fbpx
الثلاثاء , 19 يناير 2021

لماذا نَضعُف أو بعضنا عند التعرض لـ الضغوط النفسية

عمار التريكي 

عندما يتعرض أحدنا لـ الضغوط النفسية يشعر بأن قدرته على التفكير والتأمل تضعف، لا نقدر على المحافظة على نفس القدر من الموضوعية في تقييماتنا وتعاملاتنا وتتعرض المعالجة المنطقية للأمور التي بين أيدينا إلى خلل بمستويات مختلفة مرتبطة بمستوى الضغط الذي نعيشه وكذلك بقدرة التحمل لدى مختلف الأفراد.
يمكن تناول الموضوع من مداخل متعددة ولكني سأتناوله من مقاربة نفسية وعقلية مع تأمل اشتغال الدماغ البشري. 

عندما يكون الشخص فريسة للتوتر فإنه لا يقوى على المبادرة، النشاط الحثيث الواعي، على التفكير العميق والتأمل، تضعف إرادته، ينجز عمله الروتيني وفق ما تعود عليه ولا يتعلم منه إذ أن التعلم عملية فكرية بامتياز/ التعلم هو أن يكتسب المرء معرفة يحولها بوعيه إلى مهارة، يطبقها فيرى نتيجة فعله يمر من ذلك إلى تقييم النتيجة مقارنة مع ما اكتسب فيعدل فعله وهكذا تتطور الحياة، يمكن أن نساعده بأستاذ أو مدرب لكن لا يمكن لذلك الأستاذ أن يصنع شيئا في حال غياب وعي المعني.
سيضل يذهب إلى عمله وينام ويأكل وينجز كل العمليات التي تعود على فعلها، ينجزها دون تركيز ولا يتجاوزها إلى غيرها مما يحتاج تركيزا وتفكيرا وإرادة.
نلقي نظرة تحليلية على ما يقع للنفس البشرية بين أن تكون في وضعية مريحة نفسيا إلى أن تكون واقعة تحت وطأة الضغوط النفسية أو التوتر أو الرسائل السلبية مستعينين ببعض ما حملته علوم التربية ومنهجية عمل العقل البشري وكيفية اشتغال الدماغ البشري حتى نقترب من إيجاد أجوبة لعدد من الأسئلة التي تشغل بال الكثير من المهتمين بالمجال.

1. مسألة المكافأة الفورية مقابل المكافأة المؤجلة

récompense immédiate \ récompense différée
اختبارات الحلوى مع الصبية Les test du Marshmallow
(Ces habitudes qui font grandir votre talent, Fumio Sasaki – éditeur : Guy Trédaniel p33)
تكرر إجراء الاختبارات في عدة بلدان وأدت لنفس النتيجة وكان أشهرها التي أجراها Walter Michel من جامعة université de Stanford حيث أحضر مجموعة من الأطفال في سن الخامسة إلى القاعة وكلف مساعده بأن يضع صحنا فيه قطعة حلوى Marshmallow أمام كل طفل، ثم يقول لهم: “كل طفل يمكنه أن يأكل القطعة فورا لكن إذا انتظر خمسة عشر دقيقة حتى يصل الأستاذ فإنه يحصل على قطعتين من الحلوى”،
ثلثان من الأطفال لم يستطيعوا تجاوز ست دقائق في المعدل والتهموا القطعة بل منهم من التهمها فورا، في حين تمكن الثلث من ضبط النفس لخمسة عشر دقيقة وحصلوا على قطعتين بمجرد دخول الأستاذ بعد الوقت الموعود.
تواصل البحث بملاحظة الفريق إلى أن بلغوا الخامسة والثلاثين من العمر للبحث إن كانت توجد فروق في حياتهم بين الثلث الذي له مستوى من ضبط النفس la maitrise de soi والثلثين الذين لهم مستوى أقل في ضبط النفس.
تبين أن الذين تمكنوا من ضبط النفس كانوا:

  • أكثر حبا ومقبولية من أقرانهم وأكثر جاذبية للجنس الآخر،
  • أكثر مقبولية ورضا من أساتذتهم،
  • أقل عرضة للسمنة لمحافظتهم على التوازن الغذائي،
  • اقل عرضة للمخدرات ولا يتأثرون بأطروحات الجماعات المتطرفة،
  • لهم معامل أعلى في المناظرات العلمية والنفسية ويقنعون أكثر للحصول على مرتبات أعلى عند التخرج.

يتساءل الباحثون مع هذه النتائج المهمة بل المبهرة وذات الدلالة هل أن مصير المرء يتحدد منذ طفولته ولكن يجمعون على أن التربية على ضبط النفس والصبر واعتماد منظومة قيمية متماسكة متكاملة منذ الطفولة أمر في غاية الأهمية وهو في الواقع تربية منذ الطفولة على تحمل الضغوط النفسية التي تبدو بسيطة ولكنها تكبر معه فيصبح قادرا على تحمل مصادر التوتر والتعامل بأكثر إيجابية مع الرسائل السلبية التي لا تخلو منها الحياة اليومية وتسبب أحيانا لدى عدد غير قليل منسوبا من التوتر وخلافات مضرة بالعلاقات سواء العائلية أو الزوجية أو الاجتماعية والمهنية ولها علاقة مباشرة بمستوى الثقة بالنفس. فعندما يقول أستاذ لتلميذه مثلا “أنت لا تفهم” فهي عبارة تخدش الكرامة إلا أن التلميذ أو الطفل عموما صاحب الثقة بالنفس العالية تسوؤه ولكن دون أن تترك جروحا نفسية عميقة وإذا خاطب المسؤول الموظف بقوله “أنت لا تصلح لشيء” وكانت طفولة ذلك الموظف سليمة ففي الغالب سيحسن التعامل مع تلك الرسالة السلبية فضلا عن أن هؤلاء أقل عرضة أصلا لتلك الرسائل بحكم توازن شخصياتهم وقدرتهم على ترك انطباع لدى الآخر أنهم على درجة محترمة من تحمل المسؤولية جديرة بالتقدير.

الحديث عن المكافأة الفورية أو المؤجلة وانخراط الشخص في العمل المثمر في حياته وإفادة مجتمعه تحمل نفس المعنى سواء كانت المكافأة إيجابية أو سلبية ويحيل ذلك إلى التفكير في ما يميز السلوك البشري عن السلوك الحيواني إذ أن سلوك هذا الأخير تحدده المكافأة الفورية سلبا وإيجابا. إذا جاع فإنه يعمل على ما يسد حاجته وإذا خاف كذلك فيطيع تعليمات صاحبه تحت التهديد الفوري، أما الإنسان متمتعا بالتفكير فإنه يفكر ويعمل على إعداد المأكل والمشرب للمستقبل ولذلك يعمل على تحقيق أمنه الفوري والمتوقع أي المؤجل. ما جعل الإنسان كذلك هو مَلَكَة التفكير التي ميزه الله تعالى بها ولولاها ما كان ليحسن إدارة الكثير من شؤونه.

من جهة أخرى فإن البحث عن الحلول لا ينحصر في اتجاه بعينه بل يبحث في كل الاتجاهات وأولها تأمل سبب فعل الناس للمخالفات أو للمعاصي، بعض معنى ذلك هو الاعتقاد الخفي بأن المكافأة إنما هي مؤجلة وبالتالي لا يتحمس كل الناس بنفس الدرجة للامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه أو الامتثال للقوانين وكذلك الحال مع ما هو ممنوع شرعا أو قانونا ذلك أن العقاب (مكافأة سلبية) مؤجل.

مثل ذلك لماذا نجد تفاوتا في النضال والبذل بين بين شخص وآخر، إن مرد ذلك أو بعضه أن من لديه ثقة عالية بالنفس وثقة عالية بالله تعالى الذي وعده بالجزاء لكل عمل صالح يقوم به هو بمثابة المكافأة الفورية لثقته المطلقة بالله وأن وعده حق أما إذا ضعف الإيمان والثقة بالله فإن نظرته للجزاء (الجنة والنار) مثل نظرته للمكافأة المؤجلة ليس نتيجة عدم التصديق العقلي بذلك ولكن بدافع التأجيل والتسويف وتغليب الراحة على التكليف والسكون على الحركة.

يتبين لنا أهمية التربية على ضبط النفس في سن مبكرة لما له من تبعات كبيرة في مرحلتي الشباب والكهولة.
ما نحن بصدد التفكير فيه وتحليله هنا هو ماذا لو فقد الانسان جزئيا القدرة على التفكير، ما يجرنا إلى التنبيه أن ذلك يسبب فقدان الكثير من المصالح الحيوية وبعض القدرة على إدارة شؤونه الفردية والجماعية في إطار الأسرة أو التعليم أو إدارة الشأن العام أو في الحياة الجمعياتية والحزبية.
كل ذلك يدعونا بإلحاح للبحث عن الحلول الوقائية والعلاجية لاحتمال أن تضعف قدرة المرء على النشاط الواعي عند تعرضه للضغوط النفسية، أُفَضّل أن أوسّع دائرة التحليل إلى أنظمة عمل الدماغ البشري.

2. الدماغ البشري له نظامان للعمل

النظام الاجرائي:système opératoire : الذي يهتم بالعمليات والإعداد لها كأن يركز لاعب الكرة في تصويب الكرة نحو المرمى.
نظام الملاحظة: système d’observation: الذي يراقب المحيط وقد يتدخل لتعديل مخرجات النظام الإجرائي في أخر لحظة مثل أن يعدل الصياد رميته في اللحظة الأخيرة لأن الغزال المطارد غيّر مكانه ما يستوجب تعديل التصويب بناء على إشارة نظام الملاحظة.

بالعودة إلى لاعب الكرة الذي يريد أن ينجح في تصويبه، عندما ينتبه لأصوات جمهور قريب يحذرونه من أن تكون رميته على العارض، تتعالى الأصوات وتتكرر بذلك فيصبح عقله منشغلا في جزء هام بالتفكير في الخطأ المحتمل وهو العارض، يغزو هذا النمط من الخوف تفكيره تدريجيا إلى درجة أنه يصيب العارض برميته.

هذا بعض ما يفسر الخوف من الفشل عموما بأن الخائف من الفشل يفشل بارتكابه الخطأ ذاته الذي كان حذرا منه في البداية وقياسا على ذلك نجد بعض التلاميذ يفشلون في الامتحانات نتيجة خوفهم منها وليس نتيجة ضعفهم أو نقص ذكاءهم. نجد أن السائق يكون قادرا على أن يركن سيارته بين سيارتين بشكل جيد لكن وجود متفرجين ينبهونه أن لا يصدم إحدى السيارتين الأمامية أو الخلفية كاف حتى يصدم إداهما أو كليهما لمّا يتملك الخوفُ من تفكيره فيضعف النظام الإجرائي في القيام بمهمته.

من قوانين العقل الباطن أنه لا يمكن الامتناع عن التفكير في ما لا نريد التفكير فيه “لا يمكن أن لا تفكير في ما لا تريد التفكير فيه دون أن تفكر فيه” فلو قال لك محدثُك “لا تفكر في فيل أبيض اللون” فإنك ستفكر فيه لوهلة حتى تتفطن بعد ذلك أنه طلب منك أن لا تفكر فيه. (Les erreurs du cerveau-un super pouvoir Par Henning Beck – édition Michel Lafon).

ألا ترون أن هذا نوع من الضغوط النفسية التي نتعرض لها يوميا أحيانا، ما العمل لكي نتجنب ذلك وأن تكون لنا القدرة على رفع مستوى تحمل الضغوط النفسية. لا نملك أن نتجنب الضغوط دائما لكننا بالتأكيد نملك أن نغير نظرتنا للضغوط وأن نرفع من طاقة تحملنا لها.

تقول د. سيرين بن مامو (باحثة مغربية في علم الأعصاب وعلاج الأعصاب) http://cyrinne.com
بمجرد أن يتجاوز الضغط الذي تعاني منه عتبة معينة، سيحولك دماغك من الوضع الواعي المتعمد للعمل إلى الوضع التلقائي الأتوماتكي للعمل. هناك مواقف نعود فيها، رغما عن أنفسنا، إلى العادات التي لا تتماشى بالضرورة مع قيمنا، وخياراتنا الواعية، ومصالحنا، ولكن توترنا حقًا هو الذي يجعل الدماغ يتخذ هذا الاختيار، وهذا ما يفسر على سبيل المثال لماذا يفشل الكثير من الناس في الحفاظ على أنماط حياة سليمة”.
“. . .لا نلوم أنفسنا، فلا يوجد شيء نلوم فيه أنفسنا، علينا فقط أن نفهم كيف نعمل من وجهة نظر عصبية لنكون قادرين على مراعاة هذه القوانين البيولوجية، على الرغم من الإجهاد، والقدرة على اتخاذ خيارات واعية للنمو حتى يتم تحقيقها والاستمرار في التعلم”.

يتمتع الإنسان في حالة التوازن النفسي وغياب التوتر أو ضعفه واستقبال الرسائل السلبية بقدرة عالية على التكفير والتحليل واتخاذ القرار المناسب والاستفادة من تقييم نتائج أفعاله ونمتلك الإرادة، أي أن يتعلم المرء من فعله بما يسمى بمنهجية الخطأ والصواب؛ ينجز فعلا يحصل على نتيجته فتكون مرضية وفق المطلوب فيطور فعله لمزيد تجويد الفعل أو يخطأ في النتيجة فيتعلم من خطأه للمستقبل، يتواصل التفكير المتزن حتى مع ارتفاع الضغط النفسي إلى أن يبلغ هذا الأخير مستوى معينا يختلف من شخص إلى آخر حسب قوة الشخصية وقابلية التوتر stressabilité يسمى ذلك المستوى بالعتبة الحرجة le seuil critique، عند تجاوز الضغط النفسي لتلك العتبة فإن الدماغ يتحول من الوضع الواعي إلى الوضع الأتوماتيكي الذي يتميز بأن الأفعال تقاد حسب المثيرات لا حسب الإرادة والوعي، ينجز الإنسان الأفعال التي تعود عليها دون تفكير ودون تأمل، ولو كانت نتيجة تلك الأفعال خاطئة فلا ينتج عن ذلك تصحيح للفعل بل يتكرر هو نفسه كلما تكرر المثير stimulus.

كأن يقال لشخص متوتر “أنت مش راجل” سيكون رد فعله المتوقع الدخول في شجار، لو أن النتيجة كانت أن خرج من الخصام دون تحقيق أي نتيجة وتعاد له نفس الجملة ولا يزال على توتره فسيكون الفعل هو نفسه لأن قدرته على التفكير والتقييم والتأمل والتعديل هي أفعال واعية وهو لا يقدر عليها.
الدكتور النفساني الفرنسي في برنامجه التلفزيوني على قناة فرنسا2 العلاج بشكل مختلف guérir autrement
D. David Servan-Schreiber le psychiatre français
يوضح عمل الدماغ كما يلي:
القشرة الجبهية للدماغ (الناصية) cortex préfrontal: مكان المنطق والحساب والتفكير والتحليل واتخاذ القرار.
الدماغ العاطفي cerveau émotionnel: مكمن المشاعر والعواطف والعادات.
يدار التوتر من قبل الدماغ العاطفي عن طريق منطقة منه تسمى اللوزة Amygdale وهي مركز الخوف وتتعامل مع التوتر كما لو أنه خطر خارجي يهدد الشخص، فعند تعرض الانسان لضغط نفسي يتجاوز العتبة الحرجة فهو مثل الشعور بخطر داهم فإن اللوزة Amygdale ترد الفعل مباشرة بإفراز هرمونات التوتر: الكورتيزون والنورادرينلين الذَيْن يُعجلان نبضات القلب لإعداد البدن للتعامل مع الخطر هروبا أو هجوما. في نفس الوقت يتم قطع القيادة عن الدماغ الجبهي (إذ أن التفكير يعطل اتخاذ القرار) وتُنقل القيادة للدماغ العاطفي الذي لا يفكر بل يتصرف وفق ما اكتسبه من عادات بناء على عاداته وتجاربه السابقة. عند زوال التوتر أو مصدر الخطر يتدخل “قرن آمون” Hyppocampe ليعيد القيادة والتفكير والتحليل واتخاذ القرار للدماغ الجبهي مهمته وموطنه الأصلي.

عندما يكون الطفل يتجول بين الزهور ويقوم بتتبع الفراشات لمعرفة عددها والأزهار ذات الألوان النادرة ثم فجأة يشاهد حيوانا غير أليف يجري نحوه فإنه سيتوقف فورا عن التفكير وعن العدّ وترتفع دقات قلبه ويجري مسرعا هاربا مما اعتقد أنه خطر، نتج ذلك بفعل تدخل اللوزة Amygdale التي حولت قيادة السلوك من الدماغ الجبهي إلى الدماغ العاطفي والذي كان خزن سابقا أن الحل هو الهروب بأقصى سرعة. بعد برهة من الزمن والجري الحثيث تفطن أن الحيوان كان يجري في اتجاه مختلف وأنه لا يمثل أي خطر نحوه، في هذه الحال فإن “قرن آمون” ال hippocampe يقوم بإعادة القيادة إلى موطنها الطبيعي وهو الدماغ الجبهي بعد أن كان مؤقتا، عند الخوف، في مستوى الدماغ العاطفي.

يصف الدكتور David Servan-Schreiber الحالات المرضية المتقدمة بأنه شعور الشخص بأن الخطر قائم بشكل مستمر فلا يقوم الـ Hippocampe بدوره ويعطله الـ Amygdale عن ذلك وتبقى قيادة السلوك والمواقف في مستوى الدماغ العاطفي وهي حالات يلجأ فيها بعض الأطباء لاعتماد الأدوية المضادة للتوتر antidépresseurs بحثا عن العلاج إلا أنه ينصح بعلاج مختلف بممارسة الرياضة مثل 30 دق لثلاث مرات في الأسبوع فتأثير ذلك أدوم (40 % من مستعملي الأدوية يتعرضون لنكسة مقابل 8 % فقط للذين يعتمدون ممارسة الرياضة).

ما العمل إذا

نخلص من التحليلات السابقة إلى جملة من الاستنتاجات في طريق البحث عن الحلول الممكنة للتعامل الصحي والسليم إزاء التوتر مع الإشارة إلى أنه لا توجد حلول سحرية ولا حلول دون انخراط المعني بالأمر إنما هو مشروع للتغيّر الذاتي بعد فهم الحالة وفهم مداخل التحسين الممكنة.

يحتاج المرء أن تكون له أهداف من حياته وأن يكون واعيا بتلك الأهداف بل مقررا لها فغياب الهدف من الحياة يجعل من الفرد فريسة سهلة للأفكار السلبية؛ أن يكون راضيا بما قسمه الله له في ما يشاهده لكن الله تعالى أمره بالسعي الدائم لتحسين وضعه في كل جوانب الحياة الشخصية العائلية والمهنية ولا حدود في ذلك إلا أن يكون عملا مشروعا.

الوازع الديني مهم جدا فمن له إيمان قوي بالله تعالى ما يعني أن له ثقة به يكون أميل إلى التفسير التفاؤلي للأحداث المحيطة به أما ضعف الإيمان فيجر صاحبه إلى التفسير المادي البحت للأحداث من حوله ويدفعه إلى الاعتقاد بأنه لا مخرج له من وضعه ويقود ذلك للأفعال السلبية مثل الانحراف\والإجرام أو مزيد من تأزيم الوضع النفسي والصحي أو مزيد من توتير العلاقات التواصلية مع الغير مع الانخفاض الملحوظ في قدرة الشخص على ضبط نفسه فسلوكه ومواقفه تحكمها العاطفة والانفعال أكثر.

من هنا يتبين ضرورة العناية الكبيرة بالتربية والتنشئة على القيم ويكون ذلك في مستوى الأسرة والمجتمع ممثلا في الجمعيات والهيئات الرسمية مثل الوزارات بأنواعها وكذلك الأحزاب في تربيتها لقياديي المستقبل فيها، إن عددا من الأحزاب التونسية لا تولي التربية على القيم حقها المطلوب وتركز على التكوين السياسي والاقتصادي لكن غياب القيم ينتج قيادات مستقبلية ضعيفة القيم وهو أحد مداخل الفساد والانحراف السياسي، إن كل الدول التي بنت حضارة كانت تولي أهمية قصوى للقيم في مستوى القيادات، منها من كان يقوم على غرسها في المرشحين ليكونوا قيادات ومنها من تشترط ذلك لفرز من هو أهل ليكون قائدا فيعتمدون التحليل التفصيلي للشخصية وتاريخها الرسمي وغير الرسمي قبل قبوله في مسار قيادي للصف الأول.

إن التنشئة على القيم ضرورة لكل المجتمعات وقد عرضنا التبعات العظيمة لغياب ضبط النفس لدى الطفل وهي مسؤولية الأسرة أولا وكل من له تأثير في ذلك المجال مثل الأئمة الخطباء أو الجمعيات الذين عليهم توضيح ذلك للأولياء والشباب المقبلين على الزواج وأن يدربوهم على الأساليب الأفضل والأنفع في ذلك.

في الحديث عن العتبة الحرجة للتوتر يكون الحل في رفع مستوى تلك العتبة وبشيء من الدّربة تتحسن القابلية للتوتير stressabilité أي تنخفض فما كان يغضبك ويوتر نفسيتك بالأمس لم يعد كذلك اليوم برفع القدرة على التحمل تدريجيا، نعتمد في ذلك على الاستنتاجات التي تم التوصل إليها خلال الدراسة وهي أن الإنسان المتوتر يصبح سلوكه محكوما بالعادات المكتسبة سابقا. من هنا تأتي أهمية أن يبني المرء عادات صحية سليمة بناءة في غير توتر حتى إذا أصبحت عادة فعلا كانت هي سلوكه أو محددة لذلك عند الانفعال، فيقول المقابل له أن له طاقة تحمل عالية في حين أنه هو من أعد تلك الطاقة قبل التعرض لأسباب التوتر.

قد يتساءل البعض هنا أن هذا يحتاج إلى تفصيل وتوضيح وهو فعلا في حاجة لأسلوب تدريبي تطبيقي ليقتنع الفرد أن ذلك ممكن فعلا وأنه يحوله من حال إلى أفضل منه وأشير هنا إلى أن من حضر معي تدريبا في الموضوع سيتفطن إلى أن النص لا يأتي على كل الأمثلة الميدانية فهي مستقاة من سياق المشاركين في التدريب وليست عامة أما هنا فهو حديث وتحليل عام نسبيا.

أن يبني المرء عادات مثل أن يقوم باكرا، يقوم بواجبه الديني في وقته، يتناول الفطور جماعيا يوميا أو قدر الإمكان ولو مرة في الأسبوع على أن يصبح عادة لا يبرحها أبدا.
أن يستأذن للخروج من البيت والدخول إليه للأبوين والأبناء، أن يصل إل عمله ويغادره في الوقت وأن يحترم المواعيد مع كل الناس أو الأطراف ولو مسؤولا مع مواطن عادي.
أن يرسي عادة الحوار الحقيقي في بيته مع القرين والأبناء حتى يصبح لدى جميعهم سلوكا معتادا يتم فيه طرح كل الآراء بحرية ولو أن ينطلق بحصة أسبوعية مع التشديد على أن يتم تبني ذلك كعادة وليس كسلوك عرضي لا يعاد، وقياسا على ذلك أن تكون الزيارات العائلية عادة أيضا.

عند الحديث عن إرساء العادة فهو حديث عن أداة لتعويد النفس وبرمجة العقل الباطن على سلوك معين ليمارسه دون الحاجة للتفكير وليس حديثا عن تقدير كمي للمضمون فـأن تعوِّد نفسك على سلوك مثل زيارة الأقارب أو حصة نقاش أو حصة أسبوعية عائلية لمشاهدة جماعية لفيلم أو مسلسل فإن الأهم في كل ذلك هو معنى العادة ولو كانت ل 15 دق مثلا فالأهم هو إرساء العادة بعد تأمل مضمونها جيدا وبرمجة الذات على ذلك.

من الجدير بالذكر أنه، أن تلتزم بما ألزمت به نفسك أيسر بكثير عندما يكون في شكل جماعي فالالتزام الجماعي يصعب على النفس اختراقه، الالتزام الواعي بين أفراد العائلة أدوم بكثير من التزام الأفراد منفصلين كذلك أن تلتزم بنشاط رياضي مثل السير على القدمين لـ 5 أو 10 دق كل صباح مع مرافق أو اثنين يكون أفضل وأدوم.

هناك أيضا البعدان الزمنيان من حيث أن العادات بعضها يكون الهدف منها تحقيق غاية على المدى القصير وبعضها يعمل على المدى البعيد لكنه سلوك موضوعَ عادة (يوميا أو أسبوعيا).
الحديث عن إرساء عادات ليس خاصا بالأفراد في حياتهم الفردية أو العائلية بل يهم أيضا الحياة الجمعياتية بكل تأكيد كأن ترسي الهيئة المديرة لجمعية ما عادات في مجال إدارة الجمعية أو التعامل بين الأعضاء أو الاهتمام الاجتماعي بالأعضاء أو المنخرطين فتخصص في بداية كل جلسة 7 دق للعمل على القيم وكذلك تختم كل الجلسات ب دقيقتين في نفس المعنى. فإن لذلك تأثير كبير في “بناء الفريق team building” وللإشارة فذلك معتمد لدى الشركات والمؤسسات العالمية كأداة قارة في إطار بناء الفريق والشعور بالانتماء للمؤسسة بالإضافة إلى الحصص المطولة والمخصصة لبناء الفريق مرة أو مرتين في السنة.

كلنا معرضون في حياتنا لاستقبال رسائل سلبية أو المرور بفترات من التوتر، إذا نجحنا في إرساء عادات محل تأمل تشمل المدَيَيْن القريب والبعيد وفق مشروع تغييري ذاتي يشمل المجال الشخصي والعائلي والاجتماعي والحركي عموما، أن تحوّل السلوك المطلوب تدريجيا إلى عادة والرغبات إلى برامج عمل دورية (يومي \ أسبوعي \ شهري…) فقد رفعت كثيرا من العتبة الحرجة للتوتر واعلم أن كل عمل تثاب عليه فوريا ولو لم تشاهد ذلك الثواب: العمل على تنمية الثقة العملية بالله تعالى.

لا تتعلل بالوقت فخذ منه اليسير الذي لا يعيق أي نشاط فالهدف هو أرساء عادة بعد تأمل فائدتها ثم تطويرها تدريجيا.
مسار الألف الميل هو مجموعة خطوات لكنه يبدأ بخطوة أولى فمتى تكون خطوتك الأولى.

عمار التريكي
متفقد عام للتعليم الثانوي

شاهد أيضاً

موجز في التواصل غير العنيف

عمار التريكي  La communication non violente CNV العنف المقصود هنا ليس العنف المادي أو اللفظي …

من البيداغوجيا في التكوين عن بعد

عمار التريكي  1. التكوين والبيداغوجيا المقصود بالتكوين عن بعد هو التكوين الإلكتروني e-learning وهو نوع …

اترك رد