بعد عشر سنوات من الثورة التونسية.

02 | ظهور أزمة عميقة غير متوقعة، بعد أن بان بالكاشف أن القضاء على رأس النظام الاستبدادي غير كافٍ بالمرة للقضاء على الاستبداد جملة. إذ بقيت الدولة العميقة وتشابكات مصالحها تعمل بوتيرة متسارعة، مستفيدة من ضعف القيادات الحاملة للواء الثورة، ومستفيدة من سقطات المخلصين والصادقين الذين اكتشفوا -بعد فوات الأوان- أن كلفة الاستبداد أعلى بكثير مما تخيلته النخب الحاملة للتغيير، وأن الصراعات الداخلية تعقدت بدخول القوى الأجنبية على الخط، وتمويلها المفضوح لمحاولات إفراغ الثورة التونسية من محتواها، وتحجيم محاولات النجاح عبر فرض أجندات لا علاقة لها بهموم وأولويات التونسيين، واستثمار مناخ الحرية لتكريه الناس في فكرة الحرية وترذيلها وإظهار الحرية في مظهر الفوضى العارمة، لتيئيس الناس من فكرة الثورة والمطالبة بالحقوق والكرامة.

03 | التزوير الجديد للانتخابات عبر تزييف الوعي العام عن طريق جهود إعلامية كبرى تصب كلها في مصبّ واحد هو دفع الناس لاختيار قادة غير أكفاء، يقدمهم الإعلام في صورة المنقذين، وهم في حقيقتهم صناعة إعلامية، كما يقوم بترذيل وإسقاط قيادات أخرى مقتدرة وإظهارها في صورة الفاشل والفارغ. هذا التزوير الجديد نتيجته ما نراه في مجلس نواب الشعب من صعود فئة من المنتخبين يساهمون بشكل مباشر وجلي في كسر صورة الدولة الجادة صاحبة السيادة، بهدف وحيد هو تفضيل دولة الاستبداد والقمع على دولة الانتخابات بالصناديق. كما نرى نتيجته في تذرر المجتمع السياسي وتمزقه على الأحزاب الشخصانية الأنانية، وصعود أشخاص إلى رئاسة الدولة ليسوا في مستوى الكفاءة المطلوبة شكلا ومضمونا. فأدى كل ذلك إلى بروز الفساد والمافيات المرتبطة به في صورة الأقوى تجاه الدولة. كما سقطت رئاسة الدولة في دور بائس كطرف من التجاذبات بدل لم شمل المجتمع والنهوض بكل أطيافه نحو الرقي التاريخي والترفع عن سفاسف السقطات السياسية.

04 | ارتهان الاقتصاد وابتزاز التونسيين بأمنهم المعيشي، وذلك عن طريق نقابة “الاتحاد العام التونسي للشغل” التي تم إفراغها من محتواها وتحويل وجهتها لكي تصبح قوقعة أو درقا لشراذم المؤدلجين من “كافيار” اليسار المعادي للثقافة المحلية، يستخدمون النقابة في شتى القطاعات، ويوظفونها في الصراع الأيديولجي، لمنع أي تغيير أو تطوير تحت لافتة الحفاظ على مصالح العمال. إن هذه النقابة تمثل جزءا من المشكلة العميقة لتونس، فهي تطلب من الدولة ما لا تطيقه، وتمنع أي محاولة للتغيير رغم علمها التام بواقع الميزانية وصعوبة الأوضاع الاقتصادية العالمية. إن العرقلة التي تقوم بها النقابة العمالية في تونس تعتبر من أهم أسباب تعثر الثورة التونسية، بعد أن كانت النقابة زمن بن علي من أهم ركائز الاستبداد، وهو سوء استخدام للحرية يوشك أن يجلب آثارا خطيرة على البلاد والعباد.

05 | غياب الثورة العقلانية الثقافية من تفكير التونسيين، ويظهر ذلك جليا في اعتقاد قطاع واسع من التونسيين أن الحل يكمن في “الرجوعيات”، سواء منها “رجوعية الاستبداد” أو “رجوعية الأيديولوجيا” أو غيرها من “الرجوعيات الواهمة”. فالذين يعتقدون أن تحقيق التغيير يتم عن طريق فكرة “الرجوع” لا يدركون أن رجوع الزمن يكاد يكون المستحيل الملموس الوحيد في الوجود، وأن الحلّ هو في إدراك أن التغيير ينجز بالتقدم إلى الأمام في اتجاه صحيح، دون التخلي عن العناصر الجوهرية التي تشكل شخصية التونسي، وهي اللغة والإيمان والأخلاق. فلا مفرّ من اعتبار الحرية مكسب عظيم رغم عدم شعور الناس بالفائدة المباشرة للحرية، ولا مفرّ من تحقيق الثورة الثقافية الأخلاقية العميقة للتخلص من العوائق الثقافية القاتلة مثل التواكل، والانتهازية، والتسلق، والمصلحية، والأنانية، والشخصانية، لفائدة تفضيل العمل والإنجاز، وتفضيل مبدأ الربح المشترك والتعاون على المصالح بدل التنافس القاتل، والتخلص من عقلية الهروب إلى الخارج، وعقلية “اترك البلاء في بلائه”…

نعم، لم تثمر الثورة التونسية مشاريع اقتصادية كبرى، وتطوير للبنى التحتية. نعم، لم تثمر الثورة التونسية حكومة قوية لدولة مستقلة الإرادة، نعم لم تثمر الثورة التونسية توافقا واسعا حول الرؤية المستقبلية، لكن ما أثمرته تونس هو أبعد من كل هذا: لقد أسقطت ثورة تونس كل أنواع الوهم في البلاد العربية. فلا الاستبداد سيضمن مستقبلا، ولا النظام الانتخابي سيضمن حكومة مؤهلة، ولا الحرية ستضمن خبزا طاهرا من الخيانات. إن الذي يضمن كل هذا هو العمل والجد والاجتهاد والتصميم إلى نهاية النهاية. إنها معركة وعي. وفي مثل هذه المعركة النصر سيكون حليف المثابرين الصابرين المستمسكين بالقيم والمبادئ. هذه بعض الإشارات في الذكرى العاشرة للثورة التونسية المجيدة، ثورة الحرية والكرامة، التي ستظل شعلة لا تنطفئ في قلوب المؤمنين بالتغيير العميق، والثقة في توفيق الله وفي وعي الشعوب ووحدة المصير.

✍🏽 #بشير_العبيدي | جمادى الثانية 1442 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا |

شاهد أيضاً

وداعاً … بنت عمي! محرزية العبيدي

بشير العبيدي  #رقصةاليراع #محرزيةالعبيدي سيدة عظيمة من سيدات تونس والوطن العربي، غادرت عالمنا هذا اليوم، …

أريج السعتر… على طريق المدرسة

بشير العبيدي  #رقصة_اليراع أشقُّ البرارَ والبحارَ مهاجراً، ثمّ أعودُ لمرفع رأسي – بين الفترة والفترة. …

اترك رد