fbpx
الإثنين , 25 يناير 2021

خالتي الزّازية

عبد اللطيف علوي 

كنّا نناديها “خالتي الزّازية” كناية عن اسمها الحقيقيّ “الجازية”، مع أنّه من غير المتوقّع بالمرّة أن يكون من سمّاها، كان يستحضر اسم الجازية الهلاليّة وما أدراك…!
لم تكن تسمح لابنها بأن يغيب عن نظرها، فكنّا نشاركه لعب الكرة في “الحصيدة “، قرب بيتها.
كان اسمه “المنجي” وكنّا نناديه “عتّوقة” لأنّنا لا نضعه إلاّ في حراسة المرمى، كان يعاني من نوع من القصور الذهني الحادّ، حيث توقف نموّه في سنّ الخامسة أو السّادسة، وتضخّم جسمه حتى صار كعملاق صغير..

وما أكثر ما كانت تتعالى الأصوات ويدبّ الخلاف ويستبد القويّ منّا على الضّعيف، فيلجأ الواحد منّا إليها باكيا، شاكيا وببضع كلمات ولمسات لها ما يشبه مفعول السّحر، كان يعود إلى أصحابه راكضا، وقد نسي أصلا ما ذهب يشتكيه ومن تعدّى عليه…
أحيانا كان يكتفي فقط بأن يطرح شكواه أمامها، وقبل أن تجيبه بأيّة كلمة يكون هو قد انفلت من بين يديها عائدا إلى رفاقه ينطّ كأرنب ممراح.
زوجها، “عم العربي”، كان كثيرا ما يتحرّش بنا، فيفتكّ منّا الكرة أحيانا، ويزمجر ويُرغِي كفحل من الإبل، وهو يقسم أنّه هذه المرّة سيشلقها ب”موس بوسعادة”… ولن نفرح بها ثانية أبدا، لأنّنا أزعجنا قيلولته التي تمتدّ إلى ما بعد العصر وحتّى بشائر الغروب، وأحيانا يتّهمنا بأنّنا نزعج كلبه، الذي ظلّ هو أيضا لشهور، عاجزا عن التّعوّد علينا والاستئناس بحضورنا، فكان لا يكفّ عن النباح طيلة فترة لعبنا، وكلّما تعالت صيحاتنا، تعالى نباحه وهريره …
أحيانا كنّا نلجأ إليها لنشتكي زوجها حين يطفح بنا الكيل ويغلبنا القهر، فتقول لنا: “ما يهمّكمش فيه، ماكم تعرفوه عمكم العربي، قلبو حنين، ويحبكم كيما “عتّوقة”… خلّوه يهدأ ويبرد تو يرجّعلكم الكورة وحدو وحدو…”
ونظلّ ننتظر دقائق طويلة، ونحن كاليتامى أمام “عشّته”، ننتظر أن يحنّ قلبه ويبرد كما قالت “خالتي الزّازية “، حتّى نيأس وينصرف كلّ منا إلى بيته خائبا، يلعن في سرّه “عم العربي” الحنون الّذي يحبنا مثل “عتّوقة” لكنّه لم يرحمنا يوما ولا رحم “عتّوقة”.
في اللّيل، كنّا ننام مطمئنّين واثقين أننا سنجد الكرة عندها في صباح اليوم الموالي، فتزداد محبّتنا لها كلّ يوم وإعجابنا بها، إذ كيف استطاعت أن تنقذ الكرة مرّة أخرى من بين مخالب ذلك الوحش الذي لا يرحم!
الحقيقة أنّنا لم نكن نفهم أبدا لماذا كانت تقول عنه ذلك الكلام؟ هل لأنّها فعلا تعتقد ذلك؟ أم لأنّها لم تكن تتجرّأ على معارضته أبدا في أيّ أمر حتى ولو كان ظالما، أم أنّها كانت تريد فقط أن تحافظ له على شيء من المودّة في قلوبنا، تجتهد في إقناعنا بها رغم كلّ شيء …
مع الأيّام، كبرنا وتفرّقنا، وتغيّر كلّ شيء إلاّ كوخها الحزين في طرف القرية، كانت تجلس أمامه بالسّاعات، تملأ أذنيها بصخب الصّغار يلعبون أمامها ويضجّون ويتصايحون، ثمّ انفضّ من حولها ذلك الصّخب، وتغيّرت أحوال النّاس وألعاب الصّغار، وكبر “عتّوقة” وصار سارحا لأهل القرية يرعى أغنامهم طول اليوم مقابل عطايا زهيدة أشبه بالصّدقات، وبقيت هي حيث تركناها، تجلس هناك طول الصّباح والمساء ولا رفيق لها سوى دجاجاتها.
بعد أن خرجت من السّجن لم أرها سوى مرّتين، زرتها لأطمئنّ عليها، فقد أقعدها المرض وألزمها الفراش، وتقطّعت بها كلّ أسباب العيش، إلاّ ما يجود به أهل الخير من لقمة العشاء كلّ مساء.
وصلت قبل أن تخرج الجنازة، ورأيت “عتّوقة” يقف غير بعيد، خارج السّياق تماما، كأنّه من بقيّة المعزّين… كان واضحا أنّ عقله البسيط لم يكن يستوعب أمر الموت والحياة. حين رآني تهلّل فرحا وأقبل يسلّم عليّ بكلّ حفاوة ويضمّني بحرارة… كان يحبّني كثيرا، أكثر من كلّ النّاس… لأنّني كنت ألاطفه دائما وأمنع عنه كلّ من يحاول ضربه، منذ الصّغر كان ضخم الجثّة، لكنّه كان قاصرا وعاجزا تماما عن الدّفاع عن نفسه حتّى أمام الأضعف منّا، وكان الجبناء منّا يختلقون الأسباب دائما كي يضربوه كنوع من التّعويض النّفسيّ اللاّواعي.
سرت وراء الجنازة منفردا، أحاول أن أطرد الأفكار الشّرّيرة وهي تنبت في رأسي كالطّحالب السّامّة… لماذا ماتت “خالتي الزّازية” ولم يمت مبروك الأجنف أو أحمد بوريقة؟ أيّة عدالة في السّماء تقبض روحها البريئة الّتي لم تؤذ يوما ذبابة، وتترك من يعيش ويأكل ويشرب من لحم أخيه…
رأيت كلّ القوّادين يتسابقون إلى حمل النّعش، وهم يردّدون خلف المؤدّب ويبالغون في إظهار علامات الخشوع والورع والتّقوى، فتمنّيت أن أنتزعها منهم وأصفعهم جميعا بأوسخ فردة حذاء أجدها في طريقي ثمّ أشتم أمّهاتهم بأقذر ما سمعته في السّجن من ألفاظ ساقطة… كيف يستطيع هؤلاء أن يتحوّلوا بمثل تلك البساطة وينافقوا الله حتّى وهم في جنازة، حتّى وهم يقفون على شفا الحفرة الأخيرة ويرون أنّ ذاك هو مصيرنا جميعا مهما أمهلتنا كفّ الموت؟
كانوا جميعا يلتفتون إليّ من حين لآخر، ويتهامسون كأنّه لم يكن في الجنازة غيري، حتّى البسطاء الطّيّبون شعرت أنّهم يتحرّجون من الوقوف أو المشي إلى جانبي… صار مجرّد حضوري في الجنازة أمرا يلفت أنظار الجميع ويثير الكثير من الرّيبة والتّوجّس، طيلة الطّريق إلى المقبرة، كنت أشعر أنّ حضور بن علي وسطوته على الحاضرين، أقوى بكثير من حضور الله، فتركتهم قبل الوصول بخطوات، وانسحبت عائدا إلى “عتّوقة” حيث تركته.

Aucune description de photo disponible.

شاهد أيضاً

الغصّة الّتي قتلت محرزية، الغصّة التي سوف تقتلني

عبد اللطيف علوي  محرزية العبيدي عرفها الجميع سيّدة نبيلة بين النّساء، أوّل نائب لرئيس مجلس …

الرّابع عشر من جانفي… أسفر الصّبح بطيئا بعد ليلة طويلة لم أنم فيها إلاّ القليل

عبد اللطيف علوي  أسفر الصّبح بطيئا يتحسّس العالم بين كسف السّواد الثّقيلة، بعد ليلة طويلة …

اترك رد