fbpx
الأربعاء , 27 يناير 2021

الثورة والثورة المضادة كالميلاد والموت

صالح التيزاوي 

المجد والخلود لشهداء تونس من شبابها الذي روّى بدمائه الزّكيّة شجرة الحرّيّة، وألهم نظراءه من شباب العرب كسر حاجز الخوف من أنظمة بالغة السّوء والإستبداد إيذانا بعصر جديد. تساقطت أوثان السّياسة كأحجار “الدّومينو” بعد أن خلناهم، لا يسقطون إلّا بدبّابة أو بقبضة من عزرائيل. غير أنّ فلول الأنظمة المتهاوية، لم تلبث طويلا حتّى استوعبت الصدمة وأجمعت أمرها على معاقبة الشّعوب المنتفضة في وجه استبداد قلّ نظيره وطال أمده.

ماذا بقى اليوم من تلك الثّورات بعد عقد على اندلاعها؟ وهل انتهى أمرها دون أن تحقّق أهدافها؟ وماذا عن الثّورة “النّاجية” في تونس وهي تترنّح تحت وطأة أزمات سياسيّة متلاحقة وأخرى اجتماعيّة بعضها مبرّر وأكثرها مدبّر واقتصاد يترنّح، زادت جائحة الكورونا من متاعبه ووسط دعوات مشبوهة لحوار وطني، أصبح تقليدا بائسا بعد كلّ انتخابات وسعي محموم للإنقلاب على نظام سياسي، أحكم الدّستور سدّ منافذ الإستبداد التي يمكن أن يتسرّب منها؟

أبدت الشّعوب العربيّة حماسة للثّورة على جلّاديها وناهبي ثرواتها، ليس عن نوازع تخريبيّة أو انتقاميّة، كما في الثورات التي عرفتها البشريّة (البلشفية، والفرنسيّة والإيرانيّة) ولكن لأسباب إنسانيّة واجتماعيّة.. إذ ليس من المعقول في عالم ما بعد الحداثة أن يكون الحاكم العربي هو الحاكم الوحيد الذي يحكم مدى الحياة حتى وإن بلغ من العمر عتيّا، وليس من المعقول أن يكون المواطن العربي هو الوحيد في العالم الذي لا يستطيع أن يعبّر عن رأيه في الشّأن العام فضلا عن اختيار حكّامه، وليس من المعقول أن تصبّ خيرات الوطن في جيوب الحكّام وقوّاديهم.

لم يرق الرٍبيع العربي لثلاثة أطراف رئيسيّة التقت مصالحها على وأد الثّورات العربيّة وبأشدّ وسائل البطش:

  1. الصّهيونيّة التي توجّست خيفة من ميلاد أنظمة عربيّة ديمقراطيّة، تكون للشّعوب العربيّة السّيادة كلّ السّيادة في إفرازها، وإنّ أمرا كهذا لن يكون في مصلحة صفقة القرن والتّطبيع اللذين كانا يطبخان في “غرفة أبو ظبي” للثّورات المضادة، حيث تجمّع كلّ شياطين الأرض لينشروا في بلدان الرّبيع مشاهد مشبعة بالرّعب والموت (ليبيا، مصر، سوريا، اليمن).
  2. نظام الملالي في طهران الذي كان يخطّط لابتلاع العالم العربي تحت شعارات مضلٍلة “المقاومة” و”تحرير الأقصى”. فإن كان الأمر كما يدّعي نظام الملالي، لماذا سلّط أذرعه الطّائفيّة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، لقمع ثورات الشّعوب العربيّة واختطافها؟ قمّة النّفاق أن يلعنوا على منابرهم التّكفيريين ويمارسون التّكفير مع المذاهب السّنيّة. ولم يسلم من تكفيرهم حتى رموز الإسلام من الصّحابة ومن أمّهات المؤمنين.. يتباكى شيعة طهران على انتهاك حقوق طائفتهم في البحرين ولا يأبهون لحقوق الشّعب السّوري!! أليس هذا هو النّفاق بعينه؟!
  3. نخب عربيّة، منبتّة عن شعوبها، كانت تعتاش من المتاجرة بقيم الحداثة، وفي حقيقة الأمر، كانت تمدّ الأنظمة القمعيّة بأسباب البقاء (وحيد حامد السّيناريست المصري نموذجا) وأمثاله كثر في الوطن العربي.. فهم الواجهة التي كانت تقوم بتخدير الشّعوب العربيّة، وانتقلوا بعد الثّورة إلى تخريب، تجاوز أسوأ ما يمكن أن يتوقّع الإنسان منهم. ومن المؤسف حقّا أنّ جمهورا واسعا صدّق أنّ الثورات العربيّة لم تأت سوى بالخراب!!

الخوض في الظّروف الموضوعيّة (الدّاخليّة والخارجيّة) التي التقت على إجهاض الثّورات العربيّة، لا يلغي أسبابا أخرى تتعلّق بالثّورات، من ذلك:

  1. أنّها لم تفرز قيادات تملأ الفراغ الذي تركه سقوط رؤوس النّظم المتهاوية ورموزها، ولم تحظ بقادة يحسنون صياغة مطالب الجماهير وترتيب أولويّاتها، ومن ثم تحويلها إلى إنجازات واكتفى القادمون الجدد للحكم بمجاراة الوضع يوما بيوم، دون أن تكون لهم رؤية واضحة ومبادرات رياديّة تجتذب الجماهير.
  2. لم يتّخذ أنصار الثّورة الحيطة اللازمة لحماية ثورتهم على عكس الثّورة المضادّة، نجحت نواتها الصّلبة في تجنيد كل وسائل التخريب (مال وإعلام ونقابات ودولة عميقة) لتفرض مناخا من الخوف والإرهاب لإقناع البسطاء بأنّ أوضاعهم قبل الثّورة كانت أفضل.

شاهد أيضاً

ألفة الحامدي الوافدة من بلاد أخرى!!

صالح التيزاوي  ألفة الحامدي على خلفيّة تصريحها الأخير حول اعتصام نقابيين وغرباء على باب مكتب …

المستفيد من أعمال التخريب

صالح التيزاوي  ابحث عن المستفيد تعرف الفاعل قاعدة يطبّقها المختصّون في علم الجريمة لمعرفة الجاني، …

اترك رد